mercredi 15 août 2012

‮‬حبل سري‮ :‬‮ ‬حريتي من أجل وطني‮


د. شيرين أبو النجا ـ أخبار الأدب

تبدو المسألة الكردية أحد شظايا الاشتعال السوري وهي في القلب منه أيضا‮. ‬ولأنها من أكثر المسائل حساسية في العالم العربي بوصفها أحدي مسائل الهوية فإن مها حسن الروائية السورية‮ (‬الكردية؟‮) ‬تعبر عنها كما هي بدون تزييف أو تجميل في روايتها الثالثة‮ "‬حبل سري‮" (‬الكوكب رياض الريس،‮ ‬2010‮) ‬فتكتب عن‮ "‬الترحال الكردي،‮ ‬ولماذا لا يحس الكردي بالانتماء إلي المكان،‮ ‬وخاصة إذا كان ذلك الكردي امرأة‮. ‬أي لماذا لا ترتبط الكردية بالوجود،‮ ‬ولماذا تظل تحت الوجود،‮ ‬وخلفه،‮ ‬لا في العدم،‮ ‬بل علي حافة التواجد،‮ ‬لا موجودة ولا معدومة،‮ ‬بل منفية في الفيصل بين العالمين؟‮" ‬عبر قصة‮ ‬غاية في المحلية تسرد تفاصيل حياة أسرة كردية ممتدة تعيش في حلب،‮ ‬تتمكن مها حسن من توظيف هذه المحلية لتعيد طرح أسئلة قديمة في سياقات جديدة‮. ‬

تنشأ حنيفة في ظل أسرة كردية‮ ‬نمطية،‮ ‬فالأب متزوج من امرأتين‮ (‬كردية وعربية‮) ‬تشتعل بينهما المشاكل المعتادة فيقرر‮ (‬أو بالأحري تقرر له العائلة‮) ‬أن يطلق واحدة منهما،‮ ‬وهو ما يؤدي إلي رسم أقدار حنيفة التي تعاني من النبذ والإقصاء بعيدا عن جو الأسرة‮. ‬ولأنها لا تشبه أمها كثيرا تتحول العمة‮- ‬حنيفة أيضا‮- ‬إلي الأم الروحية الحقيقية،‮ ‬ولذلك ينفطر قلبها عندما تختفي حنيفة الصغيرة‮. ‬بهذه الواقعة تتشكل رؤية حنيفة للعالم من حولها،‮ ‬فيبدأ الترحال علي المستوي النفسي مع المحاولة الدائمة للامساك بجوهر المعني الغائب عنها‮. ‬بيد أن هذا النبذ والتهميش الأولي يتجلي في شكل تميز وتفرد يمسك عصب السرد من البداية حتي النهاية‮. ‬فالنبذ هو ما يدفع حنيفة إلي طرح الأسئلة منذ أن كانت تلميذة بالمدرسة،‮ ‬وإذا كانت الأسئلة حينها تدور حول‮ "‬لماذا‮" ‬فإن الأسئلة تطورت لاحقا‮- ‬بعد انتقالها إلي فرنسا‮- ‬لتحاول الوصول إلي‮ "‬كيف‮"‬،‮ ‬كيف يمكن تحديد الهوية الكردية التي لم يكن لها وطنا،‮ ‬كيف يمكن الشعور بالانتماء الذي لم يتوافر من قبل‮. ‬تدور أفكار حنيفة‮- ‬التي تتحول إلي صوفي في فرنسا‮- ‬بسرعة كبيرة وبشكل‮ ‬غير مترابط أحيانا في تلك المساحة الجدلية التي ترسم علاقة الهوية بالوطن،‮ ‬وإذا كانت هذه العلاقة تكمن في قلب المسألة الكردية،‮ ‬فإن الأمر يتضاعف مع حنيفة بوصفها امرأة‮. ‬

استفاضت الأدبيات النقدية النسوية في تحليل فكرة الهوية التي تتشكل بين ثقافتين،‮ ‬بين عالمين،‮ ‬كل منهما يحمل لغته وتراثه وتاريخه‮. ‬وقد أدت هذه الأدبيات وغيرها‮- ‬التي لم تعتمد علي التنظير فقط‮- ‬إلي تقويض الفكرة السائدة عن الهوية بوصفها ثابتة علي مر الزمان واختلاف المكان‮. ‬شكلت حنيفة هذه الهوية المتعددة برغبتها،‮ ‬أملا في الهروب من ماضي مؤلم،‮ ‬إلا أنها ظلت تتأرجح بين العالمين ولم يكن لها مكانا في النهاية سوي أن تقبع في المنطقة الفاصلة بينهما تحاول أن تمسك بخيط واحد ولا تنجح،‮ ‬يتمكن منها القلق الوجودي وتدرك أنه القدر‮: "‬لا أستطيع العودة إلي الوراء،‮ ‬ولا العيش في الآنية،‮ ‬لا مصير لي سوي الترحال الأزلي،‮ ‬الخروج الأبدي،‮ ‬وكأن البيوت لم تصمم لتكون لي‮...". ‬تترك كل شيء‮ ‬غير مكتمل لتبحث عن‮ ‬غيره يحقق لها المراد،‮ ‬ولا تجد ملاذا سوي السباق مع الريح‮- ‬وسيلة هروب‮- ‬في السيارة أو علي الدراجة،‮ ‬فتترك حياتها‮ ‬غير مكتملة وتفقدها في لحظة سرعة جنونية‮. ‬وكأن الموت‮- ‬ليس بمعني الانتحار‮- ‬هو ما كانت تبحث عنه صوفي/حنيفة‮. ‬تترك حياتها بشكل مفاجئ وتوكل الآخرين ليكملوا لها الأجزاء الناقصة من الصورة‮. ‬تموت صوفي لتصبح أكثر حضورا في السرد وفي حياة الشخصيات عبر كل وجودها السابق وبصماتها،‮ ‬وعلي المستوي المادي تترك أكبر مشروعين‮: ‬الأول هو رواية بدأتها تشتبك فيها مع‮ "‬الخيميائي‮" ‬لباولو كويلهو‮ (‬كيف تريد الشيء بشدة حتي تحصل عليه‮)‬،أما المشروع الثاني فهو ابنتها باولا التي تركتها صغيرة وقام آلان‮- ‬رفيق صوفي في حياتها‮- ‬بتربيتها‮. ‬

إذا كان التسلسل الأمومي قد بدأ بالعمة الكبيرة حنيفة ومر بصوفي فإنه يستمر مع باولا،‮ ‬التي تعلن‮: "‬أحس أحيانا أني شبح أمي،‮ ‬أني لست أنا بل جزءا اقتطعته أمي وتركته هنا،‮ ‬وها هو يكبر مع الأيام،‮ ‬ويصيرها،‮ ‬أنا لن أصبح أنا،‮ ‬وأحقق وجودي الخاص بي،‮ ‬ما لم أحل لها مشاكلها،‮ ‬لا تزال صوفي تنظر إلي العالم بعينين مفتوحتين،‮ ‬أريد أن تغمض عينيها وترتاح‮". ‬هكذا تعود باولا إلي الوراء متتبعة خطوات أمها ليحط بها الرحال في مسقط رأس أمها‮. ‬تعيد باولا كافة التفاصيل في وسط العائلة الممتدة،‮ ‬حتي ينتهي بها الأمر إلي الزواج من روني لتنجب الزا ويستمر التسلسل الأمومي‮. ‬في إقامة باولا في حلب تعيد مها حسن سرد التأرجح بين ثقافتين من منظور مختلف،‮ ‬وتضمن حكايات النساء هناك التي تستمع لها باولا،‮ ‬لتكشف عن الإشكالية الأزلية الكامنة في الثقافة‮: ‬الحرية،‮ ‬بمعناها الفلسفي الذي لابد وأن ينعكس علي الواقعي‮. ‬تفهم باولا المسألة الكردية في علاقتها بالديمقراطية الممنوعة،‮ ‬وتفهم أنه من أجل القضية الكبري لابد وأن تسحق الحريات‮ "‬الصغيرة‮"‬،‮ ‬وتتأكد أن حبها لروني قد بدأ ينقل حياتها من خانة الحرية المفروغ‮ ‬منها إلي خانة الخضوع طواعية،‮ "‬أنا كامرأة ما لم أستطع أن أكون حرة في تصرفاتي الصغيرة،‮ ‬كيف سأدافع عن الحريات الكبري،‮ ‬حريات الاعتقاد،‮ ‬الحريات السياسية،‮ ‬الحريات الوجودية‮...". ‬بتتبع خطوات أمها تجد باولا نفسها في ذات المأزق الذي مرت به صوفي وهو ما يدفعها إلي العودة مرة أخري إلي فرنسا لتضع حملها هناك‮. ‬

إن الأسئلة التي تطرحها رواية‮ "‬حبل سري‮" ‬تمس جوهر ومعني الحرية،‮ ‬حرية العيش في الأوطان،‮ ‬وحرية اختيار الانتماء‮. ‬وهي الأسئلة التي تعيد طرح العلاقة بين حقوق النساء وبين حقوق الأوطان،‮ ‬تلك الإشكالية التي بدأت منذ عهود الاستقلال ولم تنته حتي الآن‮. ‬فالأوطان دائما ما تؤجل حقوق وحريات النساء من أجل العمل علي‮ "‬القضايا الكبري‮"‬،‮ ‬ومن أجل إرساء الديمقراطية تدريجيا،‮ ‬فينتهي الأمر إلي إخضاع وخضوع النساء بوصفه أمرا مقررا سلفا ومفروغا منه‮. ‬ولإعادة طرح مسألة الحرية والهوية يوظف السرد التقابل بين الشرق والغرب بمنظور مختلف كليا عن الأعمال الأدبية المعروفة في هذا السياق،‮ ‬فينتفي عن الرواية صفة طرح حوار بين الثقافات أو عقد مقارنة‮. ‬في بحث باولا في‮ "‬التيه‮"- ‬تيمنا بالخيميائي‮- ‬تصل إلي الجوهر الذي بحثت عنه صوفي طويلا،‮ ‬وفي بحثهما معا يبقي آلان كشاهد‮ (‬كاتب‮) ‬علي تسلسل أمومي قوي يعتمد علي ما يشبه تناسخ الأرواح‮. ‬وكما تتداخل الأرواح تتداخل الكتابة فلا نستطيع تحديد من الذي يكتب‮: ‬صوفي أم حنيفة أم آلان أم باولا