jeudi 15 janvier 2015

مراجعة لرواية “الراويات”

مراجعة لرواية “الراويات”


يحلّ الظلام والصمت. تظهر الجنّيات بأجنحتها الملونة المضيئة، وتحملك إلى أرض الحكايات. تحدّق في كل ما حولك، تكاد أنفاسك تنقطع. تجري وراء "أبدون"، لكنها أسرع منك. تفلتك في منتصف الطريق وتختفي. تائهٌ أنت! لا تستطيع المشي وسط أكوام الحكايات كلها دون دليل. تظهر "ديبة" كمنقذ، وتأخذ بيدك لتواصل الطريق، تضعك على باب "مقهى شهرزاد" وتغادر. هناك تنبهر بما تراه، تسمع بأماكن حقيقية وأسماء تعرفها، ومجدداً تغرق في بحر من الحكايات. تستلمك الراويات واحدة واحدة، ويحكين لك حكاياتهن، لكن الصباح سريعاً ما يأتي، وقبل أن يصيح الديك تغلق الكتاب، فيختفي فجأة - كما ظهر - كل شيء. تتلفت حواليك: لا زلت في غرفتك. "أجلب العالم إلى غرفتي" قالت لك في الصفحة الأولى، ونسيت أن تخبرك أنها ستجلب أرض الحكايات كلها إلى غرفتك!

من حيث الشكل، تبني "حسن" روايتها على شكل ثلاث روايات مستقلة، ومتصلة، في آن معاً، هي أشبه بدمية "ماتريوشكا" روسية، فالرواية تخفي بداخلها رواية أصغر، هذه الرواية تخفي واحدة أصغر أيضاً، وهكذا. الحكايات تتناسل، والراويات يزددن، كل واحدة منهن تمتلئ روحها بالحكايات والكلمات التي تريد البوح بها، وذلك كله عبر حبكة مشوقة جداً، توهمك أحياناً أنك أضعت طريقك ضمن متاهة السرد، ثم بعد فصل أو اثنين تأخذك إلى الباب المؤدي إلى المكان نفسه. لا تتركك تائهاً، لكنها في الوقت نفسه لا تريدك أن تسير في خط مستقيم فتفقد متعة اللعب!
الراوية الأولى في الكتاب هي "أبدون" التي تحيا ضمن عوالم خيالية، تخلق فيها شخصيات لا نهائية، تعيش معها، وتتخيّل حكاياتها. تتغيّر حياتها بعد أن يأتي رجل يعرض عليها المال اللازم كي تترك عملها وتتفرغ لكتابة رواية. توافق "أبدون" مدفوعةً بحبها لهذا الرجل الذي لفتتها وسامته. لكنه بعد أن تنتهي من الكتابة يسطو على الرواية وينشرها باسمه، مع ذلك فإنها لا تمانع إذ "ما يهمني إن بقيت الكلمات والقصص حبيسة بداخلي ثم ماتت معي؟ أليس من الأفضل أن تخرج وتحيا، حتى ولو نشرها باسمه؟ ليس مهماً اسم الكاتب على الغلاف، المهم أن تخرج الحكايات ليقرأ العالم ويتعرف إلى أبطالي. المهم هو الرواية، لا الروائي".
يحقق الرجل شهرة واسعة بسبب هذه الرواية، لكنه يبقى عاجزاً عن كتابة واحدة ثانية، فيذهب إلى قرية للاستجمام والاسترخاء، هناك يعثر على حب حياته "لويز"، التي تكون هي واحدة من الراويات أيضاً. يتزوجها وينجب منها ابنة، لكن ظهور رواية تدور أحداثها في تلك القرية "حور العين"، والشهرة التي تنالها، يسببان له نوعاً من الهوس، خاصة بعد أن يربط الناس بين الاسم المستعار الذي وُقعت به الرواية، ووجوده هو في تلك القرية.
الخاتمة ستكون بعنوان "مقهى شهرزاد" ذلك المكان المخصص للراويات اللواتي لديهن حكايات لم يكتبنها، والذي يبدأ استقبال الزائرات بعد منتصف الليل، حيث يلبسن الملابس التاريخية الملونة، ويحكين حكاياتهن.
تسرد "حسن" فصولاً تبدو متقطعة ولا علاقة لها بخط السرد الأساسي، لكن، فجأة وفي غمرة انشغال القارئ بحكايات جديدة وحبكات فرعية، تربط الروايات الثلاثة ببعضها، ببراعة من خطط مسبقاً لإدهاش المتلقي.
تهدي الكاتبة روايتها إلى "النساء الحكواتيات في بقاع الأرض، اللواتي لم تساعدهن الحياة على نشر رواياتهن على الملأ، فعشن ومتن في الظلمة". هكذا، تنحاز منذ البداية إلى الحكاية، التي هي الأصل، إلى الشفوي، البعيد عن التدوين، الذي يحمل في أحد معانيه: الرغبة في النشر، ما يُجبر صاحب الحكاية على أن يخضع لمتطلبات النشر والتسويق، فتفقد الكتابة تلقائيتها، وتفقد الحكاية طزاجتها. والتدوين يعني أيضاً، أن تصبح الحكاية ثابتة لا مجال لتعديلها أو تغييرها، بينما الكاتبة مغرمة – في هذه الرواية على الأقل - بالتحوير والتبديل وكسر المتوقع. لا اسم ثابت على امتداد الرواية، كل شخصية يمكن أن تحمل اسمين، ثلاثة، أو أكثر. لا وجود للمطلق والنهائي، حتى تلك الحكايات التي عرفناها صغاراً، نجد أن أبطال روايتها يغيّرون فيها ويحكونها على هواهم، فتصبح "سندريلا"
ليست تلك الفتاة صاحبة الحذاء، بل الفتاة التي يعكس وجهها مستقبل الزمن القادم للشخص الذي ينظر إليه.
وضمن هذا اللاثبات والكره لكل القيود والآراء النهائية والقاطعة، تشاكس "مها حسن" من جديد رأي "راوياتها" بخصوص "التدوين"، فتحكي عن علاقتها هي، وعلاقة راوياتها، بالكتابة، فهي تعيد رسم العالم الخارجي بقلمها، وتسجل لتحفظ حيوات أبطالها وحكاياتهم من الموت، وأما "راما" الراوية التي تظهر في ختام الراوية، فتقول: "عبر الكتابة، تحررت أعماقي، وخرجت إلى الضوء، وعبر الكتابة، كتابتي، لا كتابة غيري، امتلكت أعماقي المنبوذة، شرعية الضوء، والخروج إلى الملأ".
لا مكان محدد ولا زمان محدد تجري فيه القصص والأحداث. إنها رواية تنتصر للرواية، إنها رواية عن الرواية