mardi 16 mars 2010

اليوم الأول في "زيارة حنان"، حيث يرقد أبي الآن

اليوم الأول في "زيارة حنان"، حيث يرقد أبي الآن

" أمينة، داستيمن بارمادا" .

بهذه العبارة أنهى أبي حياته، في صبيحة الأول من مارس 2010. " أمينة، لا تتركي يدي"، كما لو أنه اعتقد أن يد أمينة القوية، ستشده من الموت، فتبقيه حيا.

تنبهت لنقل أمي لعبارة أبي الأخيرة، بأنه كان يتحدث معها باللغة الكردية.

كان أبي يتحدث معي بالعربية ، وكذلك مع إخوتي وأختيّ ، ولكنه مع أخواته وإخوته، وأصدقائه، وأمي، كان يتحدث بالكردية.

مع أنني أتقن الكردية، إلا أن أبي لم يعتد استعمالها معي، كما لو أنه فصل حياته لغويا، بين حياة حميمية ورثها وجاءت إليه دون خيارات، وحياة أخرى أصبح فيها شخصا مسؤولا، مربيا .

في حميميته مع الأصدقاء، والأهل، وأمي، تحدث الكردية . وفي علاقته المتأرجحة بين الرفض والقبول، معنا نحن أبناءه، وأرباب العمل، وأهل الحي ... كل هذا العالم الذي فُرض عليه،اختار العربية للتواصل .

أدركت بغتة أن أبي عاش متقطع الهويات، ولكنه مات كرديا، بل، ومات مسلما.

-1-

في الساعة السابعة من صباح الاثنين الأول من آذار، استيقظت كالعادة، لأحضر قهوتي أولا، ثم أفتح جهاز الكمبيوتر لأطلع على بريدي وأخبار العالم من حولي، عبر شبكة الانترنت . فعلت هذه الأشياء، حضرت قهوتي وفتحت الكمبيوتر، وبانتظار إقلاعه، أخذت جهاز هاتفي فألقيت نظرة متلصصة عليه، وهذا ما أفعله أحيانا، ولكن ليس ضمن برنامجي الصباحي، لأرى فيما لو كان ثمة اتصال ما أثناء نومي، إذ أفصل هاتفي عني حين أنام، وأتركه وحيدا في الصالون.

رأيت اتصالا من أختي، في الخامسة صباحا، أي السادسة بتوقيت أهلي في حلب، " عصّني قلبي " وأحسست بشيء ما ... في الوقت الذي كنت أقول فيه لفيليب " آه، ثمة رسالة من أختي "، كان قد فتح الباب وشرع بالمغادرة، كما لو أنه يحاول التملص من النظر إلي ... ليعدّ انفعالاته بعيدا عني.

فتحت الرسالة، وقرأت الكلمتين اللتين كتبتهما أختي، واللتين لا أستطيع حتى لحظة كتابة هذه الصفحات أن أعيدهما ... كتبت سها العبارة بالفرنسية، مؤلفة من الفعل والفاعل، جاهلة أو بسبب الانفعال أسقطت فعل الكون الفرنسي من الجملة، لأننا نستعمل أفعال الكون في حالة كهذه، أو بالأحرى، ماضي فعل الكون، كفعل مساعد .دون فعل مساعد، كتبت أختي الرسالة، كأن الفعل هو مضارع، مع أنه أصبح، حين تمّ وانتهى حدوثه،ماضيا .

كتبت سها

Papa mort

بدلا من

Papa est mort



إلا أن العبارة الأولى، الخاطئة نحويا، ستبقى بمثابة لازمة ملاصقة لتصوراتي القادمة، ولمحاولاتي في تثبيت الحادثة واقعيا في رأسي .

ضغطت أرقام النداء الدولي، واتصلت بأهلي.

كانت أصوات البكاء تأتيني بوقار، لا عويل ولا صراخ، بل بكاء مهذب، مختلط بادعاء الفهم والقبول. من أجلي، كانوا يكتمون بكاءهم .

راحت أمي، بوصفها أحد الأشخاص المغذّين لقدراتي السردية، من حيث رويها التفاصيل بدقة، واستعراضها لجزئيات لا يلحظها غيرها، وبل بمهاراتها السردية في تكرار سرد أي حادثة، دون أن تكون الحكاية هي ذاتها، تبرع أمي بخلط الواقع مع رغباتها، وتسرد الحدث ذاته في عدة روايات، إلا أنها كررت عبارة " أمينة، داستيمن باماردا"، دون أن تلعب بها .

راحت أمي إذن تصف لي بدقة :

" إنه هنا، جواري، يستلقي كنائم .. عمتك فريدة تغني له، وتتحدث إليه، سها ونائلة جالسات قربي، ننتظر الرجال الذين يحضرون القبر".

تحدثت إلى سها ونائلة سريعا لأطمئن عليهما، ولأشعرهما بقربي منهما ...ثم أغلقت الهاتف منتظرة الفصل القادم من رحلة أبي الأخيرة.

نسيت الكمبيوتر، وتركت قهوتي أمامي على طاولة الصالون، حيث كان هاتفي مرميا طيلة الليل .حين عاد فيليب بعد أن أنهى جولة الصباح مع الكلبة، كان قد هيأ نفسه لسماع الخبر . رآني صامتة، هادئة، بلا حراك، ولكن ليس خلف مكتبي، قال كلمة واحدة " والدك ؟ "، هززت برأسي، ونزلت دمعة خفيفة .

وضع فيليب يده على رأسي محاولا ألا يستفز انفعالاتي و سألني إن كنت أريده أن يبقى معي، أجبته بهدوء بأنه لا داعي لهذا، ما حصل قد حصل، وليذهب إلى العمل.

غادر فيليب، وبقيت وحدي.

وحدي.

أحسست في تلك اللحظات الطويلة، بعمق وحدتي وحقيقتها .

كانت الساعة تقترب من السابعة والنصف، وكان العالم فارغا في تلك اللحظة.

في تلك اللحظات، لم يكن أمامي سوى معنى واحد، أنني " مشلوحة " هنا، وحيدة، ولا أحد معي، ولا أعرف حتى كيف أحزن، أو أبكي ... لم أعرف ماذا أفعل .

ذهبت إلى سريري، جلست وقد انغلق العالم عليّ، تذكرت " العمى" لساراماغو... صار العالم خاويا، ليس أعمى، بل غائب، أو غير موجود من الأساس.

بعد ساعة تقريبا من ذهول ومحاولة فهم، قارئة رسالة أختي عدة مرات، لأفهم ما حدث، بدأت أستوعب، أن أبي مات هذا الصباح.

-2-

 
ثمة شيء انقلع مني، شيء اقتلع من داخلي ... ثمة خوف وقهر كان يتملكني، أحسست بذل كبير، ذل الموت .

الصورة الثابتة التي رافقتني طيلة تلك الساعات، هي أني كنت أحاول تخيله وقد أصبح " ميتا" ... ترتجف أصابعي، وتنهمر دموعي، أتوقف عن الكتابة الآن، أكتب ما أكتبه هنا على دفعات، أشعر أنني أخونه، أحوّل " لا أستطيع قولها" إلى تجربة لي ... أحاول أن أصدق العبارة، أكررها، رسالة أختي، كلام أمي ... أستعيد وأكثف صوته وصورته، فلا يتطابق كل هذا مع حقيقة لم تصبح بعد حقيقية بالنسبة لي، هي أنه .... أعجز عن تدوين الفعل.

إنه لم يعد موجودا، هذا ما يجب فهمه، وقبوله.

أنا لم أفهمه بعد، فكيف أقبل به.

لا أفهم أن أبي لم يعد هنا.

أتوقف عن الكتابة، العبارة تمزقني، آخذ فاصلا من البكاء، لأعود وأدون.

أعود في اليوم التالي لمتابعة الكتابة. لدي رغبة في الكتابة ومشاعري لا تزال طازجة، لدي رغبة في فهم نفسي عبر الكتابة، في تخليصي عبر الكتابة، وربما ذات يوم، تقديم العون لقارئ ما، إن مر بتجربة مماثلة.

اتصلت البارحة، بسبب عجزي عن متابعة الكتابة، بصديق لي، كاتب فرانكفوني، أسأله عن إمكانية الكتابة في هكذا حالة، لكني لم أعثر عليه، وأنا في هذه الفترة،لا أتصل وأتواصل، إلا بحلقة ضيقة من أشباه المقربين، إذ وجدتني في هذه الظروف، وحيدة من الداخل، وتعمقت مشاعري بالا انتماء واللاتشابه .

إلا أني صديقة أخرى ( أستخدم صفات كهذه، دون أن يكون لها عمق حقيقي بداخلي، لأن صداقاتي تكاد تكون معدومة، وسأفسر هذا لاحقا)، حذرتني هذه من الكتابة في هذا الظرف، لأنها تؤلم أكثر.

حسنا، أنا اليوم أستعيد بعض قوتي لأكتب،أرغب في "حبس" انفعالاتي في هذه الصفحات البيضاء على وورد حاسوبي.

كنت قد وصلت تقريبا إلى ما بعد رحيله بساعات قليلة، وكانت أختي قد اتصلت بي من هاتفها المحمول " شكرا للمحمول، المتنقل، اللاشبكي"، لتخبرني بحميمية لصيقة، كما لو أن جسدي يمتط، يتمدد، فأجد جزءا فيّ في باريس، وجزءا آخر امتد مني، وحط في السيارة الكبيرة التي حملت " جثمان" أبي . ( لا أزال حذرة في استعمال ألفاظ تبدو غير واقعية بعد بالنسبة لي، وأضعها بين أقواس، لأنها لم تدخل بعد في وعيي، ولم تتحقق أو تأخذ حيزا حقيقيا " . أختي في السيارة، جالسة جواره، تتحدث إلي، أمامه، تعتقد، وأنا مثلها، بأنه يسمعنا ... ثلاثتنا فقط، معا، روحين ربما، روحي وروحه المحلقة هناك، وجسد أختي، أو ربما جسدين، جسده المسجى أمامها، وجسدها جالسة قرب رأسه، تمسح على جبينه ... لا أعرف إن كان مجرد جسد، أو أنه روح تحلق في مكان ما، أكانت روحه قريبة مني ولا تؤاسي ألمي، ولا تهمس لي بكلمات تخفف من إحساسي بفقداني التدريجي لروحي التي ترغب أن تخرج مني.



أغادر باريس، تحضر روحي بينهما، أقول لها " قولي له أني على الخط "، ترد " نعم، أنا أشرح له كل شيء " .

كانوا في الطريق إلى القرية . ماتنلي التي شكلت انفعالاتي الأولى، طفولتي الأنيقة، وصباي السياسي، وتكوني الهوياتي إذا كان وصف الهوية هكذا، أو الوجودي .

انتهى الاتصال،وعاد إليّ رأسي الممطوط إلى طريق حلب ـ عفرين ... قابعا فوق كتفيّ. استقرت عينايّ في مكانهما في رأسي هذا .... وعاودت التنبه إلى أنني في هذه الباريس الكبيرة، الحافلة بالشمس والمترو والبشر والحركة ... أقبع وحيدة بين عدة جدران، أتواصل مع حلب، حلب فقط من جميع بقاع العالم، عبر الهاتف ...

كتبت رسالة إلى عارف، جملة وحيدة فقط " هذا الصباح، فقدت أبي " .

مابين الحزن والذهول والألم، ثمة خطوط انفعالية تتصاعد وتهبط، ثمة صور تحرك البكاء، وأخرى تخلق التأمل والصمت ...

يصعب التقاط خيط انفعالي واضح وتتبعه وعيشه، لأنه مجموعة صور متلاحقة، كل صورة، تأتي اعتباطيا، ولا أعرف محرضات ورودها عن غيرها، تحرك انفعال ما، فأتنقل من حالة لأخرى، تماما كمركب في الماء، يعلو ويهبط، دون قرار، بل وفقا لتيار الهواء ... كانت انفعالاتي تلحق أفكاري، التي تخلقها الصور ...

ربما أستطيع أن أركز قليلا، فأحصر الصور الرئيسية التي كانت تأتيني :

ـ ممسكا بسماعة الهاتف في آخر اتصال بيننا ... كان يأمل بأن نلتقي، كان خائفا من الذهاب، كان يحاول الفرار من شيء يحس بأنه يلاحقه ... الفرار... هو ما تركز في هذه الصورة .... الفرار من الموت.

ـ ممسكا بيد أمي في المستشفى، عبر جملته الأخيرة " أمينة، داستيمين ... "، محاولا أن يشد وجوده إلى الحياة، خوفا من الذهاب إلى العدم.

ـ أبي لا يشعر بشيء الآن، لا يسمع، لا يحس، لا يتألم ... أو، يشعر، يحس، يسمع، يتألم، ولكنه لا يأتي بأي فعل، فقد انتهت أفعاله....

كان لدي بعض الطمأنينة، أنه لم يذهب بعد،أنه في الطريق ... كنت أنتظر أن يتصلوا بي بعد العودة من المقبرة. لأدخل فصلا آخر من انفعالاتي.

حسنا، حتى الآن، تبعته في الغرفة الكبيرة في منزل أهلي، وهو " راقد " في الفراش، تجلس فريدة قرب رأسه، و" تهنهن " له بتلك " العديّات" الخاصة بهم .... والجميع حوله.

تبعته وهو يغادر الحارة والمدينة، في طريقه إلى ماتنلي .... وتوقفت بي مخيلتي هنا، لا أعرف أين وصلوا، أنتظر بعد الزيارة " زيارة حنان " .... ولم أعد أعرف أين وصلوا.

كانت الساعة تشير إلى التاسعة وأربع وعشرين دقيقة في فرنسا، حين أمسكت بورقة بيضاء، سجلت فيها : 1 ـ 3ـ 2010

كما لو أن قضيتي قد انتهت

كما لو أن المحكمة قد أغلقت أبوابها

كما لو أن الامتحان قد أقفل، ألغى، توقف ...

عليّ الآن رمي جميع ملفاتي ووثائقي مع الحياة

الحياة التي كانت ردا على وجوده

أخذ أبي كل معاركي ونضالاتي في العيش

ثمة فراغ كبير أمامي، فراغ هائل

لا أعرف أين ذهبت الحياة

لم يعد لأي شيء قيمة في أن يصير أو لا يصير

كنت أحيا رداَ عليه

كيف أحيا الآن، وقد ذهب مؤسس العيش لدي

منذ هذا الصباح، الأول من آذار 2010 ستأخذ حياتي شكلا آخر، لا أعرف كيف سيكون، ولكن هذا التاريخ سيفصل حياتي إلى حياتين، واحدة قديمة، سابقة، أسسها أبي، وتابعت أنا بناءها ردا عليه، انعكاسا له، محاولة دوما الاختلاف عنه، الهروب من التشابه العميق بيننا، متخذة هويات فكرية متناقضة مع هوياتي الروحية التي أنشأها أبي ... كنت صدى له، كنت انعكاسا له، ولكنه بعد أن راح ـ ينبغي عليّ فهم فعل راح ـ لا أعرف كيف سأكون؟

كان بمثابة المرآة المرفوضة، ولكني كنت أكتب، أناضل، أحيا ... متجملّة عبر كل هذا، له ... لقد ذهب ناظري، جمهوري، شاهدي، قاضيي الذي انتظرت أحكامه ... فأين اذهب بوجودي الذي فقد أساسه: من أجل أبي ـ ردا على أبي ـ ضد أبي ....

كما لو أننا في رحلة مشتركة، كل منا يقود الحافلة وفق فهمه للعيش، كنا في رحلة خاصة بنا نحن الاثنين، لقد توقفت بي الحافلة في مكان ما، ليس من الهم أبدا أن أعرف ما هو، أو أن أسميه، نزل أبي من الحافلة، اختفى في مكان ما، وتركني أحاول القيادة دون أن أتشاجر معه، أو أختلف معه، حيث من خلال ذلك الاختلاف، تحددت وجهات حافلتي.

عليّ الآن، إصلاح الحافلة، فيما بعد سأحاول معرفة أين يكون الطريق ... ليس الطريق هو المهم في هذه اللحظة، بل الحافلة التي توقفت بي، وتركها أبي الماهر في التصليحات والميكانيك، تركها لي لأعتني بالبراغي والرنديلات وأجرب كل الاحتمالات، حتى تنطلق بي الحافلة، دونه، من جديد، لأول مرة عليّ أن أتعلم كيف أقود حافلتي وحدي، دون أن أنظر في المرآة، منقبة عن ملامحه، مستفسرة عن رضاه أو غضبه، فيما لو كنت في الطريق الصحيح أو أني ضللت المسير.كيف أقود وحدي، دون مرآة، دون إيحاء بالطريق؟

جالسة أمام حافلتي المعطوبة، أنفجر ببكاء حارق، بكاء طفلة ضاعت وسط الطريق، وبدأت تخاف من أوهام العتمة والوحدة، أبكي : أين أبي؟

- 3-

وصل عارف على الماسينجر.

كتب لي :

لن يكون بإمكان يدك ودموعك

أن تربت على كتف الراحل

أن تؤلمه في موته

وكذلك أن تودعه كآخر وداع

سيكون بإمكانه

بعد اليوم

أن يتخفف من المكان ومن ثقل المسافات والزمن

سيكون بإمكانه زيارتك كما تلك الجدة

سأجدك يوما ما على الكنبة ورأسك على صدره

لا أدري إن كان بإمكانك تحمل كل ذلك لوحدك

لوحدك

لوحدك جدا

انتهى كلام عارف.

اتصل عارف برشاد، كانوا في الطريق، قال له رشاد، وهذا ما نقله لي عارف " الجنازة في ماتنلي والعزاء في باريس "، كانوا، أو ربما رشاد أكثر من غيره، قلقين عليّ.

اتصلت أختي، هذا يعني أنهم عادوا من الزيارة ...

كان روي سها لتفاصيل " أكره الكلمة السوداء"، مدهشا ومصحوبا بالفرح.

قالت أن الطقس رائع، والعشب ملأ القرية. خرج الأهالي للصلاة على أبي، كما لو أنهم في مهرجان، الشمس ساطعة، بعد برد وعواصف شباط ... البارحة كانت تمطر، لكنها هذا الصباح مشمسة ومشرقة، إنه الربيع في حلب، في ماتنلي، في زيارة حنان.

كانوا قد نقلوه إلى ماتنلي، لغسله وتكفينه " لا أصدق أني تجرأت على تدوين الكلمة الأخيرة"، وصلواّ عليه ... ثم نقلوه إلى الزيارة.

الورد الموف هو الذي استقر في مخيلتي أكثر، وسيأتي بعده ( الحْرام)، أو الغطاء الصوفي الأحمر الذي لفوا به أبي، ووضعوه وسط ساحة القرية،حيث اجتمعت الحشود لوداعه .... كل هذا وأنا لست هناك!

وصفت لي سها الربيع المباغت، الشقشقيق الأحمر أو شقائق النعمان، الورد الموف أيضا، العشب، الشمس ... كما لو أنهم كانوا في نزهة، أو أن رحيل أبي، جمع هؤلاء الذين لا وقت لديهم ولا طاقة للتنزه، فأجبرهم على الخروج الجماعي في نزهة ربيعية وصلت بينهم جميعا بحبل عاطفي واحد، هو التضامن في هذه اللحظة الوقورة، لحظة الوداع الأخير.

حدثتني عن كلمات الملقن، وأنا جاهلة بهذه التقاليد أو ربما هي من قواعد الدين... وأفرحتني قائلة " دفنوه في قبر أبيه، ورأينا أقدام حنيفة " . قلت لها " حسنا، سيكون سعيدا هناك، سيثرثر مع حنيفة طويلا " .

كانت حنيفة أصغر أخواته، وأقربهن إليه، وإليّ .

هكذا انضم أبي إلى كائنتيّ المفضلتين :حنيفة وحليمة ... ستنفردان به وتثرثران له، وتستمعان إليه يفضفض أمامهما، كما كانوا يفعلون من قبل ... لقد استعادوا حميميتهم، واستردوا جلساتهم الخاصة، حيث يتبادلون الهموم بحميمية لا تسمح بدخول أي شخوص أخرى بين ثلاثتهم .

ثمة تواطؤ سري وجميل بين الثلاثة ... ستنتظر حنيفة عودة الأهالي إلى بيوتهم، أو إلى بيت أهلي في المدينة، حتى تعد ثلاثة فناجين من القهوة " لن أقول كيف، فهي ستتدبر أمرها هناك "، وستدخّن أمام أبي.... سوف يصمتون طويلا، ثم سيضع أبي رأسه على صدر أمه، ويبكي " أوني، أزي جوم" . فتصحح له " ته هوتي" . أمي، لقد ذهبت. تصحح له : أنت أتيت .

يقول عمي منان، الأخ الأصغر لأبي " ستكون حليمة سعيدة الآن، كانت تحبه أكثر مني، ها قد سبقني إلى هناك أيضا".

يحاول عمي الهروب بالدعابة، مخففا من حزن أختي، وأنا هنا، يُنقل إلي كل تفصيل لغوي أو فعلي.

تهدأ روحي قليلا، وتنقلب دفة مشاعري، من حزن لأنه لم يستمتع بشمس آذار، مغادرا في أول أيامه، إلى فرح أنه غادر في نهار جميل، سيزور فيه أحباءه هناك ... كان راغبا في نزهة أخيرة، في خروج إلى الطبيعة، لا بل، إلى القرية، في طقس جميل، كما يبدو، محاطا بكل من أحبهم .

اتصلت برشاد في منزله،لأنه كاد قد ترك أهلي وسها، للذهاب والاعتناء بالصغار وتحضيرهم للذهاب إلى المدرسة.

لا أعرف لماذا أصبح رصينة مع رشاد ؟ كما لو أنه مرآتي النقية، دون غبار، دون خدوش ... نظيفة تماما. كنت أتحدث إليه بهدوء، لا بكاء ولا ضعف، برصانة ووقار، كما لو أن من نتحدث عنه هو صديق مشترك لكلينا. كأنه لم يكن أبي أنا فقط، وكان بالنسبة لرشاد عمه، أو والد زوجته.

كان رشاد يحاول اختيار كلماته، خشية خدشي في أي عبارة لا تليق بالمناسبة، فقد عانى وهو يقول لي " لقد خدم الموت أباك"، وعاد ليصحح " لو كان يمكننا قول هذا ". واصفا لي جمال الجنازة " جيد أني نطقتها، مع ملاحظة أني أكتب وأنطق الكلمات والحروف وأنا أضغط عليها" .

كما لو أننا أمام أحد مقاطع فيلم أحلام كيراساوا، هكذا وصف رشاد المشهد.الموت البديع ... ذاكرا لي، وأنا لا أذكر الكلمات تماما الآن، أنه في أحد المشاهد يسأل أحد الأشخاص أحدهم عما يرونه، فيقول له أنها جنازة، حيث يعتقد الآخر أنها زفاف أو عرس .... لا أذكر بدقة، ولكن رشاد كان يحاول أن ينقل لي، أن الموت أحب أبي، وان أبي غادر بطريقة احتفائية جمالية.

هذه الصور الجمالية، استلقاء أبي جوار حنيفة، الورد الموف، الحْرام الأحمر أو الغطاء الصوفي الأحمر الذي لفوا به أبي، وصلّوا عليه وسط القرية، محاطا بالعشب، حيث الشمس تلقي بدفئها المفرح على شخوص الطقوس الأخيرة ....

أن الموت خدم أبي، أن الجنازة كانت مهيبة ........ كل هذا يخفف من قهري .

كانت البذور الأولى لحزني، هي أن الموت أذل أبي، ولكن تلك الصور، حذفت مفهوم الذل، ورسمت برشاقة حالة الوقار ومهابة الموت الرصين.

لم يكن الموت بعبعا، ليس رجلا خسيسا ظالما ... كان يدا حانية، حاول أبي بخوف أن يمسك بيد أمينة، ولكن يد الموت كانت أقوى، وهي دوما، ولكنها قوية بحنان ... سأقولها للمرة الأولى هنا، بعد أن تجرأت ولفظتها في اليوم الرابع " ليرحمه الله" .

غاب أبي

لم يعد يسمعنا

لن أتمكن من سماعه ورؤيته بعد الآن

أنا مركب رامبو السكران، ما بين الرصانة والانفلات، أتقلب ...

بين الفقدان الأبدي، والمطاف الذي ناقشته مع رشاد، أتقلب.

كنا نقول أن هذا نهاية المطاف، ويجب على كل منا أن يمر بهذه التجربة، تجربة فقدان أحد بهذه الأهمية وبهذا القرب أو القرابة... إنه المطاف النهائي لجميع حالات الحزن، حيث انتهى الحزن وتوقف بني هنا.

برصانة، حدثت رشاد عن أهمية هذا الحدث المفصلي، الذي يُنضج آرائي ومواقفي وانفعالاتي ... كنت أعتقد أن هذه الصدمة العنيفة، ستغير الكثير من مفاهيمي.

كنت رصينة، كاتبة، ناضجة، أرقب الحالة، أدقق في بذور انفعالاتي، المتنقلة بين الشفقة على أبي الذي رحل ولم يعد يستمتع بالعيش، والشعور بالذنب لأني هنا، بعيدة عنه وعنهم جميعا، والشعور بالحرمان لأننا لن نلتقي أبدا بعد أن انتهى كل شيء، والشعور بالخوف لأني لا أعرف ما حل به، والشعور أيضا بالشفقة والحزن لأنه في مكان معتم ومخيف .... والعجز لأنني لا أستطيع فعل أي شيء .........

كما في العمليات الكيميائية التي أجهل تفاعلاتها ... ثمة عناصر ما، تختلط بأخرى، فتطلق مواد ما أو غازات أو معادن....

كانت روحي تختلط بصور ما، أظن مصدرها أفكار تحركها .... فأشعر بغتة بالانكسار، وأبكي.

ضاقت بي الشقة ... تواصلي مع العالم يتم عبر الهاتف فقط ... أحتاج للمس أحد .... أحتاج لأن أمد يدي وأضعها على جبين أبي " قال رشاد فيما بعد، أنه قبّل جبين أبي، وأنا تألمت جدا لأنه لم يتح لي هذا" ... لا يزال المشهد بالنسبة لي تجريديا محضا، لم أكن هناك، أتصور الأمور، وفق مخيلتي، التي لن تكون متطابقة بتاتا مع ما حدث فعلا، أو ما كنت سأحس به، لو أنني كنت هناك .

الهاتف فقط هو ما ينقلني إلى المشهد الغائم، المتخيل وفق أوصافهم، التي لن تكون أبدا، لا متطابقة مع ما يحدث، ولا مع وصفي لو كنت هناك، لأن حقيقة مشاعر كل منا، تختلف عن طريقة شعور غيره بالحدث.

غيابي الجسدي عن المكان الرئيسي لإحداث انفعالاتي، غياب باريس كوجود واقعي، غير موجود آنيا، لأن عقلي في حلب .... يصنع لوحة تجريدية، لن يقنعني شيء بواقعيتها، سوى صيرورتي هناك .... أريد أن أكون هناك.

أريد أن ألمسهم، أمسح دموعهم، أحضنهم ...

أكاد أختنق، لا أحتمل، أتصل بخالد في العراق.

أحتاج الأصدقاء المقربين " سوف أتحدث لاحقا عن مفهومي للصداقة".

تحدثنا قليلا ... قال لي كلمة مستني " أنا أحضنك " . شرحت له، أن الحضن، الملامسة الجسدية الحقيقية، هي التي أحتاجها الآن، أكثر من الكلمات.

-4-

حين عاد فيليب في نهاية اليوم، كنت ألملم انكساراتي. ثمة لغة دعابة وتهكم تجمعني مع فيليب، خاصة في المواقف الصعبة.لا أحب، ولا يحب هو أيضا، تبادل المواقف الضعيفة .

كنت متماسكة أمامه. ولكن بسبب البكاء الطويل، وعدم تناول أي شيء، كنت أشعر أن رأسي سينفجر من الألم.

كان قد أحضر لي معه حبوبا مسكنة للصداع، إلا أني، وبغباء أو جهل، اعتقدت أن كأسا من النبيذ، قد يريح أعصابي، ويخفف الكثافة الشعورية التي أحياها ضمن صورة ثابتة " أبي لم يعد موجودا، صار تحت التراب" .

كانت الصورة عنيفة، تهزني بقوة .

شربت بسرعة، الكأس الأول، الثاني، الثالث، وبغتة.........

تطايرت أشلاء روحي ... جلست على الأرض كطفلة السنوات الأولى من عمرها .... ورحت أعترف :

لم يكن أبي مجرد أب بيولوجي، كان رفيقي، محرضي على التفكير، دافعي إلى البحث والتنقيب، رغبت بإثبات تميزي، من أجله، إرضاء لمتطلباته الصعبة . كان رجلا صعب الإرضاء، فرضت على نفسي التفوق والتميز، لأكون جديرة باحترامه.

بدأت صديقة له ... جمعتنا شراكة طويلة، أنا ابنته الأولى، فأنا أول أبنائه الذكور والبنات، مدللته ...

جمعتنا رفاقية سياسية فيما بعد.

كان يربت على كتفي، وسط الضيعة، أمام الرجال ( من هنا ستكون صداقاتي ناجحة مع الرجال، وفاشلة مع النساء، وسأكون فاشلة عاطفيا مع الرجال الذين لا يحبون الصديقات)، ويقول " هذه ليست ابنتي فقط، بل أختي ورفيقتي، هذه رفيقتي مها" .

كأب شرقي، يفترض أن يصحب ابنه الذكر، كان أبي، الأممي آنذاك، يصحبني ويفتخر بي، كنت أسافر خلفه، أمسكه من خاصرته وأنا متشبثة به على دراجته النارية .... نتنزه في الحقول، نسافر من قرية لأخرى ... هو وأنا فقط....

في سهراته الرفاقية، في سهرات الرجال، كرجل شرقي، لم يصحب أبي زوجته، أمي، ولا الذكور، بل أنا .... حيث جمعتنا ثرثرات خاصة، وكنت امتدادا روحيا لأمه وحنيفة، أغلى كائن عليّ حتى رحيلها.

كان أبي محور حياتي، لقد غاب المحور، وانقلبت حياتي.

كما في تراجيديا كردية أو إغريقية، كان كلامي مصحوبا بالبكاء والعويل .

طلبت من فيليب أن نخرج من البيت،أحسست أن الجدران ضاقت كثيرا،وأني أكره المكان. صارت باريس صغيرة عليّ وضيقة .

كان فيليب قد اتخذ قرارا بالتوقف عند التدخين منذ بداية العام، ومن باب التضامن والتشجيع، فعلت مثله.

أول ما فعلته في مساء ذلك اليوم، اشتريت علبة سجائر،ثم رحنا نتجول في المنطقة، مشينا كثيرا.دخنت دون توقف، وأنا أحدثه عن أبي، كما لو أننا نتعارف للتو، مع أننا معا منذ أربعة أعوام.



في الفرنسية يستعملون فعل رياليزيه، أي يتحول الأمر إلى واقع، ومن هنا فالسوريالية أو سورياليزم حسب اللفظة الفرنسية،هي فوق الواقع . كنت أحاول أن أحول الأمر إلى واقع، فأعجز .... لم أستطع تقبل أن أبي الآن يرقد تحت الأرض، في العتمة والرطوبة، وأنه لا يتنفس ولا يتكلم، ولا يفتح باب منزل أهلي ثم يدخل مطلقا ضحكاته الرنانة، مستجوبا عمن في المنزل بصخب يعلن عنه كلما وصل... وكأنه يرغب منا جميعا، بحب متكبر واحتياج مترفع، لننهض جميعا ونستقبله... كان مرحا وصاخبا وممتلئا بالحياة.... لم أستطع تصور أن ذلك الرجل العاجز عن الجلوس بكسل دون أن يتحرك ويعمل أي شيء، الرجل الذي كان يخترع أي عمل يلهوه عن الخمول، يخرب أي شيء، ليعيد تصليحه ... يعبث بالراديو، بالغسالة، بالثلاجة ... يفك البراغي ويركبها ... هذا الذي لا ينهي وجبته إلا ملتهما اللقم الأخيرة ناهضا ومودعا ... الذي يأكل سريعا ويغيب طويلا، وحين يعود منهكا، ينام كالقتيل، كما تصفه أمي ... هذه الطاقة والحيوية والصخب، عليها الآن أن تسكت وتتوقف وتسكن تحت التراب، في العتمة والبرد ... كنت أتحدث وبداخلي شعور أني أرسل له بكلماتي، المعجونة بالبكاء والذكريات ....كانت كل هذه الصور والأفكار، أشياء غير واقعية، لم أتمكن بعد من تحويلها إلى واقع أحياه.

لم يصبح الأمر بعد واقعيا، لا تزال الحكاية تشبه كابوسا ثقيلا، أو حلما مرعبا أحاول الخروج منه.

اليوم الأول، حيث تتالى أيام سرديات ما بعد الرحيل.

jeudi 11 février 2010

اللغز الأسطوري في تراتيل العدم

عبدالرحمن حلاق

الكتاب : رواية تراتيل العدم المؤلف: مها حسن الناشر: «الكوكب » - دار رياض الريّس
أن يختار روائي ما بقعة أرض جرداء ليبني فيها عالماً روائياً متكاملاً، فهذا يعني أنه بأمس الحاجة لأسطورة تسلمه قيادها، ويستعين بها على مبتغاه، فيتمكن عندئذ من جعل الحقيقة خيالاً والخيال حقيقة، وبامتزاجهما الدلالي تنشأ الميثولوجيا وتتشكل، ليتمكن المتلقي فيما بعد من إلقاء نظرة متفحصة وحيادية على ما كان يعتقده بدهيات أو مسلمات. أما الروائية السورية «مها حسن» فلم تكن بحاجة إلى أسطورة ما، فهي ابنة هذه المنطقة التي اشتهرت عبر آلاف السنين بإنتاج الأساطير وتصديرها. في روايتها الجديدة «تراتيل العدم» تضعنا أمام نص جديد تقنياً على الرواية العربية، يتعدد فيه الرواة، وتتعدد فيه المستويات السردية، تتخلله بعض تقنيات المسرح إن بصوت يشبه الكورس أو بمشهد حواري صرف، كذلك يتلوّن فيه المكان ليعكس لنا شطحات زمانية توغل في القدم حيناً، وفي الراهن حيناً آخر، حتى ليخيل للقارئ أن كاتبات النص، وهذه لعبة تقنية جديدة، يسبحن عبر أزمنة عديدة تبدأ في لحظة النشوء الأولى ولا تنتهي عند ميشيل فوكو، ولأجل إنشاد تراتيلها العدمية نرى الكاتبة وهي تتكئ على هذا الكم الهائل من المنجز الإنساني الفلسفي والميثولوجي، فنعيش في ثنايا الرواية مع الآلهة الأم (الأرض)، ونطير مع الفراشات الإغريقية ونرتل أناشيد زرادشت قرب الينابيع، أما فلسفياً فينشغل العقل بزلزال «كير كيغارد» واهتمام سقراط بالنفس أو انهمام فوكو بالذات، ويحضر سيغموند فرويد في أكثر من مناسبة، هذا الاحتشاد الهائل من قبل الكاتبة مها حسن بكل هذه الرموز لم يأت مجانياً، فقد استطاعت أن تنزل كل لبنة في معمارها البنائي مكانها المناسب، مستفزة بذلك أفق التوقع لدى القارئ، ولن تكفيه عندئذ قراءة واحدة ليكمل متعته العقلية ومتعة الكشف أثناء القراءة. بكل هذا الاحتشاد تحاول الكاتبة مناقشة فكرة على غاية من الأهمية، وهي فكرة استعبادنا من قبل النص الذي ننتجه في الأصل، لكنه يعيد إنتاجنا من جديد فيقيّدنا بسطوته ولا ينج منه إلا من يتمرد عليه.

اختارت الكاتبة «أرض» لتكون الحامل الرمزي لكل شخوص الرواية وحقولها المعرفية المادية والغيبية، فأرض هي الأم الأولى والتي تملك أسرارها الداخلية وأسرار من يعيش عليها، تملك حتى القدرة على تغيير مصائرهم، ولأنها كذلك فقد كانت ولادتها غير طبيعية، وكذلك نشأتها، وكذلك اختيارها للزوج، أولاد أرض أنجبوا من الأولاد ما يزيد على مئة ولد وبنت، وبهذه الأعداد الكبيرة تمّ صنع التاريخ، وتم الثبات في الأرض، وكي تُنتج الأسطورة صيغتها الخاصة كان لا بد لها من مكان جديد، لذلك آثر «حرث» اللاهي بصيده للحيوانات وتجارته بها، آثر في بداية زواجه من «أرض» أن يبتعد عن الناس ويبني بيتاً في بقعة جرداء، لكنها وبفضل القوى السحرية وفعل الخصوبة لأرض تحولت الأرض إلى جنات وغابات، ونما البيت ليصبح قلعة والقلعة أنجبت قلعتين أخريين، ومع نمو الأسرة الأولى وحرص أرض على إبلاغ كل وافد جديد من أبنائها أو أبناء أبنائها بمحتوى النشيد الصيغة، بدأت الأسطورة تنمو، ولأن الصيغة أصلاً ابنة الغيب فقد تداخلت قوى السحر والجان مع قوى الطبيعة في تشكيل الوعي الإنساني الأول، فاختلطت المواليد وتباينت وتداخل الإنسي مع الجني في ثنائية فكان التمرد الشرط الأساس للإبداع وللبحث

عن الذات.

بهذا التداخل تسمح الرواية للحكاية الأولى بالتشكل، وللبدايات المعرفية الأولى بالظهور من خلال الأساطير البدئية، وبهذا التداخل تمنح الرواية تفسيراً منطقياً إلى حد ما لهذه الحاجة الماسة لدى الإنسان إلى الدين، حيث يشكل نوعاً من الصيغة التميمة التي من المفترض أن تعين الفرد على التوازن في حياته اليومية عبر خضوعه لسلطة غيبية مطلقة، وإذا كانت هذه الصيغة قد ولدت من رحم القلعة الأولى فقد كان لا بد للقلعتين الأخريين أن تنتج كلٌ منهما صيغتها الخاصة، التي وإن عكست نوعاً من التمرد على الصيغة الأم إلا أنها تشكل نوعاً من السطوة الجديدة، فهي بشكل أو بآخر امتداد للصيغة الأولى، مع استثناء «طهر» من هذه الصيغ جميعا، وإذا كان «حرز» قد تحرر من استهباله وتأتأته عبر صيغة جديدة، إلا أنه بقي أسير الصيغة الأولى إلى أن احترق ضحية إيمانه المطلق بها، ليكتشف بعد احتراقه أنه ضحية صيغة جوفاء لا معنى لها، مؤكداً بذلك أن الإيمان الأعمى لا نتيجة له إلا الرماد، في حين تعكس الرواية وعبر شخصية «طهر» و«جدار»، وفي جانب من شخصية حرز أن التمرد هو الخطوة الأولى نحو الحرية، فالتمرد على الصيغة، على «أرض» هو ما منح «جدار» حريتها، كذلك نجد «طهر» الذي لم يرضع من ثدي «أرض» قد أصبح مفكراً وكاتباً يعتمد المنهج العلمي في حياته، وقد استقل بنفسه، وانهمك بها منذ البداية حتى إنه خرج من ضيق القلعة إلى رحابة المدينة، أما أن ينوس الفرد بين صيغتين ولا يستطيع إدراك ذاته بشكل واف فلن يعيش قلقاً منتجاً وإنما سيعيش قلقاً مدمراً، فحرز حين تخلى قليلاً عن جدته «أرض» واتبع صيغة أمه «إغماء» استطاع أن يبدع في الموسيقى، وأن يعيش الحياة إلى أقصى متعة حيث يشعر في داخله برعشة «الزلزال الكبير»، أما حين يتمثل صيغة جدته ينكمش على ذاته ويعيش قلق وجوده وبحثه عن أصله متمسكاً بتلك الصيغة التي أودت به إلى فراش يحترق عليه ليصبح رماداً.

عملت الكاتبة مها حسن جاهدة على خلق أسطورتها الخاصة، وهي وإن كانت ممن يمنحون الشكل الروائي اهتماماً استثنائياً إلا أنها في المحصلة تسعى إلى تقديم موضوع لا يقل أهمية عن الشكل، وهي المولعة منذ طفولتها بالفلسفة وعلم النفس، وهي الحقوقية في دراستها وفي صلب حياتها المهنية، كل هذه العوامل تجعلها شديدة الانتقائية لموضوعاتها الفكرية والأدبية، وإذا كانت في روايتها هذه قد اختارت أسطورة النشوء الأولى للمجتمعات البشرية، وبالتالي فرضت على نفسها اعتماد الحكاية لنقل رؤيتها للموضوع، فإنها لم تنس أن الحكاية هي أبسط أشكال السرد، ولهذا حفرت عميقاً لتقدم هذه الحكاية ضمن إطار خاص وشكل خاص يتناسبان والفكرة الأساس التي عملت على كشفها على مدى ما يقرب من ثلاثمئة صفحة وهي «حل اللغز الذائع الصيت».

كذلك أفردت الكاتبة فصلاً إضافياً أشبه بمشهد مسرحي، تدخل فيه معظم شخوص الرواية بمن فيهم كاتبات العمل الثلاث إلى سرداب مظلم يتحدث فيه الأحياء والأموات، وتشكل فيه الكاتبة شخصية المسجل للأقوال، وفي هذا السرداب يبدو الخلاف على أشده بسبب الصيغة التي أدت بحرز إلى الموت وتتدخل «أرض» بعد أن نزلت من عليائها لتدافع عن نفسها ملقية اللوم على «حرز» الوحيد الذي اكترث للصيغة، في مشهد يعكس بذكاء حاد تلك الاصطراعات النفسية التي يعيشها الفرد داخل ذاته أثناء تفكيره الحيادي بتلك الصيغ التي تسبب له قلقاً وجودياً إضافياً، والتي لا تشفي غليله في الإجابة عن تساؤلاته المتعددة والمتباينة، وفي كثير من الأحيان لا يجرؤ على التصريح بها إلا داخل ذاته، بمعنى آخر داخل السرداب المظلم الخاص به، هذه الاتكاءة الرمزية الذكية منحت الرواية قدرة إضافية على استفزاز أفق التوقع لدى القارئ، مثيرة في داخله الكثير من الأسئلة التي آن له أن يناقشها بحيادية تامة وذهن منفتح.

تاريخ النشر : 2010-02-11

dimanche 3 janvier 2010

حكايات خرافيـّة بمكرِ ذكيّ

عارف حمزة

منذ السطر الأول يسيطر عليك الذهول والمتعة من الحياة والوقائع الأسطورية التي تجري روايتها ببطء وبدم بارد من قبل الروائيّة السورية مها حسن. ورويداً رويداً ستجد نفسك غارقاً باستمتاع داخل النصّ الذي يخترق الحواس والقلب برويّة وهدوء. فرواية "تراتيل العدم"، الصادرة حديثاً عن دار الكوكب البيروتية، تحتوي على ذلك المكر واللعب طوال الصفحات الثلاثمئة. المكر أولاً على القارئ الذي لا يعرف إن كان ما بين يديه رواية تسجيليّة لوقائع حقيقيّة تبرّعت الكاتبة الثالثة، والنهائيّة، بتقديمها له على هذه الصفحات كي تكون مصدراً للمتعة القرائيّة، أم أنها رواية متخيّلة، بتفاصيلها وأحداثها وشخصياتها وأماكنها أرادت الروائية أن تُظهر من خلالها عضلاتها اللغويّة والفكريّة والكتابيّة. وسيصل في النهاية إلى أنها رواية، من كثرة المهارة الموجودة فيها، لذيذة وممتعة فحسب. ثم المكر داخل النص من خلال اللعب على الأزمنة وقدرات الشخصيات ومصائرها وتأويل الأسماء والأماكن، في التنقل بخفة بالغة بين العالم الواقعي/ الإنساني/ العلوي والعالم اللا واقعي/ الجنيّ/ السفلي.


يُمكن أن نقول أن "أرض" هي الشخصية الأساسية في النص. وتقابلها في الجانب أو القطب الآخر شخصية "إغماء". فأرض، التي أنجبت خمساً وعشرين ابناً في ثلاثة عشر ولادة ضمت في كل ولادة طفلين وفي المرة الأخيرة طفلاً واحداً كانت قابلتها أثناء الولادة أفعى لديها شعر يغطي غرفة كبيرة، تملك صفات وقدرات غير طبيعيّة، في شفاء المرضى ومعرفة المصائر وإحياء الأموات ومحادثة الحيوانات. تظهر في الجانب المعاكس لإغماء، زوجة ابنها "عناد"، التي استخلصها "جنيّ" لنفسه زوجة وأنجب منها ابنها الوحيد "حرز"، ولا عمل سوى ذلك إلا أن تغني أغاني تأسر جميع الناس والحيوانات وتوقفهم عن أعمالهم وحياتهم. وعند انتهائها من الغناء تدخل في حالة الإغماء في الصمت والخروج من الحياة العادية لتعود الحياة والنشاط للكائنات الأخرى. لذلك تبدو معادلاً للعالم السفليّ المضاد لأعمال "أرض" وكائناتها العلويّة.

تبدأ الرواية بتمدّد القائد الموسيقيّ "حرز" على سرير من القش واحتراقه. ويبقى طوال الرواية مشهد الاحتراق بارزاً. بينما تقوم الروائيّة بنسج حكاياتها في قصّ الحكايات والمصائر للشخصيات بتدخل ذكيّ في زمن الحكايات والشخصيات سواء بالعودة للحاضر أو الماضي أو المستقبل.

قسّمت مها حسن روايتها إلى ثلاثة فصول، التعريف بالأشخاص التعريف بالأحداث- بداية الرواية، ثم أضافت فصلاً إضافيّاً وملحقين كدليلٍ لأسماء الشخصيات وأبنائها. وهذا كلّه مكر في الكتابة. فالرواية تبدأ، بحسب ما رُسم لها في الكتاب، بعد مئتي صفحة!. وما وضعُ ملاحقٍ للأسماء، أو فصول كاملة للحديث عن الشخصيات والأحداث، إلا لعبة من الروائيّة كي ندخل في حالة التسجيل للأحداث كي تبدو حقيقيّة وغير متخيّلة. والكاتبة لم تتوقف عند ذلك. بل أكّدتْ داخل المتن الروائيّ على مسألة غريبة وهي تدخل كاتبتين، هما جدار وجوزفين، في كتابة المخطوطة الأصليّة للرواية، التي اعتمدت في بعض فصولها على دفتر يوميّات لحرز، ثم قامت جوزفين بتسليم المخطوطة ل"مها"، التي يرد اسمها هكذا ككاتبة للنص، كي تصيغها أدبيّاً وتجد حلولاً فنيّة مناسبة من أجل نشر المخطوطة كرواية!! ليس هذا فحسب، إذ إنها تذكر في بعض الأحيان تعليقات لجدار وجوزفين، عن حدث ما أو شخصيّة ما، وتوردها بين قوسين بأنها ربما كانت اجتهاداً من جدار أو جوزفين. بمعنى أنها لم تتدخل في بعض الأحيان كي تُظهر عملاً لشريك آخر في الكتابة. وهذا شيء جديد بالفعل على الرواية العربية. لأن هذا الفعل بقي مذكوراً طوال الرواية وليس كتنويهٍ لذلك فحسب.

صراع بين عالمين:

من الداخل تبدو الأمور مبنيّة على ذلك الصراع بين الأمنية والأقدار، هذا الجانب الذي تمثله أرض، وبين ممانعة تلك الأقدار بتدخل الإرادة أو العقل أو العالم السريّ المضاد لها، وتمثله إغماء ومَن استغلها من الجان الذين تعاهدوا مع حرز لتغييّر قدره. فالصيغة الأولى التي تقولها أرض في أذني أبنائها، وأبنائهم في ما بعد، كما حدث مع حرز، "حذرتك ألا ترتّل هذا النشيد، فيسكن في ذاكرتك، يأسركَ ويلعنك، يُفتّتكَ فيستحوذ عليك، ولا يكون لكَ منه فرار، فيعدمكَ، وحيداً تموتُ وتشمُّ رائحة رحيلك الأرضُ، ولن ينقذكَ من عذابكَ إلا عيد يأتي في ربيع يتلو رمادك". كانت تلك صيغة لتلطيف قدره رغم أنها متيقنة من أنه سيلقى، كما والده عناد، مصيراً مختلفاً ومخيفاً، ولكنها داومت على تذكيره بصيغتها الأولى كي ترأف به الأقدار. إذ كان حرز مذعوراً في صغره، بسبب أمه إغماء من جهة، التي كانت تريده أن يكون أنثى لكون الجنيّ الذي ضاجعها اشترط عليها أن يأخذ المولود إلى جانبه إن كان ذكراً ويتركه لها إن كان أنثى، فكانت كلّما رأت عضوه حاولت قطعه بيديها وأسنانها وبالنار والسكاكين كي يفقد ذكورته ويبقى لها، ذلك الجنيّ اتفق مع حرز على حمايته، من الخوف ومن صيغته الأولى، إذا ردّد صيغة جديدة، وهي طاعته من دون نقاش، كي يحيا حياة جديدة خارجة عن مسار الصيغة الأولى. ثم يأتي المكر، مجدداً، بصيغة ثالثة مؤلفة من كاتبة الرواية نفسها وذلك في الصفحة 213: ".. في أن تكون الصيغة الثالثة، الرواية بصيغتها النهائيّة، أكثر قدرة على منحه خلاصاً لم تقدّمه الصيغتان، لا الأولى السابقة له، لوجوده في الحياة، ولا التالية، المصوغة له، المصنوعة لتخليصه!".

واقعية سحريّة:

" قالت نجمة: كنتُ أسمع صوت ً يأتيني من الجدار، وحين حفرتُ الجدار، وتابعتُ الحفر، لأيام متواصلة، وشهور، عثرتًُ على طفلة نائمة، ترضع إصبعها، فأخذتها وتبنّيتها". (ص 243). الرواية، بهذا المعنى الذي يوضحه المقطع السابق عن أصل شخصيّة جدار، تحوي الكثير من القصص الخرافيّة التي تصنعها حكايات الجدّة الحكيمة الطيّبة والقويّة للأطفال الذين لم يشاهدوا تلك الكميات الهائلة والمخيفة من الدم والأساطير وقصص العشق والحروب وعوالم الجن والعفاريت.. وقد قامت الروائيّة باستخدام تلك القصص كمادة خام في كتابة هذا العمل بحرفيّة واتقان. فجاء العمل مشعّاً بتلك الواقعيّة السحريّة على أصول كتابتها. أي بحرفيّة الواقعيّة السحريّة التي تجعل الأشياء والأسماء والأحداث والعوالم، بالرغم من خرافيتها، قابلة للتحقق وللتصديق. متجوّلة في الزمن، ببساطة وخفة وذكاء، منذ الخليقة ولحد الوقت الراهن ممعنة في إمتاع القارئ بما لم يعد من الممكن الحصول عليه في الكتب والحكايات الجديدة. مستخدمة الوصف واللغة بشكلٍ آسرٍ، فهي لا تثرثر ولا تستطرد، لذا يبدو العمل ممسوكاً، من قبلها، ومتماسكاً طوال جريانه على الرغم من خطورة كميّة التجريب والحكايات والشخصيات والأحداث..

المستقبل - الاحد 3 كانون الثاني 2010 - العدد 3527 - نوافذ - صفحة 14

mardi 22 décembre 2009

تراتيل العدم صيغة جديدة في الكتابة الروائية العربية

محمد غرافي
 
لا يمكن قراءة رواية 'تراتيل العدم' للروائية السورية مها حسن، الصادرة هذا العام عن دار الكوكب/ رياض الريس، من دون أن نشعر بأن شيئا جديدا قد حصل في الكتابة الروائية العربية المعاصرة.
تنفرد هذه الرواية بأشكال كتابية لم تتعرض لها الرواية العربية بكل هذا التنوع، فهي إضافة إلى كونها تجمع بين السرد والمشهد المسرحي وتعليق صوت الراوي/ الكاتبة على الأحداث في قالب نقدي، فإنها تهدف منذ الصفحات الأولى إلى إزعاج القارئ وكسر ما تعود عليه من قراءة نمطية. إنها تمارس عليه استفزازا يصل حد التشويش أحيانا. فالمستوى السردي تتقاطع فيه أصوات ثلاثة: جدار وجوزفين وم (مها؟) يخبرنا فيه الصوت الأخير أن الرواية كتبت بشكل جماعي، رغم أن صوت م هو الصوت الذي يطغى على سرد الأحداث، مثلما يطغى صوت شخصية أرض/ الأم كسلطة لا تقهر، حتى بعد مماتها.
زمن الرواية دائري لأن الرواية تنتهي من حيث تبدأ، لكن الأحداث تدور في الماضي البعيد على مدى أزمنة وأجيال عديدة، من دون أن يشعر القارئ بسلطة الزمن، وهذا ما يعطي للرواية أولى أبعادها الأسطورية. أما المكان العام الذي تدور به الأحداث فهو قلعة أرض وحرث تليها قلعتان أخريان، قلعة ابنهما طُهر (العلماني) وحفيدهما حرز (بطل الرواية) بدون أي أثر جغرافي أوحضاري أو ديني محدد. مما يعطي للنص بعدا إنسانيا أشمل.
كتبت الرواية بطريقة تجمع بين الواقعي والأسطوري، فالأحداث تبدو ضاربة في القدم كأنها تقصّ أصل الكائن البشري، لكن محاكاة البطل لإحدى مقولات الفيلسوف كيركيغارد وإحالة السارد الى مرجعيات فلسفية إغريقية ومعاصرة وإدراج بعض الأحداث في إطار زمني ومكاني مألوف لدى القارئ (مؤتمر صحفي مثلا)، كل ذلك يعطي للنص مستوى فنيا يخرج عما راكمته الرواية العربية لحد الآن ويجعل قراءة الرواية محفوفة بالمخاطر، سواء من حيث تعدد شخصيات الرواية التي قد تختلط أسماؤها في الذهن أو من حيت تداخل أزمنة الحكي وتقاطعها، مما يستلزم التوقف من حين إلى آخر لإعادة ترتيبها. جاءت تقنية الكتابة هذه متعمَّدة باعتراف الراوي (الكاتبة؟) نفسه في لازمة تقول: 'تتحول أزمنة القص، وتتعدد مستويات القص، وتتبختر راويات العمل...' مثلما جاء متعمَّداً أيضا إلحاق دليل بأسماء الشخصيات في آخر النص، وهو 'دليل' خادع لأنه لا يقوم بدوره المعهود في الإيضاح ومساعدة القارئ على فهم ما تعذر فهمه في ثنايا النص، بل يزيد من غموض الأشياء لديه. مما يجعل صفحات الدليل المثبت بعد نهاية أحداث الرواية جزءا من الإطار الفني والدلالي للنص.
يمكن اعتبار 'تراتيل العدم' من هذه الزاوية رواية القارئ القلِق، الصبور واليقظ ضدّا على القارئ المتقبِّل وضدّا على قراءة الاسترخاء والكسل.
لكن الجديد الأكثر إثارة لانتباه القارئ هو أسماء الشخصيات. نظريا، تعدّ أسماء العلَم في بعدها السيميائي اعتباطية مرتين: الأولى لأنها ترتكز على وحدات لغوية أطلقت اعتباطا في الغالب على الأشياء، والثانية لأنها انتقلت من مستواها الدلالي الأول كي تشير إلى أشخاص من دون أن يكون ثمة بالضرورة علاقة منطقية بين الإسم وحامل الإسم. ولذلك جاءت أسماء الشخصيات في الرواية العربية التي لا تزال في الغالب أسيرة الاتجاه الواقعي أسماء مألوفة لدى القارئ ومستهلَكة واقعيا ورمزيا. الجديد الذي تنفرد به رواية مها حسن هو توظيفها لوحدات لغوية كأسماء علَم لم تدخل بعدُ ـ تحت هذه الصفة ـ حيّز الاستعمال في الواقع ولا في المخيال العربيين: أرض، حرث، إغماء، عناد، حرز، سماء، رؤية، طُهر، نجمة، جدار، حداد، شمس، غياب، آثام... أسماء تنتمي بالطبع إلى حقل الدوال اللغوية في المعجم العربي لكنها ستنتقل لأول مرة إلى حقل أسماء العلم. ولأن هذا الانتقال لم تتحكم فيه الأعراف والاستعمال الجمعي للغة، فإنه جعل أسماء الشخصيات في الرواية أقرب إلى دلالتها التعيينية باصطلاح رولان بارت، ولن تأخذ تلك الأسماء رمزيتها إلا عن طريق تشكُّل حامليها شيئا فشيئا في ثنايا النص. هكذا ستكون أرض هي المرأة الساحرة ذات السلطة التي لا تقهر، لكنها تظل مشدودة إلى المعنى التعييني للكلمة : الأرض التي نحيا عليها جميعا والحضن الأول للوجود البشري، الأم التي ستنجب مع زوجها حِرث سلالة تبلغ تسعا وتسعين فردا.
يصعب تلخيص رواية 'تراتيل العدم'، أو أن كل تلخيص لها سيكون لا محالة تعسفا، لأنه ما عدا الحدث الرئيسي الذي تعلن عنه الرواية منذ صفحاتها الأولى والذي يتمثل في مشهد احتراق البطل، ليس ثمة ما يشكل أحداثا مركزية وأخرى ثانوية بالمعنى المتعارف عليه في جنس الرواية.'كل الأحداث تبدو عادية ومركزية في الوقت نفسه: عادية لأنها نابعة من صلب اليومي في حياة البشر (ولادة، طفولة، زواج، حب، استحمام، نوم، تشرد، موت، حلم، غناء، مضاجعة، إلخ) ومركزية لأنها رغم واقعيتها وأشكالها تأخذ في غالب الأحيان طابعا سحريا وأسطوريا.
تبدأ الرواية وتنتهي بمشهد احتراق البطل حرز على كومة قش استلقى فوقها وأضرم فيها النار متأملا مشهد احتراقه. حرز هو حفيد أرض، وأرض هي زوجة'حرث وصاحبة أطول ضفيرة استغرق فكها يوم زفافها الليل كله ونصف النهار 'وقيل إن أرضا حين كانت تستلقي، أو تجلس، أو تقف في مكان، ويلامس شعرها المكان المتاخم لوقوفها أو جلوسها أو استلقائها، فإن محل الملامسة، يظل يسكنه، ولساعات طويلة، بعد مغادرتها ظل كان يصنعه شعرها، وإذ يغيب الأصل (شعرها) يبقى الظل لا يبارح المكان...' ص. 44.
تزوجت أرض رجلا إسمه حرث في اليوم السادس من الأسبوع.'وفي اليوم السابع جاءت امرأة 'جميلة المنظر' اسمها 'ذاكرة' لتبارك زواجهما وتترك لأرض وصية: 'احفظي هذه الصيغة وكرريها أمام أبنائك كل يوم كما تكررين أسماءهم ليتعلموها جيدا، ستلازمك هذه الصيغة طويلا، وتحصن أبناءك من خطر قد يصيبهم'. ص. 41. تقول 'الصيغة': 'حذرتك ألا ترتل هذا النشيد، فيسكن في ذاكرتك، يأسرك ويلعنك، يفتنك فيستحوذ عليك، ولا يكون لك منه فرار، فيعدمك، وحيدا تموت وتشم رائحة رحيلك الأرض، ولن ينقذك من عذابك إلا عيد يأتي في ربيع يتلو رمادك' ص. 42.
تشكل صيغة التحذير هذه لازمة تتكرر كثيرا في النص كدلالة على حضورها القوي في أذهان جميع شخصيات النص ومطاردتها لهم كتميمة مقدسة. وإذا كان أفراد سلالة أرض قد تعاملوا مع هذه الصيغة بلامبالاة أحيانا وبتمرد علني كما فعل طُهر، فإن حرز هو الشخصية الوحيدة في الرواية التي اكترثت بها حد القلق وتمسكت بها كوصية مقدسة. تقول أرض: 'لقد تلوت صيغتي على الجميع، فما اكترثوا، فلماذا يتبرع هو بالاكتراث؟' ص. 283.
تحفل الرواية بأحداث ووقائع تجمع بين الواقعي والسحري وتذكّر بعض أجوائها بأجواء روائية سابقة في الأدب العالمي والعربي: أرض وحرث يُذكّران بعائلة بوينديا في رواية مائة عام من العزلة وأرض (إلهة الاغتسال) تذكر أيضا بصاهبّاء التي تتطهر بالشمس في رواية السّدّ لمحمود المسعدي، بينما تُذكّر بعض الأحداث المرتبطة بالأساطير والجن وعلاقة الإنسان بالحيوان والطقوس بأجواء الواقعية السحرية في روايات إبراهيم الكوني. ناهيك عن مرجعيات أسطورية أخرى توظفها الرواية مثل أسطورة سيزيف أو دينية/صوفية كالكابال أو أدبية كروايات التشيكي ميلان كونديرا أو فلسفية مثل نظرية سقراط عن 'الانهمام بالذات' ونظرية كيركيغارد الوجودية.
إن قصة حرز في 'تراتيل العدم' هي قصة الشرط الإنساني بمعناه الفلسفي«'إنها تثير أسئلة الوجود والعدم والخلق والحرية الفردية وعلاقة الفرد بالجماعة وتثير بشكل خاص إشكالية الفعل الإنساني في عالم أشبه إلى حد كبير بالعالم الروائي، أي بالخيال أو الوهم. إن حرز يموت كما يقول هو نفسه 'مجّانا' والصيغة السحرية تحذر من ترتيل نشيد تبيَّن في آخر الرواية أن محتواه لا يتعدى أبجدية فارغة المعنى أو على أكثر تقدير غامضة كالطلسم: 'آه باه تاه جاه داه زاه .... ياه' ص. 293. وهكذا تصير الصيغة التي ورثتها أرض عن الساحرة 'ذاكرة' مجرد حافز للحكاية ('مات حرز، من أجل مجرد رواية' ص. 293) وفي نهاية المشهد الدرامي لاحتراق حرز تتماهى 'الصيغة' مع الظلمة أي مع الفراغ والعدم.
كما أن قصة حرز تطرح إشكالية الإنسان الذي يموت وكأنه يتحمل خطايا الآخرين، آل القلعة، من بني جنسه في سلالة أرض. لقد كانت ولادته نفسها مثار جدل لأن أباه ظل يشك'في أن يكون حرز ابنه الحقيقي، ولذلك أبى أن يطلق عليه اسما حتى لا يكون مسؤولا عن مصيره، فظل الصبي بدون اسم 'لعدة أسابيع' إلى أن أطلقت عليه جدته أرض اسم حرز خوفا عليه من المصائب. كل ذلك ساهم منذ بداية الرواية في تفسير مسبق لمشهد الاحتراق: 'أسميك حرز لأحميك باسمك من الوقوع في أسر ما أُسرَّ لي' ص 31. لقد أدى كل ذلك بحرز إلى البحث مستقبلا في حقيقة نشأته وطرح أسئلة القلق حول الذات بدْءاً من التساؤل عن جسده وعضوه التناسلي ('الزائدة اللحمية') إلى التساؤل عن حقيقة ذاته (أهو كائن إنسي وجني في الوقت نفسه؟) وانتهاءً باحتياره في موته 'المجّاني' وهو يتأمل النار تحرق جسده على كومة من القش.
تتناول الرواية هذا القلق الذي رافق البطل منذ طفولته حتى مماته على ضوء التصور الفلسفي لنظرية 'الانهمام بالذات'. وهي نظرية من بين النظريات الفلسفية التي تحيل اليها الرواية في حواشيها وتقوم على تفسير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لعبارة سقراط 'اهتم بنفسك' على أساس أنها ليست دعوة إلى النرجسية أو الأنانية، بل هي تعبيرعن سلوك الفرد نحو نفسه ونحو الآخرين، وهي الجهد الذي عيله أن يبذله للعبور إلى الحقيقة، حقيقته هو وحقيقة أفعاله. لقد اعتنى فوكو بهذه النظرية وحاول تفسيرها لأول مرة (قبل أن تصدر سنة 1984 كعنوان للجزء الثالث من كتابه تاريخ الجنس) خلال محاضرة له بكوليج دو فرانس يوم السادس من يناير سنة 1982 كنقطة أولى لتناول إشكالية الذاتية والحقيقة. وانتهى إلى أن مقولة سقراط كانت بمثابة 'المبدأ الأساسي' الذي قامت عليه الفلسفة الإغريقية والهلّينية والرومانية وأنها تعدّت حدود التصور الفلسفي لتصير في ما بعد المبدأ الأساسي الذي قامت عليه أيضا المذاهب الروحية المسيحية، خاصة في شقها الصوفي (أنظر ميشيل فوكو، هيرمونيطيقا الذات، سوي/غاليمار، 2001). هاهنا نعثر عن إجابة عن السؤال الذي يطرحه أي قارئ وهو يفاجأ بتدخل صوت الراوي/الكاتبة في حاشية الكتاب (ص.156) مدرجا اسم ميشيل فوكو ومقولة الإنهمام بالذات في النص. إن مرد ذلك كله يعود إلى أن حرزا سيعمل بنصيحة أرض ('عليك فقط الاهتمام بنفسك، والإنهمام بذاتك') سالكا طريق القلق والسؤال والمعاناة من دون أن يستطيع تغيير شيء مما اعتبره قدرا لا مفر منه«'ألم تسرّ له أمه في خضم تساؤلاته الكثيرة بأن أباه الحقيقي اسمه 'أقدار'؟
ولعل الإشكالية الكبيرة التي تطرحها الرواية في علاقة الكائن الإنساني بوجوده وبالعالم تقترب كثيرا من مفهوم العبث. مقابل صيغة التحذير التي وجهتها أرض لحرز ثمة ما يثير تناقضا في إصرارها على حماية حرز خوفا عليه من الوقوع في ما أُسِرَّ لها به مسبقا، أي شيء مرعب، أو خاتمة درامية. وسيُحسم هذا التناقض بوقوع حرز في ما سُطّر له سلفا، مما يجعل مسار حياته مسارا عبثيا. غير أن البطل يحاول تفسير نهايته المأساوية كنتيجة منطقية لا لمسار كان مقدّرا سلفا، بل لصيغة أرض نفسها واكتراثه الكبير بها: 'تلك الصيغة' طاردتني، حتى شوشتني وبعثرتني وشككتني وأقلقتني، فقتلتني!' ص 273.
هكذا يموت حرز لا بسبب عصيان الإله ( أرض) بل بسبب الإيمان به وطاعته : 'لم تقتلك الصيغة. قتلك الإيمان (...) لقد تلوت صيغتي على جميع أبنائي وأبنائهم وبناتهم، فأهملوا إلا حرزا فحقت عليه اللعنة' ص. 272ـ276.
لقد حاول حرزمنذ صباه الخضوع لصيغة المرأة الأولى (أرض). ورغم ابتلائه بصوت صيغة ثانية تدعوه إلى نفي الصيغة الأولى والتمرد عليها، فإنه ظل متمسكا بوصية جدته أرض إلى أن يتخذ بنفسه قرار الانتحار. هكذا يكون فعل الانتحار هو الفعل الإرادي الوحيد الذي خلص حرز من الإذعان لسلطتين/صيغتين تتجاذبان ذاته:
أكان موتي'اختيارا مني؟
ـ نعم، لأنه لم يكن ردا على تلك الصيغة، ولا ربطا بها ص. 284.
جاء موت حرز احتراقا ليس فقط من شدة ما لاحقته صيغة أرض، بل أيضا نتيجة عجزه عن مواجهة ثقل تلك الصيغة/السلطة المتذرعة بمفهوم القدَر. لقد كان ثمة شيء أساسي يشدّ حرز إلى الحياة، ألا وهو عبقريته الموسيقية التي ورث نصيبا منها عن أمه، أي من امرأة تمثل الكائن المتمرد دوما على توجهات الإلهة أرض. هاهنا يكمن أيضا أحد العناصر الأساسية لفهم المآل الذي آل إليه البطل. لقد ورث حرز حبه للموسيقى عن أمه التي كانت تتقن فن الغناء وصار استحضار صوتها الغنائي هو الملاذ الوحيد لحرز كي يحس 'برحابة الحياة' ص. 108. فصار حرز قائدا لفرقة موسيقية على عكس أبيه الذي كان قائد جيش: 'إذا كنت قد ورثت شيئا عن أبي، فهو حب القيادة، وإذا كان ثمة خلاف كبير وأساسي بيننا، فهو في شكل القيادة، إذ أراها في الموسيقى، العازفين، الآلات، ويراها، في الجيش، العساكر، الدبابات والقذائف. شكلان من القيادة لا يمكنهما الالتقاء، إلا في فكرة، حب القيادة' ص.109.
تطرح الرواية هنا مسألة الفن كطريقة ليس فقط للإحساس 'برحابة الحياة'، بل كوسيلة لتخليص العالم من البؤس والطاعة الكاملة للسلطة بمفهومها الغيبي أو الدنيوي. إن البطل وهو يعتقد أنه قد تمكن كقائد أوركسترا من كل صفات القيادة/البطولة، وعددها سبع كما نلاحظ (الثقة، السيطرة، القوة، الامتلاك، القرار، الإرادة، البناء)، صار حريّا به أن يعلن عن قدرته على تغيير العالم: 'فأقود العالم نحو موسيقى تخلصه، وأقود الموسيقى إلى تخليص العالم' ص. 109. لقد كانت الموسيقى عنده 'محاولة للشفاء' من قلقه الوجودي وهي وحدها ذلك 'الموجود الذي يلغي الفراغ، فينفي عن الكون فكرة العدم. الموسيقى هي إلغاء العدم، الموسيقى وجود' ص. 187. ها'هنا يتعزز فهم القارئ لإشكالية الانهمام بالذات الواردة سلفا، فحرز يتحول من كائن قلق إلى شخصية سقراطية مهمتها 'قيادة' الآخرين وتوجيههم والتضحية من أجلهم.
غير أن حرز سيفشل في إحداث هذا التغيير. لم تنفعه عبقريته الموسيقية في شيء فقرر وضع حد لحياته رغم أنه ابتكر لحنا سماه بـ'الصيغة الجديدة' ضدا لاشكّ على صيغة أرض وصيغةِ صوتِ نقيضتها. فجاء انتحاره تعبيرا علنيا عن فشله 'أعرف أني لن استطيع التغيير (...) لقد فشلت وخسرت' ص. 173ـ174.
هل يمكن قراءة الرواية من هذه الزاوية فقط واعتبارها رواية الفشل والتشاؤم الإنساني؟ هل يمكن اعتبارها تنديدا بالطاعة المطلقة ودعوة إلى العصيان؟ أم أن النهاية الدرامية لحرز هي الضريبة التي على الإنسان أن يدفعها ليتحقق الشطر الأخير من الصيغة ويكتسي البطل صفة عنقائية ويتحقق أخيرا عالم أفضل: 'لن ينقذك من عذابك إلا عيد يأتي في ربيع يتلو رمادك'؟
إن الاكتفاء بقراءة واحدة سيكون لاشك إجحافا في حق نص أراد لنفسه أن يكون إشكاليا ومفتوحا ـ فنيا ودلاليا ـ على قراءات متعددة.
كاتب مغربي مقيم بفرنسا
عن صحيفة القدس العربي

lundi 21 décembre 2009

محاولة لإعادة النظر في كارثتنا الثقافية

مع أن « أهل مكة أدرى بشعابها»، أي أن اللبنانيين أدرى بطبيعة وإمكانية تقييم الأوضاع الثقافية في لبنان، إلا أني أختلف مع السيد رياض الريس، في مقالته بجريدة الأخبار، بأن « بيروت عاصمة عالمية للكتاب» هي تسمية لإرضاء غرور الشوفينية اللبنانية.

بداية أعتبر قيام دار الريس بطباعة روايتي الأولى، والثانية على الأبواب، حظّا أقدّره، وقد كُتب قليلا حول المساحة اللبنانية التي أُتيحت مؤخرا أمام الكتاب السوريين، حيث حازت الأعمال السورية الصادرة في لبنان، في داري الريّس والآداب، اهتماما لا بأس به، لم تكن لتحظى به، لو أنها صدرت في سوريا. أقول هذا الكلام، لأعبر عن تقديري للانفتاح الفكري والسياسي للسيد الريس الذي أعتبره شخصيا إحدى بوابات الأمل في الثقافة العربية الراهنة، ومواقفه مشهود بها. وليس المقال هنا للإطراء عليه، بل أوردت هذا المقطع، لأثبت حسن نواياي في الاختلاف معه حول نظرته لتسمية بيروت عاصمة عالمية للكتاب، وأرجو التفريق، والسيد رياض يعرف هذا دون شك، بين العاصمة العالمية للكتاب، وعاصمة الثقافة العربية، حيث الأولى صادرة عن منظمة اليونسكو العالمية، أما الثانية، فهي ناجمة عن اقتراح المجوعة العربية في اليونسكو. الأولى لها صبغة عالمية، بينما الثانية فهي تقريبا ذات ملامح عربية.

بما أن تسمية بيروت عاصمة عالمية للكتاب، حيث وردت التسمية من اليونسكو، التي تسمي سنويا مدينة ما، لا علاقة لها بأي نوازع سياسية أو جغرافية، لتخصصها عاصمة للثقافة. أي أنه تقليد عالمي، وليس عربياً.

في العام الفائت، كنت في أمستردام، حيث كانت عاصمة عالمية للكتاب، أعرف أن الكتاب الذين أعرفهم عن قرب، لم يشاركوا في الحفلات العامة، أو حتى في حفل الافتتاح، لما فيه من «مشهدية»، تخلط الحابل بالنابل « السياسي بالفني، المنصب بالثقافة، رجال الأعمال والواجهات مع الكتاب...»، ولكني أعرف أنه فيما بعد، تتم نشاطات متفرعة عن هذه التسمية العالمية، وتتيح لكثير من الكتاب المغمورين بالظهور، وتقديم أنفسهم.

فمثلا، تمت دعوتي، للمشاركة في حفل عشاء أقيم على شرف الروائي الهنغاري جورج كونراد، صحيح أن النشاط لم يكن أدبيا بحتا، بل كان مناسبة لتعارف الكتاب، من أجيال وجنسيات مختلفة.وهي فرصة لإطلاع على التقاليد الثقافية الغربية، التي لا تعاني من أمراضنا الثقافية.

لا شك أن تلك التقاليد، تقاليد الثقافة الغربية مختلفة عن الأخرى، العربية، وهذا لوحده يتطلب صفحات طويلة لعرضه، وعلى سبيل المثال، فقد لخص الريس الوضع الثقافي العربي بـ : الطائفية والشللية والمحسوبية....

الثقافة الغربية ليس فيها عقدة التعالي، أو الأجيال. لكل كاتب شخصيته وحضوره ومكانته، بغض النظر عن شهرته، أما الثقافة العربية، فهي لا تزال، في قسم كبير منها، خاضعة لعقلية «القطيع»، حيث المحاباة، والعلاقات الشخصية، ونبذ الآخر المختلف...

نعم، عزيزي السيد رياض الريس، أنت محق في غضبك من الثقافة العربية، ومحق في عدم تفاؤلك، وأنا، وغيري كثيرون، نقاسمك هذا اليأس، حيث «الفكر الجماعي» يلغي الفردية، التي هي من أول قواعد الإبداع، حيث تحول الكاتب العربي إلى لاهث وراء المال والشهرة والمنصب... وحيث لم تفرز الحداثة العربية، والتطور المعلوماتي والبنياني للمؤسسات العربية، إلا المزيد من القهر والنبذ للكاتب أو المثقف المختلف، الذي لا يزال خارج السرب، محلقا ـ مرغماـ إلى فضاءات أكثر بعدا... ولكن كل هذا، لا علاقة له بأن بيروت عاصمة للكتاب.

ما ذنب اليونسكو التي اختارت بيروت، كما اختارت الإسكندرية ومدريد ونيودلهي من سنوات سابقة، وأمستردام في العام المنصرم، وكما ستكون « لوبيانا « عاصمة للعام القادم، و« بوينس آيرس « في العام الذي يليه.

المشكلة فينا، لا في التسمية، لأن تسمية بيروت عاصمة عالمية للكتاب، وعدم قدرتنا « كعرب» إلا إظهار تفوق أحدنا على الآخر، كشكل من أشكال الاستعراض، لا القدرات الحقيقية، وإظهار « شوفينيتنا»، حيث أتفق مع السيد الريس، في أن الثقافة العربية تحمل الكثير من الشوفينية»، ولكن كل هذا لا يعيب التسمية. لتكن بيروت عاصمة للكتاب، حتى ولو لم يكن للكتاب عاصمة، وحتى لو كانت التسمية رمزية، كما نحتفل بأعياد ميلادنا، وعيد الأم والاستقلال... لتكن مناسبة للاحتفاء بالكتاب.

عزيزي رياض الريس، أن تكون بيروت عاصمة للكتاب أمر رائع برأيي، بيروت التي تحتمل كل تناقضاتنا، وخلافاتنا، وآفاتنا «كمثقفين عرب، وكسياسيين»، وأن يكون معرض الكتاب البيروتي فرصة لإعادة النظر في «الكارثة الثقافية» العربية، فهنا أشد على يدك بقوة، وأعتقد أن ثمة الكثير من الأسماء الشعرية والروائية والنقدية، وربما من المشاركين في المشهد الثقافي بتحفظ، متحمسون جميعا لدعوتك، لنحاول معا تفعيل المشهد الثقافي العربي، عبر ممارسة حقنا في كوننا موجودين، داخل السرب، دون تماهي، وبمسافات آمنة تبقينا، داخل المشهد، مع حذر الانزلاق في الحظيرة، حظيرة القطيع الثقافي.
عن نوافذ المستقبل

mercredi 2 décembre 2009

الجدد لم يأتوا بجديد لأن ثورتهم ثورة أفكار لا أسلوب



حاورها: اسكندر حبش
 مها حسن: الاسم يساعدني في رسم ملامح الشخصية
تفاجئنا رواية مها حسن - (كاتبة سورية مقيمة في باريس) - «تراتيل العدم»، (الصادرة عن (الكوكب – رياض الريس للكتب والنشر)، بتجريبيتها العالية. مفاجأة سعيدة بدون شك، ففي حين يذهب كثيرون إلى كتابة تحاول الحفاظ على «أقل الأضرار الممكنة»، نجد مها حسن، تغوص في «السرد الشائك»، بمعنى أن الأسلوب عندها هو الذي يحدد كلّ أطر الرواية.


من إحدى ميزات الرواية ابتعادها عن الحبكة التقليدية وكأن ثمة لعبة بالزمن تحاولها الكاتبة. هذه الحبكة السردية تعللّها مها بكونها، هي، «كاتبة تجريبية»، تؤمن دوما بضرورة الإتيان بالجديد، وتضيف: «أكره التماثل والتشابه والتقليد. الإبداع هو الجديد. كلّ كتاب لي هو محاولة لخلق طريقة جديدة، أنا أعشق التكنيك ومهووسة بالشكل. «المعاني مرصوفة على الطرقات»، كما قال الجاحظ، المهم برأيي هو كيف نقول الأشياء المهمة، بمتعة. الرواية في النهاية هي لعبة، لعبة يجب أن تكون ممتعة للطرفين، للقارئ والكاتب، وليست حكاية، وأنا أرفض اعتبار الرواية حكاية. وربما نشأتي الأولى أو قراءاتي الأولى للفلسفة، شكلّت لديّ هذا الهاجس في كسر البناء التقليدي للرواية، لتحريرها من الحبكة والقص والتسلسل المنطقي للأحداث والتواريخ». إزاء ذلك، حين صدرت روايتها «لوحة الغلاف»، قال لها أحد كتاب مدينة حلب، «لماذا تكتبين رواية؟ «لوحة الغلاف» هي بحث وليست رواية، اذهبي واكتبي أيّ جنس آخر سوى الرواية، «وتعاركنا «لغويا» آنذاك حول التصاق الرواية بالحكاية»...


من هذه الرؤية، ترى مها حسن أن «ما يحصل اليوم في عالم الرواية العربية لا يبشر بأيّ أمل. يتحدثون عن «الرواية الجديدة»، والكُتّاب الجُدد برأيي لم يأتوا بالجديد - مع استثناءات دائمة - لأن ثورتهم ليست ثورة أسلوب، بل ثورة أفكار. وهذه الأفكار ليست مستحدثة، وقد اخترعها الكاتب، بل موجودة، جاء واستعملها في رواية «اجتماعية وأخلاقية»، فدخل عمله ضمن «الكتابة الجديدة». أنا لا أهتم بجرأة الرواية من حيث كسرها للتابو الاجتماعي، ثمة أبحاث ومقالات تقوم بهذا، وأنا أكتب كثيرا في هذه الشؤون التي لا تمّت للإبداع بصلة. الجرأة الروائية هي جرأة شكل، جرأة أسلوب، وجرأة تقنية. روايتي الأولى صدرت منذ أكثر من عشر سنوات، مع تحفظي على وسمها بالرواية، إلا أني لا أزال متمسكة بأنها مكتوبة بتقنية غير موجودة في المنتج الروائي العربي، قد لا تكون قراءتها ممتعة، وقد لا تروق للكثير، وهذا حقهم، ولكنها كتقنية، مختلفة فعلا، وهذا ما أسعى إليه في كتابتي: الاختلاف».


في مدينة ذكورية


هذا الاختلاف بدأ منذ ولادتها، إذا جاز التعبير. فهي ولدت، كما تقول، في «حيّ محافظ ومنغلق في مدينة حلب الذكورية، حيث يصعب اختلاط الرجال بالنساء. وحيث تؤثم أيّ اختلاف تقوم به المرأة». لكنها لا تحمل أيّا من صفات المدينة التي ولدت فيها فهي لا تشعر بأيّ انتماء أو حنين لها. هي الطفل الأول لعائلة تشكل العائلة الكردية الوحيدة، في الحيّ الذي ولدت فيه. «وكان أبي، اليساري الوحيد، ولو بتكتم، وكنت وحدي، أخرج صباحا من بين كلّ فتيات الحيّ للذهاب إلى المدرسة، ثم الجامعة، ثم العمل، ووحدي التي لا أضع غطاء رأس، وكنت «كالعين المقلوعة» في ذلك الحيّ المرعب.


كان عليها، وهي التي نمت في أسرة بسيطة من الناحية الاجتماعية، وفقيرة جدا من الناحية الفكرية (ولأبوين أميّين) أن تشق الطريق وحدها، بوصفها الشخص الأول المتعلم في تلك البيئة. إذ «كان مجرد متابعة التعليم في عائلتي حظا استثنائيا لي، ولكن الدخول المبكر للسياسة في حياتي، فتح عيني على القراءة، ومن هنا كان السحر. القراءة هي التي صنعت مني كائنا آخر، وغيّرت مسار قدري التقليدي».


بدأت مها حسن، في الرابعة عشرة، بقراءة هيغل: «أمر مضحك، كنت لا أفهم ما أقرأ، ولكني ألتقط جملا أدونها و«أصفن فيها» حتى أفهم الديالكتيك الهيغلي، نظرا لأن هيغل كان مرجعية ماركس كما تعلمت آنذاك»، وتضيف: «في الوسط الكردي، يُقدّس الشباب «نيتشه» ويعتبرون «هكذا تكلم زراداشت» بمثابة المرجعية الضرورية لكلّ مثقف كردي. توجهت كذكور العائلة «المسيّسين جميعا بالفكر القومي» إلى زراداشت نيتشه، وكان الانقلاب في حياتي». كان نيتشه صاحب الضوء الأول الذي تسرّبت منه عبر ممرّات القراءة وكهوفها السحرية، ومنه انزلقت إلى سارتر، «دفعت فواتير ضخمة نتيجة إيماني الأعمى بسارتر، وتمّت قطيعتي مع اليسار بسبب سارتر «البورجوازي». وهكذا تمّت المسألة بالتدريج وعبر سنوات» تعرفت من خلال سارتر على الوجودية، على هايدغر وكيركيغادر «الذي أهديت روايتي الثانية للإنسان الذي تحدث عنه في يومياته «ذلك الفرد»، ثم دخلت في دوائر السرياليين. وبدأت أتلمس متعتي الخاصة لا في قراءة الفلسفة فحسب، كما كنت أحكم على نفسي، بل باكتشاف متعة الرواية». أمام ذلك كلّه تجد مها حسن أنها مدينة للسياسة التي دفعتها نحو الفلسفة، «حيث تعلمت وتمتعت بالقراءة، القراءة التي هي المفتاح السحري لاكتشاف الذات والآخر». أمام ذلك كان لا بدّ أن تأتي «مصيدة الكتابة، لأنه يصبح لدينا أشياؤنا التي نريد أن نقولها، بعد أن أصغينا للآخر في ما قاله. تصبح لنا أنواتنا المختلفة التي تحاول أن تخرج من شرنقة الجماعة، لتعبر عن فرادتها، حتى ولو كانت تلك الفرادة أو التفرد، عبر طرح مختلف لحالة الألم، أو المقت، أو الخوف». أول إصدارات مها حسن كان في العام 1995، مع كتاب «اللامتناهي – سيرة الآخر»، الذي لا ترغب في أن تدعوه رواية، ولا سيرة ذاتية أيضا، فقد كان «سيرة الآخر»، كما دونت في العنوان، كانت، مع كتابته، تحلم بابتداع جنس أدبي، عبر شكل سيرة الآخر، «أدهم بن ورقة»، لا البيوغرافيا، بل السرد المتعدد. فأدهم، متعدد الولادات، متعدد الشخصيات في كل ولادة، إنه الإنسان اللامتناهي فينا. بعد سبع سنوات (2002)، جاء الكتاب الثاني: «لوحة الغلاف - جدران الخيبة أعلى». تتعرض في هذه الرواية لمفهوم الخيبة عبر الأجيال، عبر كريم الحاوي، بطل الرواية العربي، الوجودي، الكافكاوي، «الذي يشبه الكثير منا، نحن أبناء الخيبة، وخاصة تلك التي تكرست فينا بعد الستينيات «هزيمة 67»، التي أدت مثلا، وأبقى في مجال الفن، إلى انتحار فنان بمستوى لؤي كيالي «انتحاره غير مؤكد»، أو حتى الانتحار الفاتن الذي قام به خليل حاوي».


تنهمك مها حسن في العمل على أسماء شخصياتها في رواياتها: كريم الحاوي، سوزان الحاج، خالدة الغاوي. وهو يتبدى بقوة في «تراتيل العدم»، حيث يحمل الكثير من المضامين. يكاد هذا الولع أن يكون «ثيمة ثابتة في كتاباتها»: «هذا أحد هواجسي في بناء الرواية، إذ في بعض الأحيان، فإن الاسم يساعدني في رسم ملامح الشخصية وسلوكها. خذ مثلا «أدهم بن ورقة» بطل «اللامتناهي»، كلّ النص يلعب على اسمه، ويبرر في كل مرة، أو في كل ولادة تتم لأدهم، لماذا هو «ابن ورقة». ولن أفسر أكثر، لأن إجابتي الدقيقة على سؤالك «الهدف من تحميلها هذه المضامين» قد يحرم القارئ برأيي من متعة البحث، ويحرمني من لذة اللهو قليلا مع القارئ، لندع للرواية بعض أسرارها!


مع «تراتيل العدم»، تذهب مها حسن إلى الكتابة الملحمية، وكأن فيها كتابة «إغريقية». لا زالت تبحث إذاً عن هذا «الاختلاف» الذي دفعها إلى الذهاب «إلى هذه التقنية في روايتي، عبر وجود كورس ملازم للسرد، وأنا لا أريد أن أشرح، وأنت تعرف أنه يصعب كثيرا تفسير رواية متعددة الدلالات، تستحق عدة وقفات، لتلخيص هاجسها في سطور. ولكني كما أسلفت لك، في كلّ كتاب لي، أحاول أن أكون مختلفة عن غيره، ثمة كتابة «وجودية» في «لوحة الغلاف»، وثمة كتابة فانتازية أسطورية في «تراتيل العدم»، أنت تراها ملحمية، ربما اقترابها من التقنية المسرحية، أعطاها هذا الإحساس الملحمي. يسعدني، أن تُفسر هكذا، لأني حين كتبتها، لم أكن واعية لهذه المسألة، أو على الأدق لم أكن قاصدة».


المنفى


هل بسبب كل هذه «المواصفات المسبقة» غادرت بلدها لتعيش في «المنفى»، وهل هو منفى أصلا؟ ترى الكاتبة أن كلمة المنفى «ترتبط عادة بالعقاب، أما منفاي فهو حريتي. في الغرب الفرد هو المهم، وليس تاريخه العائلي، فهو لا يتحمل تبعة غيره. الحرية المرتبطة بالمسؤولية هنا، حررتني من الكثير من الخوف، ومن «الانهماك» بالآخر، بالمعنى السارتري للكلمة، الآخر الذي هو الجحيم حين يتدخل في كل تفاصيل حياتنا، ويصبح نعيما، حين نضع له حدودا، فتكون العلاقة قائمة على الحوار والحرية، لا على الخضوع والتبعية. هذا ما منحني إياه «المنفى»، حريتي في التفكير والمخالفة والاعتراض واللامبالاة. حريتي في كوني أنا. لا الآخر. أعتقد أن المنفى حالة داخلية لا ترتبط بالمكان، أنا كنت «منفية» في بلادي «التي لم أعد أشعر كثيرا بياء النسبة هذه»، بينما أنا هنا، في «منفى» يحترم إنسانيتي وحريتي، ببداهة ودون معارك ونضالات».
عن السفير

dimanche 8 novembre 2009

رائحة الصباح - مها حسن

لكل صباح رائحته. ولكل صباح رائحته التي لا تشبه أية رائحة أخرى، ولا أية رائحة أي صباح آخر. بل تتغير الرائحة بتغيير المكان، من القرية، إلى المدينة، إلى البلاد

فرائحة حلب، لا تشبه رائحة باريس، ولا رائحة باريس تماثل رائحة أمستردام

في صباحات باريس، غالبا ما تداهمني رائحة حلب. كلما خرجت من المصعد في الطابق السابع، تلصصت على طهو جارتي المغربية، عبر الرائحة، لأستردّ حلب، روائحيا

كنا نغادر المدرسة جائعات، نحن طالبات البكالوريا، ونبدأ بفتح شهواتنا الروائحية لترصد أنواع الطبخات التي تحتويها مطابخ بيوت الجميلية في حلب. نأخذ بتعداد الأطباق التي نتصورها من خلال الروائح الهاربة من طناجرها، محشي، فاصوليا خضرا، بامية... هممممم فلافل. والفلافل هي سيدة الروائح، تشدنا رائحتها، نتوقف أمام بياع الفلافل، ولكننا نكتشف أننا لا نستمتع بالنكهة، بل تغوينا الرائحة

ولكني الآن في أمستردام، الغريب أني لا أتفقّد رائحة حلب، بل تداهمني رائحة باريس كلما استيقظت في الصباح، وقبل أن تمتزج رائحته بأنفاس الهولنديين. كما لو أنك حتى تتيقن من امتلاكك أو حيازتك لرائحة مدينة ما، عليك أن تذهب إلى المدينة التالية، التالية فقط

حلب لا تأتيني في أمستردام، حلب التي تقفز روائحها في مطبخي، حين أكون وحدي، فأتفنن بالإتيان بحلب، عبر الملوخية خاصة، والتي لا يمكن التكتم على طهوها. إن ما يقفز في نافذتي الصباحية في أمستردام، هو باريس. أفتقد باريس في أمستردام، تماما كما أفتقد بعضا من حلب في باريس. وكما علي أن أفتقد أمستردام في بروكسل

أستيقظ في بعض الصباحات الأمستردامية، ممتلئة برائحة بروتانيا، الواقعة في غرب فرنسا. والمطلة على الأطلنطي والمانش. لرائحة الصباح البروتوني خصوصية لا تفارق ذاكرتي الشمية. ولكني في أمستردام، فكيف تقفز رائحة الغرب الفرنسي، إلى الشمال الهولندي

كما لو أن رائحة المكان تتنقّل، تلحق بالذاكرة. فرائحة الربيع الحلبي، تستطيع أن تتسلل إلى رائحة ربيع ما في جونفلييه، حيث بيتي في الضاحية الباريسية. ورائحة الحقلة الصغيرة المنزوية في حوش عمتي فريدة، المزروعة بالفول، تستطيع أن تنطّ فتحطّ في شارع هوتبول في الحي التاسع عشر في باريس، قريبا من بيت صوفي. من قال أن الروائح تلصق بالمكان !
إن الروائح تولد في المكان، ولكنها تغادره، إن غادرنا. يكفيها أن تتسجل في ذواكرنا، بوصفها رائحة المكان الفلاني، حتى تتنقل معنا، وتنضم إلى خزان الروائح القابع بداخلنا، والذي يميز بدقة في أي صباح، كهذا الذي أصفه الآن، لأقول وأنا في أمستردام متنشقة الهواء بعمق، زافرة ذاكرتي من رئتي: يا له من صباح بروتوني، أو، كما أني في تريغومور على الكوت دا أرمور
تأخذ الرائحة، آن ولادتها في مكان ما، هوية المكان. ثم تتحرر من المكان، حاملة اسمه كتمييز لها. تتجاوز الحدود والمطارات والحقول الشاسعة. أنا الآن في أمستردام، وثمة حلب تتنفس جواري، في صباح ما، صباح آخر، غير هذا الصباح
لا أعرف إن كنت حقا في أمستردام، في شقتي قريبا من أمستل، أم أني في بروتانيا، في تريغومور. إذ أن هذه الأغنية التي لا تتوقف، تربطني إلى طاولة الحديقة في منزل تريغومور، حيث يغني سونوريون دو "ماريو سي برومين ".. ماريو تتنزه