jeudi 19 octobre 2017

مها حسن «شهرزاد» الحرب السورية
نبيل سليمان ـ الحياة 


تشرع رواية مها حسن «الراويات» ذراعيها بقول الكاتبة «خُلقتُ لأروي». وفي روايتها الجديدة «عمتِ صباحاً أيتها الحرب» (دار المتوسط) يحضر جذر هذه العبارة في قولة ماركيز «عشت لأروي»، بينما تكرر الكاتبة عبارتها السابقة مرادفةً بين «وُلدتُ وخلقت»، وترسل الأم أمينة عبارتها «رويت لأعيش»، فهي أيضاً تتولى شطراً كبيراً ومهماً من السرد، مثل ابنتها الكاتبة التي كانت قد أفادت من أمها في وصف نساء روايتها (تراتيل العدم)، وهذا ما تذكّر به في الرواية الجديدة وهي ترسم أمها كشخصية روائية: امرأة خيالية، وكائن خرافي قفز من الأسطورة وعاش في الأرض عالقاً بين الحكايات والواقع.
من قبرها تشارك الأم في السرد، وتفسح لسواها من الراحلات، فتضفي على اللعب الروائي مسحة خاصة. وهي تعلن الأم أنها كانت في حياتها شهرزاد الحارة، وغدت في مماتها شهرزاد البستان- الحديقة التي تحولت إلى مقبرة بفعل الحرب. أما الكاتبة فتعلن أمها «شهرزاد الحرب». لكن الرواية تعلن عن أكثر من شهرزاد، وإن تكن الأم تظل هي شهرزاد الكبرى، أو الأولى. فللكاتبة نفسها نصيب وافر من الحكايات والحكي. ولشقيقها حسام نصيبه الوافر أيضاً. ولسواهما نصيب يسير. وهكذا كان للحرب شهرزاداتها.

الإبنة والأم
وفي موقع آخر تحكم أن ابنتها راحت تفكك عبر الكتابة انتماءاتها، وتحللها، مقتربة من أمها. كما تحكم بأن الكتابة صنعت من مها كائناً عاقلاً وعادلاً في آن. وما أكثر ما يرطن لسان الأم بما تسوق الابنة عليه. فالأمية تتحدث عن الزواج الرومانسي، وعن جوهرها التلقائي، وعن جيناتها، وعن جوهر وبذور ابنتها الإبداعيين، وبعد كل ذلك تصرح بأنها لا تفهم كلام مها النحوي، ولا مصطلحاتها. ومها نفسها ستكتب أنها تتصرف بمفردات الأم. وبالتالي، ينبثق السؤال عما إذا كانت لعبة الميتة التي تروي تكفي لتبرير رطانة لسان الأم، أم أن الأَوْلى أن يكون قد بقي لها لسانها الشعبي البديع المميز، وجرى تصريف رطانتها الثقافية بلعبة أخرى؟
هنا، ربما تحسن الإشارة إلى تصنيف الأم والابنة للرواية، وقد تداول سابقون لهذا التصنيف تعبيراً عن النظر إلى الرواية ككتاب مفتوح، هو من السرد والشعر والبحث والمسرح ومختلف صنوف الكتابة، وحسبي الإشارة إلى رواية- كتاب «النخاس» لصلاح الدين بوجاه.
بيد أن مفهوم «الكتاب» اكتفى في «عمت صباحاً أيتها الحرب» بالسرد الشهرزادي، وأحياناً: الوثائقي، وغالباً: السيري. وبما أن الكاتبة عاشت شطراً من حياتها في حلب، وتعيش في فرنسا، فالبيت يصير هوية، والسؤال يلوب عما إن كانت تكتب هذا «الكتاب» لتصدق الحياتين اللتين تشك بوجودهما: الحياة الحلبية، والفرنسية.
بالعودة إلى شهرزاد الأم نراها تقطع الحكاية بغير العبارة الألف ليلية التي تعلن الصباح والسكوت عن الكلام المباح. والقطع يأتي مرة بتحليق طيران، ومرة بسقوط قذيفة هاون قرب الحديقة التي يسميها «الأغبياء الأحياء» مقبرة، فيما هي، بلسان الأم، بستان، والنساء في دفائنه خرزات تطرزه.
تفتتح شهرزاد الابنة- الكاتبة الروايةَ بقصف المعارضة لبيت العائلة، مع أن مها وإخوتها مع المعارضة، ما عدا لؤي المقرب من النظام، والذي قاطع إخوته، وظل وحده في حلب، بينما تقاذفت المهاجر البقية. وفي حي بني زيد المعارض، حيث استأجر لؤي بيتاً، هدده المعارضون بالاغتيال، فرحل إلى السكن الجامعي. وقد أهدت الكاتبة الرواية إلى لؤي وإلى كل سوري فقد بيته وأسرته. وجعلت الرواية في فصلها الأول بخاصة، ثم في ثناياها، من البيت نبضاً حاراً لها. فالأم التي تروي كيف أثثت البيت، تحدّث عن (شوق البيت) كما تسمّي مها ذلك الشوق الأعلى من شوق البشر. ومها ترسل أيضاً قولها بـ مزاج البيوت، وتحدّث عن أنها تحمل عقدة البيوت، وتطلق السؤال الملتاع «أين هو بيتي الحقيقي»، فالبيت هويتها، وهي واقعة في غرام البيوت. وفي فقرة «هاجس البيت» ترى حلم السوريين سيكون فقط بيتاً، بعد حلم طويل من الحرية والمساواة والتحرر من الخوف.

رواة ثانويون
للبيت شأوه أيضاً في حكايات الشهرزادات الثانوية، أي رواة الرواية الثانويين. فزوجة عدي (الأسدية) تنادي مها لتتفرج على الغرفة التي تؤويهم في السكن الجامعي «كأننا في سجون عائلية». وإلى فنلندا هاجرت أماني فكان لها وحدها من دون الآخرين بيتها السعيد. أما حسام- شهرزاد الثالثة، بعد الأم ومها- فيتحدث عن اللابيت بعدما تطوّح من تركيا إلى السويد، حيث رُفض طلبه باللجوء، واكتشف ما عدّه أكذوبة أمان السويد وعدالتها. وقد جاء كل ذلك في الفصل الأخير من الرواية، والذي يعزف على أسطورية الرقم 7، وعنوانه: «سبعة بيوت في سبعة أيام لسبعة أولاد». وفي هذه النهاية تعلن الكاتبة «البيوتيتية» أن البيت عندها «وطن دائم للكتابة والتخيل واكتشاف الذات والعالم». وكانت قد سبقت ذلك فقرة «البيت المستعاد» في فصل «شهرزاد الحرب». وتروي الفقرة صديقة لمها تطلب عدم الكشف عن اسمها، مستعيدة ذكريات الدراسة الثانوية. وقد احتلت جبهة النصرة بيتها، وسطت المعارضة المسلحة عليه وطردتها منه، كما أن النظام يراها بيئة حاضنة للإرهاب. وفيما يشبه أن تكون قناة سياسية، تبدي شهرزاد المجهولة هذه وتعيد في أن النظام خلق الإرهابيين، وفي أن الثورة اجتماعية وتلقائية، أجهضتها المعارضة الفاسدة التي وضعت مصالحها فوق مصلحة الشعب، مثل النخب الانتهازية التي تخلت عن خطابها الأخلاقي وصفقت للسلاح الديني. ومع ذلك، تهدر هذه الشهرزاد بأن شعلة الثورة مستمرة، ولن يقتلها النظام ولا الرايات السوداء والصفراء.
مع حسام- شهرزاد الثالثة تتفجر حكايات التظاهرات السورية السلمية عام 2011، فالتحول إلى العسكرة والأسلمة، ليبقى صوتاً خافتاً ووحيداً للسلمية، فيضطر إلى الهجرة. ومن تركيا إلى اليونان إلى السويد تتفجر حكايات التغريبة السورية التي تحيا مها وإخوتها فصولاً أخرى منها. وسواء عبر التغريبة، أم عبر يوميات الحرب في حلب وفي ريفها، أم عبر ما يُستعاد من الماضي قبل الحرب، تبرز الهوية كشاغل بامتياز للرواية.
كانت حارة العمران في أطراف حلب هي هوية الصداقة والجيرة التي شققتها العسكرة، وحلّ محلها كهوية خارجُ الحارة، فكان أول انفصال بين حسام الكردي وصحبه العرب. وفي فصل «الهوية العالقة في الممر»، يأتي اعتقال المسلحين العرب بقيادة أبو عرب لحسام الكردي كشعرة تقضم ظهره، وهو يروي إحساسه بالظلم، وبألا تشفع له مشاركته في التظاهرات، مما أعاده إلى أصوله الكردية، بعدما كان يشعر بالغربة حين يسمع أبويه يتحدثان الكردية. لقد اكتشف فجأة أنه ليس مثل أصدقائه العرب، فالثورة كشفت له الفرق بين العربي والكردي. وإذا كان عنصر من الجيش الحر قد هدده بحرق الأكراد في عفرين، فهو ليس حاقداً، ولا يكره العرب، لكنه يجأر أنه لا ينتمي لهذه الثورة إذا كان أبو عرب وأمثاله قوادها، ومن يقررون مصيره، لكأن الثورة ملكهم، وفي السويد، في فقرة «الهوية المرتدة» يكرر حسام أنه لم يفكر يوماً بكرديته، ولا باختلافه عن صحبه من العرب، لكن ذلك حدث بعد الثورة. وهذا الذي عاش حياته بعيداً عن القوميات، بات يحس بانتمائه الكردي، وإن يكن ينفي أنه واحد من الشيعة والسنة والأكراد الذين حوله في الكامب- مخيم اللاجئين.
أما «عمتِ صباحاً أيتها الحرب»، وعلى رغم نثار الشخصيات النكرات، ومن ضغط الوثائقي والتوثيق أحياناً، والسياسي نادراً، فقد جاءت مغامرة سردية بديعة ومميزة، سواء في مدوّنة صاحبتها الروائية، أم في المدونة الروائية للزلزال السوري.