mercredi 12 mars 2014

الكتابة كنهر يطل على النيل

العدد 658 - 2013/9 - آداب - مها حسن http://www.alarabimag.com/Article.asp?ART=12368&ID=298

إذا كانت الحياة في مكان آخر، فيجب أن تكون في القاهرة، حيث روح الكتابة في القاهرة، يشبه الانبعاث. كما لو أن تلك الحرارة العالية والغبار، يحملان ذرّات روحية لآباء الإبداع الفرعوني، ذرّات متناثرة في الغبار وأشعة الشمس، ما إن يمسّ جلدك، حتى تتفتح خلاياك الروحية، وتستسلم للكتابة.
تأخّر ذهابي إلى مصر طويلًا، أنا التي تأسستْ أحلامي ومخيلتي وعواطفي في المراهقة، وتغذّتْ، من السينما المصرية والأغاني المصرية.
خالي، أو بوصف أدقّ ، خال أمي، والذي أدعوه بـ«خالي»، وأنا التي لا أذكر شكله، بل أحاول تخيّل ملامحه، من الصور التي تحتفظ بها أمي، وتتحدث عنه بـ«نوستالجيا» كبيرة، وهي تروي لي اهتمامه بي حين كنت في «اللفّة»، وقد ورّثني شكل عينيه، حسب رواية أمي. خالي الذي غادر البلاد باكرًا، متشردًا، تائهًا، عرفت العائلة، في وقت لاحق، وهي تحاول تتبّع أثره، أن آخر جهاته، كانت مصر. لا أحد يعرف عنه شيئًا، فيما لو كان تزوج أو أنجب أو مات عازبًا، أو لايزال على قيد الحياة.
حلمت بمصر كثيرًا، وانتابني الارتباك كلما التقيت بمثقف مصري يسألني مندهشًا وكأنه يلومني «لسه مارحتيش مصر!». حلمت بمدينة نجيب محفوظ، والأحياء التي كتب منها وفيها، حلمت بالفيشاوي، بمقاهي القاهرة، وكان أصحابي السوريون يصفونها لي وصفًا سحريًا من منطلق ثقافي: الكاتب الفلاني الكبير، يخرج من بيته، يسلّم على صبي المقهى، والصبي يرفع صوته بالسلام: صباح الفل يا أستاذنا. الروائي المصري معروف لدى صبية القهوة، وليس متعاليًا، يجلس في مقاهٍ تابعة لفنادق الخمس نجوم، يشرب الماء في كؤوس معقّمة.
الصور التي امتزجت في مخيلتي، بين أفلام يوسف شاهين المتمردة، وأفلام الأبيض والأسود الرومانسية، وحكايات الأصدقاء عن وصف المثقفين المصريين، والصور التي شاهدتها على الإنترنت، لكاتبات مصريات صديقات، يجلسن في المقاهي، ويدخنّ «الأرجيلة» بتساوٍ يصيبني بالشغف، بين المرأة الكاتبة والرجل الكاتب، وصور أخرى، امتزجت كلها في مخيلتي، وخلقت هاجسًا روائيًا إضافيًا، هو خالي الضائع في مصر.
تشوّقت دومًا لرؤية هذا البلد، وكان حلمي بالذهاب إليه، جزء من الأحلام القلقة، أن أموت قبل أن أرى مصر.
وتحقق حلمي بغتة. تحقق في ظرف ضيق. كان عليّ أن أقرر السفر في ليلة واحدة، ودخلت في كآبة القلق، كلبتي التي أعتبرها جزءًا من دائرتي المقربة جدًا، بل الكائن الأقرب لي، والتي تواجدت معي في أوقات شدتي، حيث فقدت والدي وأنا في المنفى، ودون أحد على الإطلاق، كانت وحدها من ينظر إلي بتعاطف وأنا أبكي الفقدان المدمّر. حسنًا، كوارتز مريضة، ماذا لو ماتت في غيابي؟
الحيرة بين ذهابي الأناني لتحقيق حلمي الذي تأخّر، وبقائي العاطفي مع كلبتي المريضة. حسمتها بأنانية لمصلحة الحلم، وذهبت. ذهبت إلى القاهرة... بلد المخيّلة.
الكتابة كنهر.. أطلّ على النيل
في شرفة الطابق الثالث عشر، رحت أطلّ على النيل، وفي لحظة شعورية مكثّفة جدًا، تشبه ما تحدث عنه كولن ولسون واصفًا رغوة الصابون، حيث تتركّز كل أحاسيسنا، وتتجمّع فقط في هذه الصورة، صورة رغوة الصابون لدى ولسون، ولحظة إطلالي على النيل، ما يشبه قليلًا ربما حركة التلويح باليد في رواية كونديرا... تكثيف كلّي للجسد والروح والمخيلة والذاكرة، احتشد في فكرة «أطلّ على النيل». هبت عليّ نسائم الطقس الساخن، روائح الذرة المشوية للباعة المنتشرين على ضفّة النهر العظيم، اخترق الضجيج روحي، كأنني في فيلم، ولكنه لم يكن فيلمي القديم الذي صنعته في مخيلتي مركّبًا من مقتطفات السينما، بل كان فيلمًا مستقلًا، لم أتدخل في صناعته، المراكب الكثيرة، بأحجام متنوعة تسير على واجهة النهر أمامي، أغانٍ لم أسمعها من قبل، وأخرى أعرفها، تصدح من المراكب مختلطة بزعيق يأتي من جهات عديدة، من ركاب المراكب، من الشارع، الزمامير.... كل هذا الخليط الصوتي والبصري، تكثف في لحظة «أطلّ على النيل» فبكيت.
في الليلة الأولى لوصولي إلى القاهرة، خرجت مع الأصحاب، لتناول العشاء في مطعم يجاور النيل، يلتصق به، و كأننا داخل النيل.
لم أكن قد خرجت بعد من ذاكرة المكان، قادمة من باريس، أنظر إلى الأضواء الساقطة داخل النهر، فتختلط عليّ الصورة، بين أنني أمام السين أو النيل.
يذهب الليل بخصوصية النهر، أنا على ضفة النيل، ولكنني أحاول أن أتذكر هذه المعلومة، حيث أعتقد أنني على ضفة نهر السين.
مع أنني لم أولد من الماء، وربما لأنني لم أولد من الماء، كنت مهووسة بالمقارنات النهرية، في أمستردام، أغرمت بنهر أمستل، وفي باريس، كتبت طويلًا أمام نهر السين، وبكيت على جسر ميرابو، حيث كتبت أولى رواياتي، منذ عشرين سنة تقريبًا، مفتتحة المقطع الأول بقصيدة أبولينير ، التي غناها ليو فيري: على جسر ميرابو يجري نهر السين، لا الزمن يعود ولا الأحبة يرجعــــون. ارتجفت أمام النيل الليليّ. في الصباح هو شخصية مستقلة، واضحة، له ملامحه، ملامح نهر عربي، في مدينة عربية.
بعد الفرات، هذا أول نهر عربي أراه، ولم يمسني فقط لهذا السبب، بل لأنه اختلط في ذاكرتي بالفراعنة وقدرتهم على الخلود، وتجاوز الموت.
في المدرسة الإعدادية درست في مدينة حلب، في مدرسة «النيل للبنات»، في شارع سكنت فيه، اسمه «شارع النيل»، لم أفهم حــتى اليــــوم، لماذا يُسمى شارع في حلب، باسم النيل؟ إن لم يكن لأسباب فرعونية غامضة فانـــــتازيّة تــــتعــــلق بأننــــــي سأولد في هذا الحي، وأدرس فيه، وأحلم بالنيل؟
الكتابة تتدفق... أتدفق كنهر وأنا أكتب، مع أنني أخاف من السباحة، ولا أتقنها. في عمق البحر الأطلسي، نزلت الماء، فشدني بقوة مباغتة، ولم أفهم قانون الدفاع عن جسدي لأطفو أو أتصرف بتقنية السباحين مع التيار، صرخت، وهربت، وتوقفت علاقتي بالسباحة والغوص في النهر. ولكنني أسبح في الكتابة، بتقنية النهر، أكتب متدفقة، تهبط أفكاري من مخيلتي، وتسيل على أصابعي، من دون توقف، كأنها مخزّنة هناك، فقط، أزيح الحصوة أو الحجرة، حجرة الكسل مثلًا، أو المزاج العكِر، فتأتي الكتابة، بسلاسة الماء.
المقهى الثقافي
في الصباح، أول ما اقترحه علي صديق شاعر يعرف شغفي بالمقهى القاهريّ، وأجواء محفوظ، أن نذهب إلى المقهى. قبل الفطور، انطلقنا إلى ذلك المقهى.
محامون بحقائب المهنة، بربطات عنق أنيقة، كتّاب كبار بالسن، كتّاب شباب، مهنيون، عمّال... كائنات من كل صوب وحدب، كما يقال، جاءت إلى المقهى. رجال ونساء أيضًا.
كما لو أنني ألتحم بمشهد تلفزيوني لمسلسل من تأليف محمد فاضل، أو لنص مأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ، كأنني في مسلسل «خان الخليلي» الذي داعب مراهقتي، وبحثت عنه طويلًا في «اليوتيوب» ولم أجده، لليلى حمادة وصلاح ذوالفقار، كأنني جزء من مقطع مرئي، شعرت وأنا في المقهى، بين المصريين، أتحدث بلكنتهم التي نجيدها جميعنا تقريبًا في العالم العربي، الذي غزتنا فيه الدراما المصرية، هذا الغزو المحبب الذي أبكانا ونحن مراهقون، ولايزال هذا الغزو العاطفي يُبكي أمهاتنا وعمّاتنا وخالاتنا أمام «شجرة اللبلاب» و«اللقيطة»، ورومانسيات الدراما القديمة والمستمرة.
في المقهى الشارعي، حيث تصطف الكراسي والأراجيل على جانبيه، ويقطعه المارة، عبورًا بين الزبائن، تعرفت على شخصيات ثقافية، من «إحداثيات» المشهد الثقافي. التقيت بمكاوي سعيد، برءوف مسعد المقيم في أمستردام، والذي جاء في زيارة في نفس فترة زيارتي، وعلى المفاجأة الأدبية، جميل عطية إبراهيم، الذي راح يمتحن معرفتي بالكتاب المصريين. رحت أعدّد له أسماء أصدقائي وصديقاتي فنجحت في الامتحان حين قال لي: «أنت تعرفين الكل إذن!».
حين قلت لصديقي الناقد والصحافي إيهاب الملاح، إنني في «زهرة البستان» فوجئ ضاحكًا، أنني إذ وصلت إلى هذا المقهى، فقد دخلت قلب القاهرة إذن... نحن في وسط البلد.
الفندق الآخر الذي انتقلت إليه، القريب من تمثال طلعت حرب، لن يضيّعني، سيكون هذا التمثال دومًا، علامة فارقة، أحدّد منها الجهات، صوب الفندق، صوب المقاهي: زهرة البستان، ريش، الغريون، استوريل، جروبّي، التكعيبة ... حيث نحدد مواعيد اللقاء مع الأصحاب الكتّاب المصريين أو العرب الموجودين في القاهرة... مقاهٍ تتفاوت ما بين بذخ يميل إلى «البرجزة»، ودفء شعبي يميل للبساطة... تشعرني، أنا الروائية الشغوفة بكل هذه الاختلاطات، بجمالية المكان في القاهرة، كيفما كان.
المقهى الشعبي المتواضع في القاهرة، على رصيف مليء بالغبار والذباب والمارة والمتسولين، يكاد لا يقل أهمية عن «المقهى الثقافي» القادم من الغرب،الديمقراطية في الحوار، الاسترخاء دون تشنج المحاورين العرب عادة، اللطف وقبول الآخر، والأهم من كل ذلك، الظاهرة الثقافية المصرية خاصة، والتي نعاني غيابها في سورية ولبنان، ولا أعرف عن بقية البلدان، غياب فكرة صراع الأجيال. المثقف المصري الكبير بالسن، يتعامل بمحبة وموازاة واعتراف بالمثقف الأصغر سنًّا، بل وبرعاية أحيانًا، مفسحًا له الطريق. حالة «الأبوية» بمفهومها الوصائي أو الاستعلائي لم أرها لدى المصريين، وإن وجدت، فهي تحمل مفهوم الرعاية والعناية. المثقف «الأب» في مصر، هو صديق الابن، وليس أهم وأعلى، وتحتاج إلى بروتوكولات للوصول إليه، فهو متاح، وعلى القهوة، لا في فنادق وخلف أبواب موصدة، كالزعماء والشخصيات الصعبة المنال.
الإبداع والحرارة
في مصر، طبّقت الصفحة التخييلية عن مصر، فوق الصفحة الواقعية، فازدهرت إقامتي، والتصق ماضيي المحلوم به، وأفلام السينما، وأغاني عبدالحليم ونجاة، وصور مجلة الموعد عن الممثلات، بالحاضر، ووجدت أن الحياة تتكثف هنا، وأجمل ما فيـــها هو هنا.
الحسين، المقاهي، أحياء نجيب محفوظ، الباعة الذين يعرضون منتجات مصر الخاصة، عين حورس المتكررة على الميداليات والأساور والعقود، كانت تشدني لأقتني الكثير من العيون، متذكرة تراث أمي بالتنقيب عن الخرزات الزرقاء، تدسّها في ملابسنا، لتحفظنا من شرّ العيون الحاسدة، أحببت عين حورس الزرقاء، وحاولت صناعة أسطورة جديدة، تخلط حكاية أمي بحكاية مصر... أجاء خالي متلهّفًا خلف هذه الخلطة؟ الحرارة والغبار وأرواح الفراعنة، وصفة خاصة لإبداع ساخن، أنا ابنة المنفى البارد، بين باريس وأمستردام وقليل من بروكسل وبرلين وفرانكفورت....
الإبداع، مرتبط بالانفتاح للشمس والغبار، لا للنقاء والترتيب الصارم، المريح للجسد، الحابس للروح. إذا كانت الحياة في مكان آخر، حسب عنوان رواية كونديرا، فيجب أن تكون للكاتب في مصر، حيث الدفء يساعد على الكتابة، وحيث برد المنفى الأوربي، يخلق كآبة ورتابة، ويُخشى من إحباط العزلة.
في مصر الدافئة، الحارة، لا يمكن للمثقف ممارسة العزلة، فالشارع والمقهى والعالم كله يقتحم حياة أحدنا. ربما تكون أفضل كتاباتي في نظري، هي ما دوّنته في منفاي الباريسي، لكنني لاأزال مؤمنة، أنني لم أكتب ما أحلم به، وربما ما أحلم بكتابته، لن أكتبه إلا في مصر. هناك حيث أحسستني جنية فرعونية سمراء هاربة من أرض ما، ومتنقّلة بين شوارع القاهرة مع سائق مجنون، كان يغني لي طيلة الطريق، وهو يعرّفني على شوارع المدينة القديمة، نمرّ على الأحياء الفقيرة، أتفرج بدهشة على الشوارع والبيوت وعربات الباعة المتجولين، وكأنني من نافذة السيارة، أرى العالم الحقيقي. لم يكن لدي وقت للمشي طويلًا في تلك الشوارع، كان عليّ العودة سريعًا إلى بلاد البرد.
في مصر، شربت من نيلها، ودخلت الرواية المصرية، ومشيت في شوارع المسلسل المحبب الذي كنت أنتظره بلهفة، مع صحن البزر. ثم عدت إلى باريس.
بين فرحتي باكتشاف جذوري الفرعونية الميتافيزيقة، واختلاط أنفاسي بأنفاس خالي التائه هناك، وشعوري بالذنب نحو كلبتي، التي لم تنتظر عودتي، فماتت قبل وصولي إلى باريس، أترنّح باحثة عن كتابة جديدة، كتابة دافئة، تستمد إبداعها من شمس، وأساطيره هناك، شمس الذي يقهر برد الروح، ورتابة الغرب الأنيق، المرتب بدقة، والخالي من المفاجآت.
--------------------------------------------
* كاتبة سورية مقيمة في باريس.

vendredi 7 mars 2014

النساء السيئات

النساء السيئات
مها حسن

حين كنت أتحدث في حلب، قبل عشر سنوات على الأقل، عن جرائم الشرف، كانت السيدات البورجوازيات المحيطات بي، بسبب طبيعة عملي، يتعالين بأنوفهن بقرف واشمئزاز، ويقلن لي: هذه حالات قليلة تحدث في المجتمع المتخلف الريفي والبدوي. وحين حملت هاجسي إلى فرنسا، وكتبت عن الموضوع ذاته، وأدرجته في قائمة أولوياتي، رحت أحاضر بين الطلاب الفرنسيين، ككاتبة أجنبية، في مناسبات تتعلق بالمرأة خاصة، عن الفوارق بين حريات المرأة في الغرب والأخرى في الشرق، نهرتني إحدى الإعلاميات من أصل عربي: تتحدثين عن قلّة في مجتمعاتنا وتشوّهين صورة المجتمع، نحن مو هيك؟

ينتابني ما يشبه الصدمة وانزياح الواقع، حين أرى سيدات أنيقات، يتمتعن بالكثير من الحريات السطحية: التنقل، العمل، التبرّج.. يمثّلن قضايا القهر لدى المرأة الغائبة. كيف تتحدث امرأة تحتقر في أعماقها صورة المرأة التي تتحدث عن مشاكلها، فتمثلها، وهي رافضة في العمق فكرة التساوي معها، بل تنظر إليها باستعلاء؟

كأن حقوق المرأة ومساواتها انزاحت من موقعها لتغيير وضع النساء المقهورات، لتتحول إلى كليشيه تتمتع بمزاياها نساء ـ مقهورات دائماً، لكنهن قاهرات بنفس الوقت لنساء في مراتب اجتماعية أقل منهن.

الفرق شاسع، بين المرأة التي تعاني، وتلك التي تنقل معاناتها. الأولى تدفع حياتها مقابل لحظة حرية أو تحقيق لذاتها، والثانية تحصل على استحقاقات نقل وجع الأولى.

من هنا يمكن الحديث عن مفهوم الاستغراق، للفصل بين الحقيقي والمزيف، بين نساء موجوعات فعلاً من مصير المرأة وتدهور وضعها، وبين أخريات، لا تشكل المسألة بالنسبة لهن أكثر من ظهور إعلامي، ومجد شخصي.

من قال بأن النساء كلهن نبيلات ويعملن لمصلحة المرأة؟

من قال بأن المرأة ليست أكبر عدو للمرأة؟

لننظر إلى النماذج النسائية المندمجة في الحكومات الديكتاتورية، وهي تنحاز للطاغية، وتشرعن استبداده.

نساء سيئات أيضاً، يتواجدن بالكمية ذاتها، أو أكثر، في طريق النضال ضد اضطهاد المرأة، منهن يعلنَّ كراهيتهن للمرأة، المنضوية على إحساس بالدونية، وتفوقهن الشخصي على بنات جنسهن، ومنهن من يُخفين دونيتهن، فيبرعن في تلميع صورتهن الشخصية، المسيئة للمرأة.
الأمثلة كثيرة عن النساء السيئات، هؤلاء اللواتي لا يقل ضررهن بقضايا النساء عن الذكور القامعين للمرأة.
المرأة التي تظهر في الإعلام كامرأة جميلة حائزة على جميع مواصفات النجاح التي يروّج لها صانعو الفقاعات: الجمال ـ الأناقة ـ مهارة الحديث، والصدمة.
الصدمة بشقّها الرديء، حيث تخرج المرأة المقصودة عن سياق أخلاقي، إنساني، يركّز على حقوق الإنسان عامة، والمرأة خاصة، وبخصوصية أكثر في مجتمعات شرقية تطحن المرأة ليل نهار، لتتحدث، المرأة الصادمة، عن تمييزها الطبقي والثقافي والمهني، في تقييمها للآخر، فتفصّل الحق وتمنحه وفقاً للطبقة والبيئة، لا للإنسان بوصفه إنساناً.
هل أتحدث بلغة الألغاز؟ ألم يسمع أغلبنا، عن كاتبات، باحثات، إعلاميات، ينظرن باحتقار، ويتحدثن بنرجسية عن حقوق لا يستحقها الآخر المتخلّف، الجاهل؟

أمراض فكرية

يكاد التعاطي مع ملف النساء، لا يختلف عن كثير من أمراضنا الفكرية الرائجة، التي لم تكن ظاهرة بشكل فاقع، إلا أنها موجودة بيننا. ذلك الهمس الذي يدور في الجلسات الخاصة في تقييم البشر وفق انتماءاتهم الطائفية أو الإثنية. لا يختلف، الهمس ذاته، المريض، عن وصف امرأة ما، ناجحة، بأنها «عاهرة»، أو باحتقار كل من يحقق إنجازاً ما، وتقديمه على أنه دفع مقابل أخلاقي لقاء نجاحه. هذا التشكيك في المقابل المفترض، يطلق على النساء غالباً، ومن نساء.
تشعر النساء بالغيرة من نجاح نساء رديفات لهن، وتحاربهن، ولكنهن لا يشعرن بنفس الغيرة من الرجل، بل يبررن نجاحه ويدافعن عنه، لأنه صورة الأب النبيلة الخالية من العيوب، ولأن الأم في العمق، محجوزة لأماكن ثابتة: الحنان ـ الدفء ـ العائلة...
حين تنشقّ بعض النساء عن هذا الدور التقليدي للمرأة «الأم ـ الزوجة ـ العشيقة ..»، فإنهن يحرصن على أن يتميزن وينفردن بهذا الانشقاق، في عالم الرجال، على طريقة «شوفوني» التي كشفها السوريون الساخرون من النجوم المارقين، المتعطشين للظهور، وهنا، فالمرأة الخارجة عن النمط المرسوم لها، وهو أمر يحسب لها من دون شك، ويستحق التقدير، إلا أن ما لا يجب السكوت عنه، هو نرجسية الانفراد بسبق الموقف المخالف للمجتمع، بحيث تتحول هذه المرأة إلى نموذج فرداني، يحقق إنجازات شخصية، تتعلق بسياق ذاتي، من دون أن يضيء في نفس الوقت، على النساء الأخريات العالقات في الظل.
الترويج مثلاً، بأن المرأة إن أرادت الثورة على حياتها، لفعلت، إلا أنها هي التي ترغب بتمثيل دور الضحية، هو استلاب لإرادة المرأة، التي تحول العادات الاجتماعية من ناحية، والجهل بالحقوق من ناحية ثانية، والخوف من العقاب والعنف من ناحية ثالثة، والقلق من النبذ الاجتماعي والوحدة في مواجهة المصير من ناحية إضافية، وتفاصيل كثيرة ومخاوف تقف في وجه المرأة لتحول بينها وبين صرخة التمرد، لا يمكن ردها جميعاً وحبسها ضمن قالب: عدم إرادة المرأة بالتغيير.
لننظر من طرف آخر، إلى النساء الواصلات، اللواتي يستطعن الكتابة، والظهور في الإعلام، هنا يمكننا محاكمة إرادة المرأة السلبية، بعدم التغيير.
النساء السيئات موجودات بكثرة إذن، ومن إحدى أشكال الدفاع عن المرأة، تعرية هذه النماذج، التي تستخدم كليشيه المرأة، ليصعدن عليه لمتابعة قهر المرأة.
النساء السيئات موجودات، وعلينا فقط التنبّه لوجودهن، اللواتي يُقصين غيرهن من النساء، فقط لأنهن نساء. اللواتي يصادرن حق غيرهن من النساء بالظهور إلى جانبهن، لأن الصورة لا تتسع إلا لواحدة. اللواتي يستبعدن النساء وهن يدافعن عن قضايا النساء. يُزحن نساء متواجدات لينفردن بتمثيل نساء غائبات، فعن أي نساء يدافعن!
النساء السيئات موجودات، إلى جانب النساء الجيدات، ومن الضروري الانتباه إلى ميزان الحكم على الجودة أو السوء، لا من منظور أخلاقي تقليدي يربط هذين المفهوم، أو المفهوم ذاته، وعكسه، بالربط المادي، الفيزيائي بالمرأة، بل بأخلاقية تخدم تطور المرأة. بحيث نستطيع أن نحلل مواقف النساء، والرجال طبعاً، إلا أن الحديث هنا مقصور على النساء، فإذا كانت تصب في مصلحة إلقاء الضوء على معاناة النساء، وإذا كانت تحرّك فعلاً لدى المتلقي مشاعر قد تترافق بسلوك من أجل رفع المعاناة عن النساء، فهي نماذج جيدة على الأغلب، والعكس، حين تتصرف امرأة بطريقة تجعل الآخر، المتلقي، المجتمع، يحتقر المرأة، فهن نساء سيئات.
قد يبدو الحكم الأخلاقي مجازفة، وقد يبدو هذا الكلام بمثابة ضربة قاصمة في سلوك المرأة الفردي، المرأة التي ترفض جندرة مواقفها وسلوكها، لأنها تطمح إلى الحرية بشكل أعلى، حرية متحررة من توظيفها في خدمة الآخر، وهذا من حق المرأة، أن تتماهى مع الرجل، أو أن تشعر بالعلو على الرجل، بوصفها كائناً، لا بوصفها الجنسوي، من حقها حين يكون هذا الأداء واعياً، دقيقاً، فهو أيضاً يصب في مصلحة الكائن الإنساني، امرأة كان أو رجلاً، لكن ما لا يحق لها، أن يكون ذلك الأداء، غير واع، بشكل يُفضي بطريقة مكشوفة أو مبطنة، إلى احتقار جنسها.
حين تكتب امرأة عن العنف ضد النساء، فتقدم نموذجاً لرجل عنيف، يضرب زوجته، أو أخته، وفي سياق المعالجة، يتعاطف القارئ مع الرجل، إما لأن الكاتبة تعني هذه النتيجة، لتبرر العنف، أو أن إحساسها بالدونية، لا قصدياً ربما، يجعلها تنحاز إلى الطرف الأقوى، فتنسى الضحية، وتذهب برفقة المنتصر، الأب، الذي تخاف، الكاتبة ذاتها، من عقابه، وإن بحرمانها من رضاه والطبطبة عليها، حيث التواطؤ الباطني بين الأم والإبنة، يبرر في سردياته الطويلة، غفران الأم. الأمر الذي تضمنه الكاتبة المنحازة إلى قضية المرأة في العمق، والمنحازة، من دون وعي، إلى صف الرجل، لتملك صك الأمان، الذي لا يحمله إلا الرجال.
قد تكون كاتبة هذه الكلمات، امرأة سيئة أيضاً وفق الميزان المفترض هنا، لأنها ركّزت على السوء لدى النساء، ما يغفر لها ربما، أنها ترغب بهزّ النساء القادرات، على الوقوف ضد الرجال، والتخلص من أمان الصك الأخلاقي الذي يمنحه الأب ـ الزوج ـ الزعيم.
نساء الطغاة في العالم العربي خاصة، شريكات في غنائم السلطة، سيئات، وهن يشجعن الطاغية، بالصمت، بالابتسامة المشجعة، بالاستمتاع بالوقوف في ظل رجل جبار قاهر، يعيد إلى دونيتهن الاعتبار.
هل بدا الفصل واضحاً بين نساء عظيمات يقفن في الظل، أو في الضوء، خلف نساء ورجال، ليدعمن حرية الإنسان، وحرية النساء كذلك، يسحبنهم ويسحبونهن، نحو الضوء، وبين نساء متواطئات مع أنظمة القمع والاستبداد، حتى ولو في طريقة الهمس السرّية، ليشرعنّ ركل النساء نحو الحضيض، أو المزيد من الحضيض؟
جريدة السفير

samedi 1 mars 2014

حوار France 24



 حوار



http://www.youtube.com/watch?v=hf1t2lorIvM

jeudi 27 février 2014

Begräbnis eines Basars

Die Welt trauert um ihr Kulturerbe in Aleppo. Den Einwohnern der Stadt fehlt dazu die Kraft von Maha Hassan
Nie wäre es meiner Oma Zainab* eingefallen, ihre grauen Haare mit Henna zu färben, das nicht von dem Basar in Aleppo stammt. Wenn sie dorthin zum Einkaufen ging, nahm sie mich als Kind immer mit. Nicht, um irgendwelche Dinge zu besorgen, sondern um mir zu zeigen, was die Stadt Aleppo wirklich ausmacht. Verwinkelte Gassen, kleine Verkaufsstände, 2300 Jahre alte Häuser. Der Geruch von frischem Fisch, lebenden Hühnern, Minze, Moschus und Henna. So kannten die Bewohner der Stadt diesen alten Ort an der Seidenstraße, so sahen ihn die Touristen. Ich liebte die Stimmen der Frauen, die mit den Verkäufern flirteten, lachten und handelten. Wir gingen nicht in Cafés oder in den Park, sondern auf den Basar. Wir waren stolz auf ihn, auf unsere Heimat.
Jetzt brennt die historische Innenstadt und mit ihr der Basar. Mehr als 1500 Geschäfte, Weltkulturerbe. Kilometerlange Gassen sind unpassierbar. Die Bewohner von Aleppo können nicht mehr atmen, sie haben ihr Wirtschaftszentrum verloren, ihre Stadt ist endgültig begraben. Die Welt trauert um den Basar von Aleppo, doch die Bewohner haben dafür keine Kraft mehr. Sie husten, halten sich die Nase zu und wischen brennende Tränen von ihren Wangen.
Der Basar ist zerstört, seine Frauen sind es auch. Ich habe ein Bild im Internet entdeckt, das eine tote junge Frau zeigt. Sie wurde auf der Straße erschossen, ihr Körper war zerfetzt. Sie lag in einer Gasse, die ich noch gut in Erinnerung habe. Ich habe das Bild mit der Computermaus herangezoomt und das verstellte Gesicht minutenlang angestarrt. Sie könnte eine von meinen Freundinnen sein.
»Brot ist manchmal mit Blut getunkt«, heißt es in einem alten syrischen Sprichwort. Damit meinen wir, dass das Leben hart sein kann. Dass der tägliche Kampf um Nahrung und Würde schmerzvoll ist. Nun hat sich diese Redewendung bewahrheitet: Auf dem Basar von Aleppo fließt Blut über Mehl und frisch gebackenes Brot. Armeen bombardieren Backstuben. Frauen, Kinder und Väter sterben, weil sie für ein Stück Brot anstehen. Sie haben nichts mit dem Regime, dem Militär oder der Politik zu tun. Sie wollten nur Brot für ihre Familien kaufen – nun liegen ihre Eingeweide in den Gassen verteilt.

Als ich 2004 aus Aleppo geflohen bin, habe ich die kleine Widad zurückgelassen, da war sie erst fünf Jahre alt. Widad konnte noch nicht richtig sprechen. Das fand ich besonders süß. Deshalb habe ich immer versucht, sie in lange Gespräche zu verwickeln. Meist ging es um Brot oder Milch, um etwas, das wir auf dem Basar besorgen wollten. Heute ist Widad dreizehn Jahre alt. »Überall Massaker«, sagt das Mädchen am Telefon, das früher so süß über Brot und Milch reden konnte. Ich mag ihre Worte nicht mehr. Widad und ihre Cousine schreien hysterisch. Die ganze Nacht, den ganzen Tag. Bis vor einigen Tagen lebten sie in einem Viertel nahe der Altstadt Aleppos – dort herrscht nun Dauerbeschuss. Ihre Mütter haben entschieden, die Töchter zur Oma zu schicken. Sie wohnt jetzt in einem christlichen Viertel, etwas weiter weg. Wirklich besser ist es dort nicht.
Wenn die Internetverbindung gerade einmal nicht unterbrochen ist, schreibt mir Widad per Messenger – meist gegen sieben Uhr morgens. Dann, wenn in Aleppo eine kurze Feuerpause herrscht und eigentlich die beste Zeit zum Schlafen ist.
– Ich habe diese Nacht kein Auge zubekommen, die Flugzeuge kreisten über uns, ich habe Angst, was soll ich nur tun?
– Ruf deine Mutter an.
– Ich will nicht, sie schläft bestimmt gerade, und ich will sie nicht beunruhigen.
– Was passiert gerade? Ist es etwas ruhig?
– Oma hat eine Schlaftablette genommen und schläft. Ich höre Bomben, ich weiß nicht, wo sie abgeworfen werden. Sie sind leiser als sonst, aber ich habe das Gefühl, dass sie näher kommen. Das ganze Haus wackelt, das Fenster vibriert, die Scheibe droht zu zerbrechen.

mardi 21 janvier 2014

النساء السوريات: بين الموت والحلم

المرأة في زمن الثورات النساء السوريات: بين الموت والحلم

مها حسن جريدة السفير 

هل تستطيع اللغة مساعدتي؟ هل أستطيع وصف بوح صبية قادمة من حلب، بأن اللغة معها تختلف عن اللغة السائدة؟ كيف أشرح أنها حين تتكلم، يلتمع وجهها بضوء غامض، رغم حزنها، وكيف أنها تثير زوابع من ضوء، لا من غبار، تثير انفعالات وارتباكات... أسمعها، فأنفجر في هذيان لغوي هائج أكرر فيه عباراتي: " دخيل روحكن أنتو بناتنا، حبيبتي لا تبكي، اللي متلك الحياة الجاية محتاجتن، خليكي متمسكة بالحياة.... "... خطاب مختلف، محتشد بالتوتر... جميل وخارج عن المألوف، كأنه لقاء عاطفي بين عاشقين افترقا طويلاً، وبعد سنوات من العذاب ولوعة الغياب، ها هما معاً... أنا وبنات حلب، سرّي العميق، حيث هاجسي هو النساء، وأملي هو المرأة، وشغفي الكتابة عن هذه النسوة، واكتشاف عوالمهن التي لا تزال لغاتنا السردية عاجزة عن محاكاة روعتهن.
زينب، الصبية التي تركتها قبل عشر سنوات، كانت متأجّجة بالفرح، وكانت أمي تنهرها، لتتوقف عن الضحك، وتطالبها ببعض الجدية، زينب لم تتوقف عن البكاء، ونحن ننخرط في حديث عبر الهاتف، حيث التقطتها بالصدفة، لدى أجد أقاربي وأنا أتصل بهم من وقت لآخر، حيث جاءت تفضفض آلام رحيل أمها...
أم زينب، هي أمي أيضاً... أمي الروحية... التي لا تبكي إلا حين تسمع صوتي على الهاتف، وكأنني فعلا ابنتها التي سرقها الغياب والمنفى.
تقول زينب، التي فقدت أمها منذ أيام، وبعدها، منذ أيام قليلة جداً، فقدت ابن أخيها، حيث توسطت جبينه رصاصة قناص، وتعدد لي أسماء قتلاها، تقول: الحارة مشتاقتلك، البيوت فضيت هون، ما عاد في حدا، عم احلم ترجعوا، عم احلم يخلص هالكابوس. ونبكي... نبلل أسلاك الهاتف بين تركيا وسوريا، في غازي عنتاب، حيث أنا، أبعد أقل من ساعتين عن حلب...
كأن غازي عنتاب تتعمد أن تحرق قلبي، وهي تلوح لي بلافتات الطرق، حيث مؤشر اللافتة يتجه صوب حلب، ويكتبها باللاتينيه، وبحرف الهاء لا الألف كما الفرنسية أو الانكليزية.
لم أذهب إلى تركيا كسائحة، ولم أسمح لنفسي بالتعرف على المدينة، بل كخائنة للمكان، منذ آذار 2011، انطلاقة الثورة السورية، وأنا أخون الأمكنة. في تركيا، ذهبت ألتقي السوريين... لم أرَ المدن التركية، ولم أهتم بتعلم اللغة، كنت أبحث عن سوريا المشتتة في بلد الجوار... في غازي عنتاب خاصة، بدلاً من الارتماء في حضن المدينة ـ الأم البيولوجية، ارتميت في حضن المدينة ـ الأم البديلة، لأشهق في كل شارع، أمام كل بائع حلبي، أمام اللهجة الحلبية المنتشرة في الحدائق والأسواق والشوارع، أمام فضفضة النساء الحلبيات، الجالسات على مقاعد الجنائن، بثقة الغريبات، اللواتي لا يعرف السامع لغتهن، ولم تشك إحداهن بأنني، حاملة حقيبة ظهر، وحقيبة كمبيوتر في يدي، قد أكون من المدينة ذاتها، من الحارة ذاتها ربما، فأفهم تلك اللغة... تتجاهلني السوريات الغارقات في هموم النزوح والوطن الغائب وكيفية تسديد أجرة البيت، وغلاء المعيشة في عنتاب، والتفكير في العودة، رغم خطر الموت... يتجاهلنني وأنا أعبر بهن، أتباطأ بخيانات متكررة، لأسمع المزيد، وقد أجلس على مقعد مجاور، ألهو بهاتفي المحمول، أكتب رسائلي، وأسمع سرد النساء الغارقات في مدن بديلة...
أكفكف دمع الشوق الحارق نحو حارتي وأمي التي لم تستطع قطع معبر الموت، وتفضّل الموت في بيتها، على الموت في الطريق... تخاف على جثتها من الضياع، تريد أن يحترم العالم جسدها الميت بأمان، في بيتها: أريد موتاً عادياً، لا أريد ان أتحول إلى أشلاء في الطرقات... تقول وهي مذعورة من موت صديقة لنا، ماتت في الشارع، والتصق لحمها المتلاشي بالجدران وعجلات السيارات.
يعرّفني صديق على صبية كوردية، أذهب لألتقي بلافا، نجلس في فسحة الفندق، أمام الباب، الثانية ليلاً، وبرد الليل لا يرحم جسد لافا الصغير، التي تغطي كتفيها بشال خفيف، وقد فاجأتها برودة الليل في خريف دافئ في النهار...
تلتمع عينا لافا بطفولة، تبتسم رغم الحزن الغائر في جسدها الصغير، نفشل في الكلام، أخاف من البكاء أمامها، أضبط حنجرتي، أنجح أحياناً، وأفشل غالباً... لا اريد الانخراط في عويل ليلي، فأجرف معي تلك الصغيرة، (غنّي لي)، قلت لها... وأبدعت لافا.
فاجأتني، الصبية التي غنت قبل الثورة، وحلمت بأن تكون مغنية، حملت حلمها وخيبتها من حلب التي كسرتها مراراً، وجاءت تبحث عن بعض الأمان، وبقية حلم بالغناء.
الكلام عن السوريات طويل، اللواتي شاركن الرجال في التظاهر والحلم بالحرية، رافعات شعار (الموت ولا المذلة)، فكان أمامهن الكثير من الموت، والكثير الكثير من المذلة. النساء اللواتي وقعن بين بسطار النظام ومعتقلاته، بين اتهامات تتعلق دوماً بتدنيس سمعة المرأة، القيمة الأعلى في الشرق الذي لا يزال يعتبر الجسد هو الشرف، فتُحاك الأساطير والخرافات حول مجاهدات النكاح، حتى وإن كنّ علمانيات أو من أديان لا تنصّ على الجهاد أصلاً، تُلصق بهن وصفات جاهزة، تُعهرهن، وتعرض صورهن في الإعلام كساقطات، وبين معارضات رثة، لم تؤمن لهن الكرامة، ولا ثمن الخبز أو الحليب لأطفالهن، فدخلن في سلسلة من المذلات بحثاً عن لقمة العيش، وعلبة الحليب...
االلواتي هاجرن عبر البحر، بحثاً عن حليب أطفالهن لدى الأوروبيين، بعد أن ضاقت بهن بلاد الجوار، النساء في المخيمات، في أراضي النزوح، البحث عن عمل، البحث عن سكن، القبول المُذعِن بزواج عارض يلمّ جسد المرأة ولحم أطفالها من التشرد والتسول، تفاصيل تحتاج إلى كتب طويلة، للاقتراب من أنفاسهن المرهقة بالخيبة. نساء خرجن ضد نظام جائر، فلوّعهن المنفى والمخيمات وفساد أطراف كثيرة، اجتمعت جميعها لاحراق البلاد، واحراق العباد، وكانت المرأة أولى ضحايا الجميع..
لا يجتمع القاتل والضحية في ميزان واحد، لا تضيع المرأة بوصلتها، تعرف أن النظام هو المسؤول الأول عن كل هذا الموت، وكل هذا الذل... لكنها تعرف أيضاً أن الذين خرجت برفقتهم ضد النظام، لم يكونوا على مستوى الحلم... حسناً، هناك استثناءات، وهناك حالمون نبلاء... ولكن... في الغابة، الغلبة للأقوى، والأقوى ليس هو الحالم الآن... إنها غابة... تقول لي إحداهن.
أسمع لافا، وتمرّ في رأسي صور النساء اللواتي رأيتهن، تمر في مخيلتي نقاشاتنا الحامية الوطيس حول دورنا كنساء، حول مهماتنا الشائكة، في مجتمعات لا يزال ينظر لنا الجميع فيها، رجالا ونساء، كعاجزات وقاصرات وبالتالي، خاضعات....
سناء، هيفين، سميرة، عزة، إيمان، غالية، رولا، ياسمين، ريم، جمانة، هالة، وغيرهن، أكثر من مئة امرأة، نلتقي ونهجس بقصص النساء ومعاناتهن، نتقاسم العمل، نفرز الملفات، ما بين الحقوقي والطبي والإعلامي والاقتصادي وووو، نلهث، مضيّعات الكثير من الوقت للاتفاق على صيغ العمل، ونحن منحدرات من ثقافة العمل السري، وتابو العمل المدني، وتابو الثقة الذي نعتقد نحن النساء، ببعض النرجسية والمفاخرة، أننا أفضل من شركائنا الرجال، في منح الثقة والتقليل من التخوين والنبذ...
أفكار عظيمة، شعارات، طموحات، أحلام.... تتكسر أمامنا، نعود لننهض، نبكي، ننزوي، ثم نعود مجدداً، أحاول العودة إلى المكان، أترك زينب على طرف، أتجاهل صوت شيرين في داخلي، أمنع نفسي من التفكير في نائلة، لا أريد أن أجنّ من الألم، عليّ أن أنهض... أنتبه إلى نهاية الأغنية، أبتسم للافا، يشرق وجهها الحزين وملامحها الخائبة، تغني لي (ريحة وطن)، ونؤجل الحديث عن قصة حبها وزواجها المشوّقة، التي حماها حلما الحرية والموسيقى... وأسمع لافا، أسمعها حتى الصباح، حيث لا نتوقف عن الكلام المباح... كل كلامنا مباح.
مها حسن - باريس

samedi 4 janvier 2014

رواية تقرع الأجراس في صمت العالم

 العرب ـ مفيد نجم [نُشر في 04/01/2014
في روايتها الجديدة “طبول الحب” تذهب الكاتبة السورية مها حسن مع الحب وعبر الحب نحو استحضار المعاني الجديدة للحرية والأسئلة الجديدة التي ولدتها ثورة الشباب السوري في مرحلة نضاله السلمي، ملتقطة التأثيرات الواسعة والعميقة التي تركتها على واقع بطلة الرواية وحياتها، باعتبارها تشكل ولادة جديدة للشخصية السورية أو استعادة لها بعد عقود من الضياع والقمع والاستبداد.
لعل ما يميز رواية “طبول الحب” هو اشتغالها على العالم الافتراضي الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية، وتتطور من خلاله، بصورة تواكب فيه وتتماهى مع الدور الذي لعبه هذا العالم في إيصال صوت الثورة ووقائعها اليومية إلى العالم، رغم كل محاولات التعتيم والمراقبة واستهداف الناشطين في هذا المجال، وصولا إلى فضح ما يرتكبه النظام من جرائم بحق المتظاهرين السلميين في المدن والأرياف السورية.
كتابة الثورة
تترك مها لأحداث الرواية ووقائع الثورة أن تروي الحكاية كلها من خلال علاقة حب افتراضية تنشأ بين بطلة الرواية التي تتولى مهمة السرد، وبين إحدى الشخصيات الحقوقية الفاعلة في النضال السلمي في مدينة كفر نبل إحدى قرى ريف إدلب المعروفة. تختار الروائية شخصية تعبر عن حالة التعايش والتداخل الحاصل في المجتمع السوري بين مكوناته الدينية والطائفية المختلفة، هي شخصية بطلة الرواية، التي تنتمي إلى أسرة مثقفة، والدها المسلم متزوج من امرأة مسيحية تعرف إليها عندما كانا يدرسان في أوروبا، وقد تزوجت رغما عن إرادة والديها من شاب مسيحي، وسافرت معه إلى باريس لكي يكملا دراستهما الأكاديمية العليا هناك، لكنهما ينفصلان بعد سنوات قليلة بسبب التباين بين شخصيتيهما، ممّا يجعلها تعيش وحيدة مكتفية بوظيفتها كمدرسة في الجامعة. يفتح المجال الافتراضي أمامها مجال كسر هذه العزلة والتعرف إلى عدد من الأصدقاء تستعيد معهم ومن خلالهم ذكريات أيام دراستها الجامعية، وعلاقات الحب الأولى التي عاشتها في جامعة دمشق، وبذلك يتحرك السرد بين زمن الرواية الحاضر والزمن الماضي، مستخدمة لذلك تقنية الفلاش باك أو العودة نحو الوراء. لكن العلاقة الغريبة هي التي تنشأ بينها وبين شخصية يوسف سليمان حتى تغدو الحامل السردي لوقائع تلك الانتفاضة وتحولاتها، التي تتعرف إليها من خلاله، كما تكشف عن ذلك حوارات البطلة إيزابيل معه، حيث يشكل الحوار في هذا المكان الأسلوب الأفضل للتعبير عن أفكار الشخصيتين ومواقفهما من الثورة، وما كان يطرأ عليها من تحولات ترتبط بطبيعة علاقة كل منهما بالثورة، ورؤيتهما لما يجب أن تكون عليه، وهي بقدر ما تكشف عن تباين طبيعي في وجهات النظر، فإنها تكشف عن تباين في الموقف بين من يعيش الثورة على أرض الواقع ويواجه الموت كل يوم، وبين من هم يتابعون أحوال الثورة من الخارج.
مثقفون سلبيون
يتحرك السرد في بداية الرواية على مستويات عدة مركزا على إبراز تفاصيل حياة العزلة التي كانت تعيشها إيزابيل قبل الثورة بغية إبراز الأثر العميق والواسع الذي أحدثته انتفاضة شباب الثورة على شخصيتها (أحسست وكأنني احتضن سوريا كلها بين ذراعيّ. سوريا التي تركتها منذ عشرين سنة، وظننت أنها مركب محروق بالنسبة إليَّ. ها أنا أشعر باستعادتها وبالانتماء لها، وأشعر بأن لي أصدقاء سوريين أرغب في معانقتهم جمعيا).
تبقى الرواية دون نهاية تعبيرا عن إدراكها بأن الثورة وأحداثها الدرامية المتصاعدة قد باتت دون أفق منظور أو نهاية قريبة يمكن توقعها
تستخدم الكاتبة العنونة بدلا من التقسيم التقليدي لأجزاء الرواية حيث يلعب العنوان دورا محوريا في تكثيف واختزال الموضوع الذي يدور حوله السرد. كذلك تعمد الكاتبة إلى توظيف الوثيقة بشكل مكثف لكي لا يشكل عبئا على حركة السرد وتناميه، وهي عبارة عن شهادات لصحفيين أجانب منشورة، تتضمن مشاهداتهم عن العنف الشديد الذي يرتكبه النظام ضد المتظاهرين السلميين والمناطق الثائرة.
لا تخلو لغة السرد في هذه الرواية من شاعرية تحاول فيها بطلة الرواية أن تكشف عن حالة توحدها مع أحداث الثورة وشهدائها (أعرف أنهم سيأتون مضرجين بالدماء. يأتون ململمين أشلاءهم الممزقة. يقذفون بأحلامهم المبتورة تحت وسادتي، يتحدثون إليّ حتى اليقظة، يئنون من آلام الرحيل، ويوصونني ببقايا بيوتهم وأصص الزهر وشتلات الشجر، وأغطية الأسرة وتفاصيل هائلة أسمعها بإصغاء يمنعني من خداعهم بلحظة غفوة عميقة إذ أكرر وصاياهم). إن أهمية الدور الذي يلعبه الحوار في هذه الرواية هو أنه ينقل لنا مواقف شرائح وفئات مختلفة مع الثورة وضدها، بحيث ينقل لنا صورة مركبة وواسعة عن تلونات المشهد السوري المختلفة واختلاف وجهات النظر وتبايناتها، ولا سيما بعد أن مرّ أكثر من عام على الثورة، عمد النظام فيه إلى ارتكاب المزيد من جرائم القتل والتدمير المنهجية أمام أنظار العالم الذي لم يفعل شيئا لإيقاف هذه الجرائم. لذلك يحتل الحوار مساحة كبيرة من الرواية تعرض فيها الساردة لتلك المواقف وفي المقدمة منها مواقف المثقفين التقليديين السلبية من الثورة، كما يمثلها والدها وأدونيس على خلاف خالها السياسي المعارض الذي كان يشارك في المظاهرات رغم تقدمه في العمر بعد أن رأى حلم الثورة قد تحوّل إلى حقيقة.
ديمقراطية السرد
يمكن القول إن هذه الرواية هي رواية شخصيات نظرا لعددها الوافر الذي تقوم بطلة الرواية بالحديث عنها ونقل آرائها تجاه الثورة. كما تفعل ذلك في العتبة السردية التي تقوم فيها بالتعريف بشخصيتها، وهو ما يتجلى في عناوين مشاهد الرواية، التي تتلاحق في سياق حركة بطلة الرواية في المكان ولقاءاتها المختلفة مع شرائح وأجيال مختلفة (خالو إلياس- ريما خوري- كاتيا- يوسف سليمان- رانيا) إلى جانب الكثير من الشخصيات التي تلتقي بها وتعرض لوجهات نظرها أثناء الحوارات، التي تدور في الأماكن التي تلتقي فيها بأصدقائها في دمشق وحلب، على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم وقناعاتهم تجاه ما يحدث وانعكاساته على الحياة والمجتمع ما يدلل على ديمقراطية السرد في هذه الرواية. لكن الأهم رغم الحشد والتكثيف الذي تعرض له الكاتبة في مشهد النهاية لصور القتل والاغتصاب والتدمير التي تتدافع أثناء لاوعيها بعد إصابتها، بغية تجسيد المشهد السوري بكل فظاعاته ودمويته، تبقى الرواية دون نهاية تعبيرا عن إدراكها بأن الثورة وأحداثها الدرامية المتصاعدة قد باتت دون أفق منظور أو نهاية قريبة يمكن توقعها بعد أن اتخذت المواجهة بين النظام والمعارضة طابع المواجهة المفتوحة على الرغم من اختلال موازين القوى بين الطرفين، وبعد تخلي العالم عن مسؤولياته الأخلاقية تجاه ما يحدث من فظائع، لم تستطع أن تجعل السوريين الثائرين عليه يرفعون راية الاستسلام، كما يتوهم النظام من وراء جرائمه التي ليس لها مثيل أبدا في تاريخ البشرية.

lundi 23 décembre 2013

الحب على الفيسبوك .. والحرب في سوريا

مها حسن.. الحب على الفيسبوك .. والحرب في سوريا


بيروت (رويترز) - تتناول الكاتبة السورية المقيمة في فرنسا مها حسن في روايتها "طبول الحب" قصة حب "عصرية" تجري عبر الفيسبوك لتنتقل إلى موضوعها الرئيسي وهو الحرب الدائرة في سوريا.
بطلة الرواية تميل عواطفها إلى المعارضة السورية وتحمل بشدة على النظام الحاكم لكنها تسعى قبيل نهاية الرواية الى ابراز وجهات النظر الاخرى لتصل مع بعض شخصياتها الى القول ان الملامة تقع على الطرفين وإنه لا حل في الافق الا بنوع من الحوار يؤدي الى انهاء القتال والموت. الا انها تموت في النهاية خلال زيارتها لحلب في سوريا وهي على ميلها إلى "الثوار".
رواية مها حسن جاءت في 187 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار (الكوكب .. رياض الريس للكتب والنشر) في بيروت.
بطلة الرواية ريما بكداش خوري التي اتخذت في البداية اسم ايزابيل صباغ على الفيسبوك خلال احاديثها مع من تحب اسمها مركب تركيبة "وطنية" بمعنى انها تأتي من ام مسيحية وأب مسلم سني.
وقد سعت مها حسن الى ان تكون البطلة ذات علاقات جيدة مع جميع ألوان الطيف الاجتماعي السوري من الناحيتين الطائفية والاثنية فلها صداقات ومحبة هنا وهناك وهنالك. والدها استاذ جامعي لعلم النفس ووالدتها مخرجة سينمائية تهتم بالوثائقيات الانسانية الهادفة. تزوج الاثنان بعد قصة حب على رغم المعارضة خاصة من بعض افراد عائلة الزوج.
كانت ريما ثائرة منذ البدايات. احبت شابا مسيحيا يدعى انطوان واقامت معه علاقة وتزوجته بعد الهجرة الى فرنسا للدرس لكن العلاقة لم تدم اكثر من سنتين. الا ان هذ العلاقة اغضبت والدها الذي لم يردها ان تتزوج هذا الشاب لا لانه مسيحي بل لانه كما يقول الوالد شخص لا يعتمد عليه.
ادى الامر إلى انقطاع العلاقات بين الفتاة وأهلها طوال عشرين سنة امضتها في باريس استاذة في جامعة السوربون. كانت تعيش في شبه عزلة وفي حال من الجفاف العاطفي وليس لها الا كلبتها التي تؤنس وحدتها.
تقول إن التجربة التي امضتها على الفيسبوك تستحق كتابا مفصلا من حيث الخبرة الكبيرة التي حصلت عليها. تقول "الفيسبوك صنع حالة ديمقراطية في المجتمع العربي بحيث وجدت المرأة مكانها فيه كما للرجل فراحت تعبر وتحكي عن يومياتها وانطباعاتها وأفكارها وتطلعاتها وهمومها."
تتعرف الى يوسف سليمان عبر الفيسبوك وهو محام سوري معارض يعيش في سوريا وينشط في مجال معتقلي الرأي ومجال التظاهرات واعلام الثوار. تقول "الحب عبر الفيسبوك او الارتباط العاطفي والتعلق بشخص لم نره من قبل. الى اي حد يمكن ان يكون ما نحياه حقيقيا وألى اي حد هو مزيف وخيالي.

ما عشته مع يوسف ليس مجرد عاطفة قوية وإدمان يومي بل كان بمثابة استعادة مفهوم الوطن... كنت وكأنني مت بالنسبة الى ابي و امي. لكن يوسف وخلال السبعة عشر شهرا تقريبا التي استمرت خلالها علاقتنا الافتراضية اعاد لي مفهوم الوطن... خلال سبعة عشر شهرا ردم يوسف هوة العشرين سنة من الانفصال عن الوطن." صارت تعرف عن كل نواحي الحياة "كأنني في دورة تدريبية للتعرف الى سورية بعد عشرين عاما من رحيلي... احسست وكأنني احتضن كل سورية بين ذراعي."
من خلال اصرارها على الاطلاع على حال السوريين تقول مستنجدة برواية زوربا اليوناني للكاتب نيكوس كازانتزاكي "السوريون يرقصون رقصة الموت الزورباوية.. يدفنون الموتى ويخرجون الى الساحات للرقص.. يعقدون الدبكات ويرقصون ثم يسقطون جثثا هامدة."
كانت تقول ليوسف انها ضد عسكرة الثورة. "لا لعسكرة الثورة... انا ضد كل ما هو تسليح وعسكرة وعنف. العنف يجلب العنف وتسليح الثورة يعني ان يقتل السوري اخاه السوري." وكان هو يسخر مما يسميه مثالياتها.
وأخيرا قررت ان تعود الى سوريا في اجازة لمدة اسبوع لتطلع فيها على الامور على الارض. وفي دمشق كادت تتجه الى فندق الا انها اتصلت بمنزل اهلها سائلة اذا كانت مرحبا بها فقوبلت بعاطفة جياشة اختلط فيها الحزن بالفرح.
ابوها لم يكن يشاطرها افكارها وقال وهو هنا يمثل الرأي الاخر المضاد للثورة انه لا يسمي الثورة ثورة بل "فوضى.. جنون.. احتجاجات غير واضحة الاهداف" مبديا تخوفه مما قد تجلبه معها من تشدد إسلامي.
يضيف الأب "انت بالذات ريما يجب ان تستحي من هذا الكلام. انت جالسة هناك بعيدة تسمعين كلام الغرب عن حقوق الانسان ولا تعرفين حقيقة ما يحصل هنا." وتوتر الجو بينها وبين ابيها الى ان تدخلت الام فخففت من حدته.
وقال انه لا يدافع عن النظام لكن "بين الاستبداد السياسي الذي نحياه والاستبداد الديني الذي سيعيدنا الى القرون الوسطى ويجردنا من بعض ما حصلنا عليه في ظل انظمة ديكتاتورية لنقع في فخ ديكتاتورية اكثر ارهابا فأنا افضل الديكتاتور الحالي." خالفته الرأي لكنها احست بأنها تحبه.
اجتمعت الى اصدقاء ومعارف وإلى شبان وشابات من الناشطين في العمل السياسي من مختلف الطوائف وجلهم من خصوم النظام الحاكم. دافعت يسرى عن الثورة وعن السلفيين وحملت على من اسمتهم "شبيحة" النظام وقالت ان قوات النظام تقتل الناس الابرياء.
قالت لريما "اما عن سؤالك عن حقوقي كامرأة في ظل خلافة اسلامية قادمة فأنا لست خائفة. اولا لا اعتقد ان مجتمعنا السوري مهيأ ليكون اسلاميا متطرفا. المرأة السورية شريكة في التظاهرات ولها دورها الان وغدا في صناعة المشهد السياسي."
اما فؤاد فقال ان الاجواء تشبه اجواء محاكم التفتيش في القرون الوسطى "ما تشهده الان هذه الحقبة المكارثية (نسبة الى اليميني المتشدد السناتور الامريكي جوزيف مكارثي) محاكم التفتيش لا على الافكار فقط بل حتى على النوايا." واضاف ان القتل ليس وقفا على النظام فقط متهما المعارضين أيضا به. "انا مؤمن بأن ثمة اطرافا في المعارضة مارست القتل ايضا لا عبر قتل الموالين فقط بل عبر قتل المعارضة لنسب القتل الى النظام."
تتصل بيوسف ويتواعدان على اللقاء. كانت هناك تظاهرة كبيرة ضد النظام. اتصلت به تليفونيا ورأته ولوح كل منهما للاخر واتجها الى الالتقاء.
هنا تقول اخر كلماتها "اقفلت الخط ورفعت يدي بالهاتف ألوح له. رأيت يوسف للمرة الاولى في حياتي... ها هو يقترب مني... وفجأة شعرت بسائل ساخن يخرج من رأسي. رأيت يوسف يقطع الشارع نحوي... لكنني هويت قبل ان يصل."
(إعداد جورج جحا للنشرة العربية - تحرير أمل أبو السعود)
من جورج جحا