مها حسن تطرح سؤالاً شائكاً حول الهوية
الجمعة, 21 يناير 2011
إبراهيم فرغلي
Related Nodes:
200104b.jpg
عندما انتهيت من قراءة «حبل سري» للروائية السورية مها حسن، الصادرة عن دار رياض الريس، كنت مفتوناً بالرواية حتى أنني تمنيت، في لحظة افتتاني تلك، التوجه الى مقبرة روائي عظيم مثل دوستويفسكي، وإهداء روحه نسخة من هذا النص.
مبالغة؟ ربما، لكنها في نظري ليست كذلك، فاليوم تشيع مقولات غير دقيقة عن أن الذوق الفردي يحكم قراءة الأعمال الأدبية، وهي مقولة تستحق وقفات عدة، لما تحمل من مغالطات، ليس هنا موضوعها في أي حال.
بين فرنسا والشام تدور وقائع رواية «حبل سُرّي» للروائية السورية مها حسن، جغرافياً، لكنها تتوزع فنياً على مساحة شاسعة من الشخوص، والنماذج البشرية، المرسومة بعناية، لتولد الأفكار التي تنبثق، عبر سلوكيات هؤلاء البشر، وبحثهم عن الهوية ومعنى الوجود.
رحلة فنية ممتعة تصحبنا فيها هذه الرواية، عبر أطراف عدة، تذكرنا بدوستويفسكي في ابتداع بنى رواياته من نماذج وش خصيات عدة؛ تتعدد مشاربهم، ومسارات حياتهم، لكنهم يتقاطعون بصدف وأقدار فنية، تتوزع على امتداد العمل بمهارة، وبطريقة غير مباشرة. وبينما نتأمل تفاصيل سلوكيات هؤلاء الأفراد، ونستمع إلى حواراتهم، وننصت الى أصواتهم الباطنية وهواجسهم ومخاوفهم، تتولد لدينا افكار تتناسل على امتداد الرواية.
وعلى رغم التنوع الكبير بين شخصيات الرواية، فرنسيين أو أكراداً، حلبيين أو فرنسيين من أصل عربي أو كردي، وسواهم، فإن كل شخصية تمتلك السمات والصفات التي تعكس صدقها الفني، من جهة، كما تعكس مدى دقة الكاتبة وعنايتها بالتفاصيل، وعكوفها على البحث في تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات في ما تأكله من أطعمة، وترتديه من أزياء، وما تسمعه من موسيقى، وما تفكر فيه. وكيف ينعكس كل ذلك على سلوكها في الحياة أو بالأحرى كيف يعكس ذلك نمط حياتها.
ثمة معادلة صعبة حققتها الكاتبة في هذا النص عبر امتلاكها لغة رشيقة واضحة يتدفق بها النص، مغوياً القراء، لكن هذه اللغة ذاتها، في تدفقها او انسيابها الذي يعطي إحساساً أكيداً بالسلاسة والانسيابية، وخادعاً بالبساطة، تمنح القارئ موجات من الأفكار العميقة والأسئلة التي تتسرب الى وعيه تارة، أو تلطمه بقسوة تارة أخرى، مع لمسات درامية مشحونة بالعاطفة تتوغل عميقاً في وجدان القارئ، تعكس خبرة الكاتبة السردية التي لا تخطئها العين.
يتنقل النص بين ثقافتين هما الثقافة الغربية عبر الشخصيات التي تعيش في باريس، وبين الشرق ممثلاً في الشخصيات التي تعيش في حلب في سورية، وفي هذا التنقل يطرح سؤال جوهري عن الهوية، ما معناها؟ وما مكونها الحقيقي؟ هل تتكون الهوية مما تشكله ذاكرة زمن محدد، أو مكان، أم من اللغة، أم من وطن مرجعي بعاداته وتراثه؟
تقول صوفي بيران بطلة الرواية: «إن الثابت في حياتي هو الترحال. لا أعرف طعم الاستقرار، لا من الداخل ولا من الخارج. اشعر بقوة دفع داخلي، شيء يقول لي هيا تحركي، وكأن ثباتي أو استقراري أو ارتباطي بحالة أو مكان أو شخص أو علاقة هو خيانة ما ولا أدري خيانة لمن».
صوفي بيران الفرنسية، إقامة وزواجاً ولغة، هي في الأساس، كردية اسمها حنيفة كمال، قررت بعد خيبات عدة، بينها قرار الأب، رضوخاً لأمه وشقيقاته، أن يتخلى عنها هي وأمها الكردية ليعيش مع زوجته الأخرى، العربية، وابنتها شيرين (التي تتنازعها وحنيفة علاقة حب وكراهية مدهشة ومتناقضة) وشقيقهما إدريس... قررت أن تخرج وبقوة غضب داخلي لا تخبو نيرانه، من بلدها وتهاجر إلى فرنسا. غيّرت اسمها ولغتها، وعاشت لا تقوى على المكوث في مكان. تقود سيارتها، بسرعة جنونية، من بلدة الى اخرى، ومن شارع الى آخر بلا هدف، تستمع الى الموسيقى وتبكي، وتسأل نفسها عن هويتها.
ومع شخص لا تحبه، وفي لحظة من لحظات حمى الحياة، كانت تهذي بخواطرها عن الهوية، تتفجر الأسئلة التي تؤرق وجودها كله حول معنى هويتها، فيما يقول لها العشيق: «كفّي عن بحثك عن الوطن، الوطن هو أنت، أنظريني، ها أنا فرنسي، ماذا تعني لي فرنسا؟ لا شيء المهم هو أنا وليس الأرض، الوطن هو الانسان، أما الارض فهي مجرد شيء، مكان، ظرف وظيفته تقديمنا. وها انت اخيراً موجودة سواء وجدت كردستان ام لا. كردستان هي انت».
تتوالى أسئلة صوفي عن الوطن، أن يكون للفرد مكان أمر يختلف تماماً عن أن يكون له مكان يقرر هو أنه لا ينتمي اليه إن شاء، أمر مختلف، وأن يكون للفرد مكان يُنتزع منه، كما هو شأن الفلسطينيين، مقابل ألا يكون له مكان ينتزع منه، كأنه يولد مستلب الهوية من الأساس، وما يؤدي إليه ذلك من شعور بأنه بلا شرعية.
إنها الأسئلة الإنسانية التي تخلقها هذه الرواية، وليست الأفكار السياسية، فهي رواية بعيدة كل البعد عن السياسة، وأوهامها وآثامها.
من هذا الشخص، الذي كان ابعد ما يكون عن نموذج الرجل كما تحب، وخصوصاً أبعد ما يكون عن زوجها الفرنسي المتوازن، تنجب صوفي طفلة تحمل ملامحها الجميلة ذاتها، وبزرقة العينين نفسها أيضاً، ثم، ووفقاً لقدر متعثر، تتركها للعالم، يتيمة، وحيدة، بعد ميتة متوقعة لامرأة تقضي ثلثي حياتها على الطرق تقود سيارتها بسرعة قصوى، لكنها لم تكن تقود سيارتها في ذلك الحادث المذهل، بل دراجة نارية تخص زوجها آلان، الكاتب الفرنسي، المتحفظ في مشاعره، الذي يكتب رواية عن صوفي، ويرعى ابنتها في الوقت نفسه، بل ويعاملها كابنته مقدماً نموذجاً فريداً للفرد الليبرالي المتحرر في اكثر صوره إنسانيةً.
وتستكمل ابنتها (باولا) رحلة الأم في البحث عن هويتها، في عالم غربي تنتمي إليه ذهناً وعاطفة ونمط حياة. لكن سيرة أمها تغويها للبحث عن حقيقتها، وبالتالي لتعيد طرح السؤال عن هويتها. لكنها لا تكتفي بالسؤال، بل تتورط في البحث بنفسها عائدة إلى جذور أمها بعد مفارقة مدهشة تجعلها تلتقي بصدفة مذهلة مع جدتها حنيفة، عمة صوفي (أو حنيفة كما عرفت في طفولتها) في باريس. وهذا ما يجعلها تقرر زيارة سورية للتعرف على المجتمع الشرقي ممثلاً في الشام، وفي جذور أمها الثقافية؛ كما يجسدها المجتمع الكردي الذي يعيش في حلب عبر عناصر عدة متنوعة من أفراد ينتمون الى عائلة الأم وقد كبروا وتحولوا، وفق ظروف الحياة وما فعلته بكل منهم، وكل يعبّر عن التغيرات التي لحقت بالمجتمع. وأظنها كانت تحتاج الى رسم توضيحي لشجرة العائلة في بداية الكتاب من فرط تشعبها.
بل إنها تفتتن بمجتمع الشرق، وتقرر الزواج من أحد أصدقاء اطراف العائلة، بعد تأملٍ في حاله وظروفه المختلفة، وتتعرّف على التناقضات التي يمور بها هذا المجتمع الشرقي. هذه التناقضات ستجد فيها غواية ما في البداية، ثم سرعان ما تصبح عبئاً لا تحتمله، حين تقرر العيش في قلب تلك المتناقضات وتكتوي بنيرانها، فتصل إلى ذروة صراعها الفكري والوجودي حول مفهوم الهوية فترى أن الإنسان في النهاية لا يمكن أن يمتلك هوية واحدة وحيدة في مجتمع اليوم المابعد الحداثي. فهو يتعين عليه أن يحمل أكثر من هوية، أو مكوناً من هويات عدة، يسير بها جميعاً بلا تعارض. وهذا ما سنرى ومضات تفسيرية له من حياة اشخاص أُخر، وبينهم احد عشاقها الذين يجدون في فرديتهم هذا التنوع الفريد للهوية.
في رحلة البحث عن الهوية تلك يتكشف لباولا أن هناك «حبلاً سرياً» يربط مصيرها بمصير أمها، وينعكس على مفهومها للهوية في شكل ما. وهذا مستوى من مستوى الدلالات الذي يحمله عنوان هذه الرواية، بينما يحمل مستوى آخر من الدلالات التي قد تجعلنا ننطق كلمة سُري، بكسر السين، ونعيد التأمل في مصائر كل تلك الشخصيات التي رغم تقاطعات حياتها ومصائرها، فإن لكل منها سراً قد لا يعرفه غيره، يعيش ويموت به.
عالم الأسرار في هذه الرواية هو عالم يبدو كأنه سمة أساسية للفرد، أياً كانت ثقافته، إن كان متحفظاً عاجزاً عن التعبير عن مشاعره مثل آلان، أو متحرراً من كل قيود المجتمع مثل العشيق الذي تحرك نوازعه عقد علاقـته بأمه وأبيه، أو شرقياً محافظاً كما الكـثيـر من افراد العائلة، أو متناقضاً كما بعض المثقفين الشرقيين الذين تقدمهم الرواية، وهم كثر، أو مثل باولا نفسها التي تخفي سر حملها وإجهاضها عن والدها الروحي، آلان، وتواجه تجربتها وإجهاضها بنفسها.
وعالم الأسرار هذا عادة ما نجده في النص مقترناً بموضوع ميتافيزيقي يتعلق بالمصير، وقراءة الطالع، والنجوم، وكأن الأسرار، هي مصائر مقدرة سلفاً، قد تؤثر في مسارات حياة الأفراد، أو هي مجرد احتمالات لحيوات لا تكتمل. وقد تكون دلالة وعلامة لدى الفرد، يختلقها الوعي من فرط اهتمامه بسؤال من أسئلة وجوده، وفيها يجد جواباً رمزياً ما عن واحد من أسئلته. وأظن أن هذه المنطقة، التي تبدو أساسية في مصائر أشخاص هذا النص، لها علاقة كبيرة حتى بالالتباس الذي يتولد في السطور الأخيرة من الرواية حين نتوقف أمام احتمالات عدة تقصدها الرواية عما إذا كان ما قرأناه كله رواية الكاتب الفرنسي آلان بيران «الرغبة الأخيرة لصوفي بيران»، أم أحد احتمالات النص. خصوصاً ونحن نرى في الفصل الأول صورة غلاف الرواية في مقعد سيارة صوفي وهي تقرأها كأنها تقرأ فيها مصيرها.
في هذه المنطقة الخاصة، منطقة الأسرار، تستعرض مها حسن قدراتها الفنية في إظهار حساسيتها في فهم التغيرات السلوكية البشرية في لحظات التحول.
samedi 16 avril 2011
حبل سري” للسورية مها حسن: رواية مفتوحة على النزق.. والأحزان
عناية جابر
عن «دار الكوكب» ريــاض الريس للكتب والنشر، صدرت رواية الكاتبة السورية المقيمة في باريس مها حسن تحت عنوان «حبل سري» تتمهل فيها الكاتبة في سرد حياة باريسية، فرنسية على وجه الخصوص، مكثفة لشخصيات تتنوع نوازعها العاطفية، والمادية، جذرها عنوان الرواية الموفق «حبل سري» الذي يربط كل منها ببيئته ونشأته في تباينات شعورية تشوبها الرقة والقسوة بحسب الكشف الذي برعت الكاتـبة في الاعتناء السردي به.
الخطوط الروائية المتشعبة لرواية «حبل سري» مرتبــطة بتكــنيك السرد الروائي، لكن ترتبط أكثر بموضوعها العــام: شياطين الحـنين الى الانتماء التي تستحوذ على بطلة الرواية الآتية الى باريس بموروثها العربي ـ الكردي المتــسلط، لجهة تسلــّط العائــلة (ذكــورها على الإناث) تعطي الروايــة كــكل وحدة داخلية هي الأبرز في التحام الســرد ونكهته، وفي تأمل حياة أبــطال «حبل سري» كل من بيئـته وثقافته المختلفتين.
ما فعلته حسن في روايتــها، هو تأليفها من منطقة غير كلاسيــكية تأخذ معها الروائية بتـطوير موضوعاتها التي تتحقق بثبات داخل ومع القصة في آن. ثمة ما يشّد مها حسن الى هجر روايتها في بعض المواقع، لتبيان بعض الثوابت عندها في الانتصار للمرأة، او للإنسان بشكل عام ولحقوقه المشروعة، ويظهر هذا الكشف في مواضع عديدة ما يضعف قليلاً قوة السرد، وتلقائيته، كمن يستنطق عامداً شيئا سبق استنطاقه وتعريفه، فيما في مواضع اخرى تبرع حسن في صهر الحلم بالواقع على سجية شاعرة تعرف تماماً ماهية الحب في شقه العاطفي والجسدي.
سرد رشيق
صوفي بيران، بحقيبة ظهر صغيرة، تنتقل بها من مدينــة لاخــرى، وترافقها مع محتوياتها ذاتــها في جميع الفنادق. صـوفي الباحثة في رواية آلان بيران عن مصيرها الذي تجهله، تأخذنا معها في سرد الكاتبة الرشيق الى دواخل ورغبات مفاجئة وحزن مباغت، وتلعب على هوسها بالقيادة السريعة المتأصل فيها، كحالة انتقام من الثبات، او حالة سخرية من عالم آلان بيران نفسه، الذي تحمل اسمه. حقيبة هي مجرد حجة، لحمل مجموعة من نوازع صوفي، ومن رغباتها وتأملاتها، ومع ذلك فهذه الحقيبة تشكل مدخلاً الى عالمها، وضرورة لإعطاء السرد حس الرواية المفتوحة على النزق، والحزن.
فرنسيان وسوريات. فرنسيون وسوريـون وأكـراد أشــخاص روايـة مهـا حســن، نجد فــيها عرضــاً لأفكار الكاتبة التي تتركهم الى مصائرهم من دون كثــير تدخل، تتركهـم لوجودهم الــحر، ولكل صخرته التي تسحقه ويتلوى تحت ثقلها.
مـن الســطر الاول في الــرواية، تتعــمد الكاتبة تحــميل لغــتها نغـمة مرحة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتـسائلة وإن تضـعف على ما ذكرنا، حـين تكون حكــمية او مبـاشـرة تشـير بأصــابع الاتــهام الى «دونية» المرأة العــربية في مجتمعاتنا، في إدانة واضحة، مترابطة مع أفكار الكاتبة وحقيقة المسألة المشار إليها. المرأة العربية في حياتها في باريس او سواها، تبقى استمراراً لحياة أمها، كقدر لا مفر منه لان جوهر حريتها الحقيقية متجذر في مواضيع اخرى، ما يجعل حياتها أقل حياة، ومقتصرة على التأمل الشعري في الوجود، ما يستدعي بعض التفسيرات الاجتماعية والتاريخية لمجتمعاتنا المتخلفة، من دون تحديد حياة الشخصيات في مجال زمني معيّن.
تفسّخ
أغلب شخصــيات روايـة «حبل سري» كما لو هي في قفــص، وعليــها ان تجـد طريـقة للخــروج منـه، تناسب الاختفاء التدريجي لمفهوم التفسخ الذي يعيــشه الإنــسان العربي والغربي في آن، التفـسخ الروحي والاستــلاب المــادي الذي يعبث الآن بكــل شيء، ويقذف بالإنسان الى شواطئ مجهــولة، من دون إمكانية «الحب» الذي يبقى حاجة اولى وملاذاً، وغالياً أكثر من الأوطان نفسها.
نستطيع ان نتبـين في رواية مها حسن، المهارة في سرد الطبيعة العلائقية بين كائنين، ســواء في الحب او في الصــداقة او النــبوة والأخــوة. كل علاقــة عندها تتــوفر علـى كمية من الإشارات تسيّرها حركة ذكية وعارفة للدواخل البــشرية، المفتوحة على كل الاحتمالات التي تـذكي حيويتها. كثافة متساوية في كل المشاهد، خصوصاً مواصفات الحب الذي تذهب فيه الكــاتبة حتــى منتهـاه، غــير متحرجــة من أي توصيف يرفع في الضغط الانفعالي للمشهد حتى لو أتى جريئاً. مهمة الكاتبة في المواضع التي ذكرنا هي إيجاد ألفاظ صـادقة، جديدة أكثر كثافة وتضجراً من المشـهد نفـسه، والأمر برأيي، هو حاجة الكاتبة قبل كل شيء، التي تحتاج الى الفن في التعبير، فيكون الانتشاء بصياغة الكلمات أكثر من الانتشاء من المشهد نفسه. رواية ضخمة لمها حسن تستحق التأمل والمتابعة.
السفير
عن «دار الكوكب» ريــاض الريس للكتب والنشر، صدرت رواية الكاتبة السورية المقيمة في باريس مها حسن تحت عنوان «حبل سري» تتمهل فيها الكاتبة في سرد حياة باريسية، فرنسية على وجه الخصوص، مكثفة لشخصيات تتنوع نوازعها العاطفية، والمادية، جذرها عنوان الرواية الموفق «حبل سري» الذي يربط كل منها ببيئته ونشأته في تباينات شعورية تشوبها الرقة والقسوة بحسب الكشف الذي برعت الكاتـبة في الاعتناء السردي به.
الخطوط الروائية المتشعبة لرواية «حبل سري» مرتبــطة بتكــنيك السرد الروائي، لكن ترتبط أكثر بموضوعها العــام: شياطين الحـنين الى الانتماء التي تستحوذ على بطلة الرواية الآتية الى باريس بموروثها العربي ـ الكردي المتــسلط، لجهة تسلــّط العائــلة (ذكــورها على الإناث) تعطي الروايــة كــكل وحدة داخلية هي الأبرز في التحام الســرد ونكهته، وفي تأمل حياة أبــطال «حبل سري» كل من بيئـته وثقافته المختلفتين.
ما فعلته حسن في روايتــها، هو تأليفها من منطقة غير كلاسيــكية تأخذ معها الروائية بتـطوير موضوعاتها التي تتحقق بثبات داخل ومع القصة في آن. ثمة ما يشّد مها حسن الى هجر روايتها في بعض المواقع، لتبيان بعض الثوابت عندها في الانتصار للمرأة، او للإنسان بشكل عام ولحقوقه المشروعة، ويظهر هذا الكشف في مواضع عديدة ما يضعف قليلاً قوة السرد، وتلقائيته، كمن يستنطق عامداً شيئا سبق استنطاقه وتعريفه، فيما في مواضع اخرى تبرع حسن في صهر الحلم بالواقع على سجية شاعرة تعرف تماماً ماهية الحب في شقه العاطفي والجسدي.
سرد رشيق
صوفي بيران، بحقيبة ظهر صغيرة، تنتقل بها من مدينــة لاخــرى، وترافقها مع محتوياتها ذاتــها في جميع الفنادق. صـوفي الباحثة في رواية آلان بيران عن مصيرها الذي تجهله، تأخذنا معها في سرد الكاتبة الرشيق الى دواخل ورغبات مفاجئة وحزن مباغت، وتلعب على هوسها بالقيادة السريعة المتأصل فيها، كحالة انتقام من الثبات، او حالة سخرية من عالم آلان بيران نفسه، الذي تحمل اسمه. حقيبة هي مجرد حجة، لحمل مجموعة من نوازع صوفي، ومن رغباتها وتأملاتها، ومع ذلك فهذه الحقيبة تشكل مدخلاً الى عالمها، وضرورة لإعطاء السرد حس الرواية المفتوحة على النزق، والحزن.
فرنسيان وسوريات. فرنسيون وسوريـون وأكـراد أشــخاص روايـة مهـا حســن، نجد فــيها عرضــاً لأفكار الكاتبة التي تتركهم الى مصائرهم من دون كثــير تدخل، تتركهـم لوجودهم الــحر، ولكل صخرته التي تسحقه ويتلوى تحت ثقلها.
مـن الســطر الاول في الــرواية، تتعــمد الكاتبة تحــميل لغــتها نغـمة مرحة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتـسائلة وإن تضـعف على ما ذكرنا، حـين تكون حكــمية او مبـاشـرة تشـير بأصــابع الاتــهام الى «دونية» المرأة العــربية في مجتمعاتنا، في إدانة واضحة، مترابطة مع أفكار الكاتبة وحقيقة المسألة المشار إليها. المرأة العربية في حياتها في باريس او سواها، تبقى استمراراً لحياة أمها، كقدر لا مفر منه لان جوهر حريتها الحقيقية متجذر في مواضيع اخرى، ما يجعل حياتها أقل حياة، ومقتصرة على التأمل الشعري في الوجود، ما يستدعي بعض التفسيرات الاجتماعية والتاريخية لمجتمعاتنا المتخلفة، من دون تحديد حياة الشخصيات في مجال زمني معيّن.
تفسّخ
أغلب شخصــيات روايـة «حبل سري» كما لو هي في قفــص، وعليــها ان تجـد طريـقة للخــروج منـه، تناسب الاختفاء التدريجي لمفهوم التفسخ الذي يعيــشه الإنــسان العربي والغربي في آن، التفـسخ الروحي والاستــلاب المــادي الذي يعبث الآن بكــل شيء، ويقذف بالإنسان الى شواطئ مجهــولة، من دون إمكانية «الحب» الذي يبقى حاجة اولى وملاذاً، وغالياً أكثر من الأوطان نفسها.
نستطيع ان نتبـين في رواية مها حسن، المهارة في سرد الطبيعة العلائقية بين كائنين، ســواء في الحب او في الصــداقة او النــبوة والأخــوة. كل علاقــة عندها تتــوفر علـى كمية من الإشارات تسيّرها حركة ذكية وعارفة للدواخل البــشرية، المفتوحة على كل الاحتمالات التي تـذكي حيويتها. كثافة متساوية في كل المشاهد، خصوصاً مواصفات الحب الذي تذهب فيه الكــاتبة حتــى منتهـاه، غــير متحرجــة من أي توصيف يرفع في الضغط الانفعالي للمشهد حتى لو أتى جريئاً. مهمة الكاتبة في المواضع التي ذكرنا هي إيجاد ألفاظ صـادقة، جديدة أكثر كثافة وتضجراً من المشـهد نفـسه، والأمر برأيي، هو حاجة الكاتبة قبل كل شيء، التي تحتاج الى الفن في التعبير، فيكون الانتشاء بصياغة الكلمات أكثر من الانتشاء من المشهد نفسه. رواية ضخمة لمها حسن تستحق التأمل والمتابعة.
السفير
"حبل سري" للكاتبة السورية مها حسن ... محاولة تجسير بين الشرق والغرب
الحوار المفترض المنشود بين الشرق والغرب، الصراع الحقيقي الدائر في قلب الشرق، ذاك الذي ينقله الشرقيون معهم أنّى حلّوا وارتحلوا،التناقض السافر الذي يعشّش في ذهنيات الكثيرين من أبناء الشرق
الجغرافيات المتصارعة، التاريخ المشكوك فيه جملة وتفصيلاً، الهويات المتقاتلة المتناحرة، الواقع البائس، المدن التي تلفظ أبناءها، الأبناء الذين يتعاركون على أبسط الأمور، الخلافات التي لا تنتهي، الهزائم الكبرى التي يُمنى بها الناس في قراراتهم، الانكسار المستولَد، اليأس المتفشّي، الاستبداد المتعاظم، الجنون الهالك القاهر، التهميش المدروس الممارَس، ومحاور أخرى كثيرة، تشتغل عليها الروائية السورية مها حسن في روايتها "حبل سرّي"، الصادرة عن "دار رياض الريّس، الكوكب". جملة من المحاور تتداخل في ما بينها، ناسجة شبكة علائقية واسعة ومتشعبة، منتقلة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لا بالمعنى الجغرافي فحسب، بل بالمعنى الحضاري والاجتماعي: من مدينة حلب السورية، حيث مرتع الطفولة، وملاعب الصبا، إلى باريس التي تغدو مسرح الأحداث، وحاضنة الشخصيات الهاربة من ذاتها وتاريخها وهزائمها، الباحثة عن أمان مفقود، عن وطن بديل، وعن موت مريح.
تهاجر حنيفة التي تغيّر اسمها إلى صوفي بيران، من حلب إلى باريس، بعد أن تنتكب مرّات عدة، حين يطلّق والدها أمّها، حين يتخلّى عنها أهلها، وحين تنكسر آمالها في الحصول على الأمان والحبّ والمأوى والوطن. بعد سلسلة من المآسي، تنتقل حنيفة من مدينة إلى أخرى، تُنتزَع من موطنها الذي كانت تشعر فيه بالانتماء والأمان، فتضطرّ لترك بيتها والعيش في بيت أهل والدتها، حيث تفقد الأمان والثقة بكلّ شيء، تفقد الانتماء، تعيش مغتربة مستلبة، فيتعاظم اغترابها واستلابها يوماً بيوم، يكبران معها، يرتحلان في داخلها، فتكاد تفشل في دراستها، لولا عنادها الذي يسمها، ويدفعها لترك البيت، والعيش مع عمّتها. يختار لها المحيطون بها فرعاً لا يلائم ميولها، فتترك كلّ شيء، وتهرب إلى اليونان، حيث أخوها غير الشقيق إدريس، ومن هناك تهرب وحيدة إلى باريس، تغيّر هويّتها واسمها، تنزع عنها لبوس اللاانتماء، تسعى جهدها للاندماج في المجتمع الباريسيّ، تترك ماضيها خلفها، تغدو مارقة في عرف أهلها وذويها في البلد، لا تلتحق بكلية الطبّ التي كان يفترض بها أن تدرس فيها، بل تفضّل البحث عن حياة جديدة، تثبت فيه أناها، التي تنقسم في معمعة البحث أنوات، كلّ واحدة منها تتشظّى وتنفجر، لتستولد شخصيات متعاركة في الداخل، تصدّر الضجيج إلى الخارج، عبر الموسيقى الصاخبة، وقيادة السيارة بطريقة مجنونة متهوّرة. تصادق شبّاناً فرنسيين، تعيش حياة منعتقة من كلّ القيود، تسافر كما يحلو لها، تمارس ما تشاء، تجعل من نفسها وجسدها حقل تجارب، تمارس سلوكيات تعويضية، تشذّ في بعض أفعالها، لكنها لا تفلح في الانسلاخ عن ذاتها وماضيها والشخصية التي تسكنها وتحرّكها وتدفعها إلى تصرّفات لا ترتضيها، لكنها تجد نفسها مرغمة على فعل ذلك، في محاولتها للتبرؤ ممّا يثقل كاهلها من وجع التيه، وجنون الضياع.
ترتبط صوفي بيران بعلاقة مع ألان، روائي فرنسي، تعيش معه في شقته أحياناً، وتمضي معظم أوقاتها في الترحال، كأنها تهرب من مواجهة ذاتها، فيكون الفرار سمة حياتها، ويربطها حبل سرّي بكل ما كان وسيكون، لا تستطيع قطع ذلك الحبل، لأنه يحتل الحيّز الأكبر من حياتها، يربطها ذاك الحبل بالأماكن التي هربت منها، وبأخرى تهرب إليها، يربطها بالمستقبل الضبابي، يشدّها إلى الماضي الكارثي، يأبى الانقطاع، يقوى بمرور الأيام.
حتى بعد أن تموت صوفي بيران في حادثة أليمة، تستكمل ابنتها الوحيدة، باولا، سيرتها الناقصة، كما ترث منها روايتها التي ينبغي لها أن تكمل كتابتها، كأنها تسدّ بذلك الفجوات التي ظلّت ناقصة من حياة أمّها التائهة، تحاول تجسير الهاويات بين الماضي الذي هربت منه صوفي والمستقبل الذي لم يسعفها، بين مدينتها المنغلقة حلب، وباريس التي لم تنجدها في العثور على ما ظلّت توسوس في البحث عنه. تعاني باولا قلق الانتماء نفسه، تستبطن شخصية قلقة ثائرة متمرّدة، تكون نتاج علاقة عابرة بين صوفي والشخص الذي كانت تكرهه، لكنها غرقت في علاقة مجنونة معه، وكانت النتيجة باولا التي حاولت تحقيق ما فشلت صوفي في تحقيقه. ترفض باولا الاعتراف بأبّوة لا تناسبها، تعتبر ألان والدها الحقيقيّ، تعيش في كنفه، ترتاح إليه، وهو بدوره يتركها على هواها، ولا يحاول التدخّل في قراراتها وحياتها. تقود المصادفة باولا للتعرّف إلى عمّة أمّها حنيفة، التي كانت تتداوى في باريس من مرض خبيث، شفيت بعد تعرّفها إلى باولا، وتحسّنت حالتها النفسية. تكون المصادفة المنطلقة من تكهّن عرّافة باريسية، هي المحرّك الرئيسي لكثير من الأحداث، ما كان يدفع باولا إلى الاستعانة بها بين الآونة والأخرى. تكون الفرصة مناسبة لباولا كي تكتشف ما ظلّ يؤرّق صوفي، فتقرّر خوض غمار مغامرة صعبة، وتنغمس في علاقة مع جوليان، قريبها البعيد. تسافر مع حنيفة إلى حلب، وهناك تطّلع على كثير من الخبايا، وتكتشف حجم المعاناة التي يعانيها الأكراد السوريون، في الموازاة مع غيرهم من المواطنين. تكتشف الكبت المتغلغل في النفوس والأجساد، التناقضات السافرة التي تغزو الوجوه والعقول، الحروب الوهمية التي تطحن البشر هناك، وتكتشف شرقاً بائساً تعيساً لا يمتّ إلى شرق "ألف ليلة وليلة"، وليالي الأنس، والشهوة المتأجّجة المستعرة، الذي كانت قد رسمته في مخيّلتها. يقابلها جدها وجدتها بالرفض واللامبالاة، تشفق على نفسها وعلى صوفي وعلى الجميع، كلّ واحد يحمل أساه ويضغط على جراحه. تتعرّف إلى حياة المدينة الحقيقية، تكون نظرتها ذات أبعاد مختلفة، فلا تكتفي بوجهة نظر واحدة، بل تستعرض مجموعة من وجهات النظر. لا تكتفي بالوقوف على التخوم، والتفرّج من بعيد، بل تدخل قلب الرعب، وتسرد كثيراً من القصص التي راح ضحيتها الأبرياء في خضمّ الانسياق وراء الأعراف القاتلة. تصوّر الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها، تحكي عن عالم مهمّش لا يملك الحقّ في التعبير عن أيّ شيء يخصّه، وتقدّم نماذج وعيّنات واقعية يتمّ التغاضي عن التصريح بها، وتروي الازدواجية التي تسكن الشرق، والسفور الذي يغلّفه. ترتبط باولا بقصة حبّ مع روني؛ ابن خالتها شيرين، تعود للزواج به بعد أشهر من سفرها إلى باريس، تحبل منه، تفشل بالاندماج في المجتمع الشرقي، الحلبي، فينتهي بها المطاف حائرة هاربة بحملها إلى باريس، مؤثرة الحرية على الحبّ والرواية والقرابة، فتضع هناك ابنتها إلزا في ظروف أفضل، في ظلّ حرية معيشة، لا في ظلّ نظام يسوده قانون الطوارئ، من السلطة والمجتمع سواء بسواء، وتسيّره الأحكام العرفية المكبّلة.
كأنما تدوّن الكاتبة رواية معارضة، محاكية، لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، وإن كانت تنسج على النول نفسه، ولكن عبر شخصيات نسائية، صوفي، باولا... صور لمصطفى سعيد. تنتقل كلّ منهما من حضن إلى آخر، تقيم الكثير من العلاقات العابرة، تغزو الغرب في عقر داره، تستعمر الآخر جسديّاً، تنتقم منه على ما اقترفه في حقّها وذويها وبلدها من تهميش وإقصاء واستعمار ردحاً من الزمن. تنتدب نفسها وارثة لعالم يسِمه قلق الانتماء إلى المكان، وإلى الأمان، تورث ابنتها القلق نفسه، تورثها العناد والتحرّر والروايات. تورثها التخبّط والأسطورة، بحيث تكون كلّ واحدة منهما الخيميائية التي تسعى الى مضاهاة سحر الخيميائيّ، بل والتفوّق عليه. تمارس الشخصيات شعائر الحياة الغربيّة، ولا تتناسى الجانب الشرقي المشرق فيها. وبرغم ذلك تكون تائهة بين شرق وغرب، مرتبطة بحبل سرّي إلى كلّ منهما. همزة وصل تحافظ على التوازن ما أمكنها، كي لا ينفلت الحبل فيودي بكلّ شيء تمّ ترتيبه بالتراكم.
نوّعت الكاتبة في طرائق العنونة، قسّمت روايتها ثلاثة فصول، عنونت كلّ فصل باسم شخصيّة: صوفي بيران، باولا بيران، إلزا بيران. اعتمدت في الفصلين الأوّل والثالث على ترقيم الفصول الفرعية بالأعداد بالترتيب، حوى الفصل الأوّل سبعة عشر فصلاً، في حين حوى الفصل الثالث خمسة وعشرين فصلاً، بينما اكتفت في الفصل الثاني بالعناوين الفرعيّة، كما أبقت بعضها من دون عنوان. اشتملت الرواية، كعادة الكاتبة في رواياتها السابقة "اللامتناهي - سيرة الآخر"، "لوحة الغلاف"، "تراتيل العدم"، على أزمنة متعددة متشعبة، وأجيال متوارثة الهموم والهواجس والوساوس، يتبدّى ذلك في التقسيم التسلسلي للشخصيات المتناسلة المتعاقبة، كما يتبدّى في أحداث الرواية. لكن الكاتبة في "حبل سرّي" تبدو متخفّفة من ثقل اللغة، ومن ضغط الجانب الفلسفي الذي كانت تغرق فيه رواياتها السابقة.
"حبل سرّي" رواية صادمة غنيّة بالتفاصيل الممتعة، والقضايا الشائكة المتشابكة، استشراق معاكس، واستغراب هجين، برعت الكاتبة في تحبيكها وربطها بحبال سرية متينة، قدّمت أزمنة متعدّدة، والكثير من الأمكنة المتناقضة، هنا وهناك، وما بينهما من نقاط التقاء وتضادّ. تسبر الكاتبة أغوار المجتمع الغربي، الباريسي نموذجاً، في الموازاة مع المجتمع الشرقي، السوريّ الحلبي، بكرده وعربه وموزاييكه المتنوّع نموذجاً مقابلاً، تربط بينهما بحبل سرّي، هو في جانب منه عبارة عن شخصيات صوفي، باولا، روني، حنيفة، جوليان، شيرين... إلخ، الكثير من الآمال والآلام معاً، في جانب آخر، التيه الذي يبقى فاعلاً ومستمرّاً. يبقى الشرق شرقاً والغرب غرباً، والحبل السرّي الذي يربط بينهما، الجسر الذي يربطهما، لا يستطيع دمجهما معاً، ولا ينفكّ عن أيّ منهما. يظلّ مشدوداً وموضع تجاذبات لا تنتهي.
هيثم حسين
النهار
الجغرافيات المتصارعة، التاريخ المشكوك فيه جملة وتفصيلاً، الهويات المتقاتلة المتناحرة، الواقع البائس، المدن التي تلفظ أبناءها، الأبناء الذين يتعاركون على أبسط الأمور، الخلافات التي لا تنتهي، الهزائم الكبرى التي يُمنى بها الناس في قراراتهم، الانكسار المستولَد، اليأس المتفشّي، الاستبداد المتعاظم، الجنون الهالك القاهر، التهميش المدروس الممارَس، ومحاور أخرى كثيرة، تشتغل عليها الروائية السورية مها حسن في روايتها "حبل سرّي"، الصادرة عن "دار رياض الريّس، الكوكب". جملة من المحاور تتداخل في ما بينها، ناسجة شبكة علائقية واسعة ومتشعبة، منتقلة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لا بالمعنى الجغرافي فحسب، بل بالمعنى الحضاري والاجتماعي: من مدينة حلب السورية، حيث مرتع الطفولة، وملاعب الصبا، إلى باريس التي تغدو مسرح الأحداث، وحاضنة الشخصيات الهاربة من ذاتها وتاريخها وهزائمها، الباحثة عن أمان مفقود، عن وطن بديل، وعن موت مريح.
تهاجر حنيفة التي تغيّر اسمها إلى صوفي بيران، من حلب إلى باريس، بعد أن تنتكب مرّات عدة، حين يطلّق والدها أمّها، حين يتخلّى عنها أهلها، وحين تنكسر آمالها في الحصول على الأمان والحبّ والمأوى والوطن. بعد سلسلة من المآسي، تنتقل حنيفة من مدينة إلى أخرى، تُنتزَع من موطنها الذي كانت تشعر فيه بالانتماء والأمان، فتضطرّ لترك بيتها والعيش في بيت أهل والدتها، حيث تفقد الأمان والثقة بكلّ شيء، تفقد الانتماء، تعيش مغتربة مستلبة، فيتعاظم اغترابها واستلابها يوماً بيوم، يكبران معها، يرتحلان في داخلها، فتكاد تفشل في دراستها، لولا عنادها الذي يسمها، ويدفعها لترك البيت، والعيش مع عمّتها. يختار لها المحيطون بها فرعاً لا يلائم ميولها، فتترك كلّ شيء، وتهرب إلى اليونان، حيث أخوها غير الشقيق إدريس، ومن هناك تهرب وحيدة إلى باريس، تغيّر هويّتها واسمها، تنزع عنها لبوس اللاانتماء، تسعى جهدها للاندماج في المجتمع الباريسيّ، تترك ماضيها خلفها، تغدو مارقة في عرف أهلها وذويها في البلد، لا تلتحق بكلية الطبّ التي كان يفترض بها أن تدرس فيها، بل تفضّل البحث عن حياة جديدة، تثبت فيه أناها، التي تنقسم في معمعة البحث أنوات، كلّ واحدة منها تتشظّى وتنفجر، لتستولد شخصيات متعاركة في الداخل، تصدّر الضجيج إلى الخارج، عبر الموسيقى الصاخبة، وقيادة السيارة بطريقة مجنونة متهوّرة. تصادق شبّاناً فرنسيين، تعيش حياة منعتقة من كلّ القيود، تسافر كما يحلو لها، تمارس ما تشاء، تجعل من نفسها وجسدها حقل تجارب، تمارس سلوكيات تعويضية، تشذّ في بعض أفعالها، لكنها لا تفلح في الانسلاخ عن ذاتها وماضيها والشخصية التي تسكنها وتحرّكها وتدفعها إلى تصرّفات لا ترتضيها، لكنها تجد نفسها مرغمة على فعل ذلك، في محاولتها للتبرؤ ممّا يثقل كاهلها من وجع التيه، وجنون الضياع.
ترتبط صوفي بيران بعلاقة مع ألان، روائي فرنسي، تعيش معه في شقته أحياناً، وتمضي معظم أوقاتها في الترحال، كأنها تهرب من مواجهة ذاتها، فيكون الفرار سمة حياتها، ويربطها حبل سرّي بكل ما كان وسيكون، لا تستطيع قطع ذلك الحبل، لأنه يحتل الحيّز الأكبر من حياتها، يربطها ذاك الحبل بالأماكن التي هربت منها، وبأخرى تهرب إليها، يربطها بالمستقبل الضبابي، يشدّها إلى الماضي الكارثي، يأبى الانقطاع، يقوى بمرور الأيام.
حتى بعد أن تموت صوفي بيران في حادثة أليمة، تستكمل ابنتها الوحيدة، باولا، سيرتها الناقصة، كما ترث منها روايتها التي ينبغي لها أن تكمل كتابتها، كأنها تسدّ بذلك الفجوات التي ظلّت ناقصة من حياة أمّها التائهة، تحاول تجسير الهاويات بين الماضي الذي هربت منه صوفي والمستقبل الذي لم يسعفها، بين مدينتها المنغلقة حلب، وباريس التي لم تنجدها في العثور على ما ظلّت توسوس في البحث عنه. تعاني باولا قلق الانتماء نفسه، تستبطن شخصية قلقة ثائرة متمرّدة، تكون نتاج علاقة عابرة بين صوفي والشخص الذي كانت تكرهه، لكنها غرقت في علاقة مجنونة معه، وكانت النتيجة باولا التي حاولت تحقيق ما فشلت صوفي في تحقيقه. ترفض باولا الاعتراف بأبّوة لا تناسبها، تعتبر ألان والدها الحقيقيّ، تعيش في كنفه، ترتاح إليه، وهو بدوره يتركها على هواها، ولا يحاول التدخّل في قراراتها وحياتها. تقود المصادفة باولا للتعرّف إلى عمّة أمّها حنيفة، التي كانت تتداوى في باريس من مرض خبيث، شفيت بعد تعرّفها إلى باولا، وتحسّنت حالتها النفسية. تكون المصادفة المنطلقة من تكهّن عرّافة باريسية، هي المحرّك الرئيسي لكثير من الأحداث، ما كان يدفع باولا إلى الاستعانة بها بين الآونة والأخرى. تكون الفرصة مناسبة لباولا كي تكتشف ما ظلّ يؤرّق صوفي، فتقرّر خوض غمار مغامرة صعبة، وتنغمس في علاقة مع جوليان، قريبها البعيد. تسافر مع حنيفة إلى حلب، وهناك تطّلع على كثير من الخبايا، وتكتشف حجم المعاناة التي يعانيها الأكراد السوريون، في الموازاة مع غيرهم من المواطنين. تكتشف الكبت المتغلغل في النفوس والأجساد، التناقضات السافرة التي تغزو الوجوه والعقول، الحروب الوهمية التي تطحن البشر هناك، وتكتشف شرقاً بائساً تعيساً لا يمتّ إلى شرق "ألف ليلة وليلة"، وليالي الأنس، والشهوة المتأجّجة المستعرة، الذي كانت قد رسمته في مخيّلتها. يقابلها جدها وجدتها بالرفض واللامبالاة، تشفق على نفسها وعلى صوفي وعلى الجميع، كلّ واحد يحمل أساه ويضغط على جراحه. تتعرّف إلى حياة المدينة الحقيقية، تكون نظرتها ذات أبعاد مختلفة، فلا تكتفي بوجهة نظر واحدة، بل تستعرض مجموعة من وجهات النظر. لا تكتفي بالوقوف على التخوم، والتفرّج من بعيد، بل تدخل قلب الرعب، وتسرد كثيراً من القصص التي راح ضحيتها الأبرياء في خضمّ الانسياق وراء الأعراف القاتلة. تصوّر الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها، تحكي عن عالم مهمّش لا يملك الحقّ في التعبير عن أيّ شيء يخصّه، وتقدّم نماذج وعيّنات واقعية يتمّ التغاضي عن التصريح بها، وتروي الازدواجية التي تسكن الشرق، والسفور الذي يغلّفه. ترتبط باولا بقصة حبّ مع روني؛ ابن خالتها شيرين، تعود للزواج به بعد أشهر من سفرها إلى باريس، تحبل منه، تفشل بالاندماج في المجتمع الشرقي، الحلبي، فينتهي بها المطاف حائرة هاربة بحملها إلى باريس، مؤثرة الحرية على الحبّ والرواية والقرابة، فتضع هناك ابنتها إلزا في ظروف أفضل، في ظلّ حرية معيشة، لا في ظلّ نظام يسوده قانون الطوارئ، من السلطة والمجتمع سواء بسواء، وتسيّره الأحكام العرفية المكبّلة.
كأنما تدوّن الكاتبة رواية معارضة، محاكية، لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، وإن كانت تنسج على النول نفسه، ولكن عبر شخصيات نسائية، صوفي، باولا... صور لمصطفى سعيد. تنتقل كلّ منهما من حضن إلى آخر، تقيم الكثير من العلاقات العابرة، تغزو الغرب في عقر داره، تستعمر الآخر جسديّاً، تنتقم منه على ما اقترفه في حقّها وذويها وبلدها من تهميش وإقصاء واستعمار ردحاً من الزمن. تنتدب نفسها وارثة لعالم يسِمه قلق الانتماء إلى المكان، وإلى الأمان، تورث ابنتها القلق نفسه، تورثها العناد والتحرّر والروايات. تورثها التخبّط والأسطورة، بحيث تكون كلّ واحدة منهما الخيميائية التي تسعى الى مضاهاة سحر الخيميائيّ، بل والتفوّق عليه. تمارس الشخصيات شعائر الحياة الغربيّة، ولا تتناسى الجانب الشرقي المشرق فيها. وبرغم ذلك تكون تائهة بين شرق وغرب، مرتبطة بحبل سرّي إلى كلّ منهما. همزة وصل تحافظ على التوازن ما أمكنها، كي لا ينفلت الحبل فيودي بكلّ شيء تمّ ترتيبه بالتراكم.
نوّعت الكاتبة في طرائق العنونة، قسّمت روايتها ثلاثة فصول، عنونت كلّ فصل باسم شخصيّة: صوفي بيران، باولا بيران، إلزا بيران. اعتمدت في الفصلين الأوّل والثالث على ترقيم الفصول الفرعية بالأعداد بالترتيب، حوى الفصل الأوّل سبعة عشر فصلاً، في حين حوى الفصل الثالث خمسة وعشرين فصلاً، بينما اكتفت في الفصل الثاني بالعناوين الفرعيّة، كما أبقت بعضها من دون عنوان. اشتملت الرواية، كعادة الكاتبة في رواياتها السابقة "اللامتناهي - سيرة الآخر"، "لوحة الغلاف"، "تراتيل العدم"، على أزمنة متعددة متشعبة، وأجيال متوارثة الهموم والهواجس والوساوس، يتبدّى ذلك في التقسيم التسلسلي للشخصيات المتناسلة المتعاقبة، كما يتبدّى في أحداث الرواية. لكن الكاتبة في "حبل سرّي" تبدو متخفّفة من ثقل اللغة، ومن ضغط الجانب الفلسفي الذي كانت تغرق فيه رواياتها السابقة.
"حبل سرّي" رواية صادمة غنيّة بالتفاصيل الممتعة، والقضايا الشائكة المتشابكة، استشراق معاكس، واستغراب هجين، برعت الكاتبة في تحبيكها وربطها بحبال سرية متينة، قدّمت أزمنة متعدّدة، والكثير من الأمكنة المتناقضة، هنا وهناك، وما بينهما من نقاط التقاء وتضادّ. تسبر الكاتبة أغوار المجتمع الغربي، الباريسي نموذجاً، في الموازاة مع المجتمع الشرقي، السوريّ الحلبي، بكرده وعربه وموزاييكه المتنوّع نموذجاً مقابلاً، تربط بينهما بحبل سرّي، هو في جانب منه عبارة عن شخصيات صوفي، باولا، روني، حنيفة، جوليان، شيرين... إلخ، الكثير من الآمال والآلام معاً، في جانب آخر، التيه الذي يبقى فاعلاً ومستمرّاً. يبقى الشرق شرقاً والغرب غرباً، والحبل السرّي الذي يربط بينهما، الجسر الذي يربطهما، لا يستطيع دمجهما معاً، ولا ينفكّ عن أيّ منهما. يظلّ مشدوداً وموضع تجاذبات لا تنتهي.
هيثم حسين
النهار
مها حسن... سؤال الهويّات المشتّتة
سعيد خطيبي
في زمن الثورات العربية وانتفاضة الشباب المدافع عن خيار الحرية وقيم الديموقراطية، تتراءى جلّ الأحلام ممكنة. تكبر فينا رغبة التغيير وقلب المفاهيم السائدة. لكننا ننسى، في لحظة من اللحظات، أن هناك أناساً «آخرين» مثلنا، يعيشون بعيداً في المنفى، غير قادرين على شمّ عبق الثورة التي تصنع يومياتنا. «آخرون» أرغمتهم آلة التعسف الرسمية على هجر طفولتهم وتمزيق ذكرياتهم. لهذا، قررت الروائية السوريّة مها حسن أن تمنحهم صوتها في رواية «حبل سرّي» (رياض الرّيس). يعرّف فولتير الوطن بالمكان الذي نجد فيه سعادتنا. تعريف يتفق بعض الشيء مع رؤية جان بول سارتر الذي يعتقد أنّ الوطن، مثل الشرف أو الحرية، مفاهيم يمكن تأسيسها أينما وجدنا، ولا تتصل برقعة جغرافية محدّدة. لكنّ مها حسن ترى العكس. شخصيات روايتها الأخيرة لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال التفكير في الوطن/ الأرض، والغوص في حلم العودة إليه يوماً ما.
ذلك ما نلاحظه مع تتبع تطوّر حياة البطلة حنيفة سليمان التي أحبّت السينما وهجرت شمال سوريا إلى فرنسا. هناك غيّرت اسمها إلى صوفي بيران، وشاءت الأقدار أن تجد نفسها وسط فضاء اجتماعي مستقرّ. لكنها تعيش قلقاً دائماً، مشوباً بالكثير من الخوف والارتياب. تصرخ مرّة، في وجه زوجها الروائي آلان: «أنتم شعوب لم تدركوا الاستعمار. كنتم مستعمرين لغيركم، لذلك فالشعور بالقوة والتفوق هو ما يملأكم، أما الانكسار والخوف، فهذا أمر لا تفهمه الشعوب المستبدة». رغم أنها عاشت سنوات طويلة في باريس، وأسست فيها صداقات حميمة، إلا أنّها تقرّ في النهاية: «أنا فرنسية نعم، بالأوراق، لكنني في العمق لست هكذا».
رغبة واحدة ظلّت تراود ذهن صوفي/ حنيفة طيلة حياتها: العودة إلى قريتها النائية في سوريا وملاقاة أهلها. لكنها ماتت في حادث سير، من دون بلوغ مرادها، فعهدت إلى ابنتها باولا مهمة تحقيق حلمها.
بعدما تجاوزت باولا العشرين، وشرعت بتجربتها الفنية في المسرح، زارت مسقط رأس والدتها. هناك، التقت بعض أفراد عائلة لا تعرفهم: شيرين، دلبرين، روزلين، إبراهيم، جدتها فريدة وجدها كمال. شعرت بفرح داخلي كونها حققت أمنية والدتها. لكنّها صدمت، في الوقت نفسه، بتنكر الجد والجدة لها، انتقاماً من الأم التي تمرّدت وهجرت قريتها وبلدها، معلنةً رفضها للمنطق الاجتماعي المنغلق، والبطريركية المطلقة. رواية «حبل سرّي» هي رحلة علاج الذات المنكسرة. سؤال الهوية المشتتة. لكنّ الرواية تحمل الكثير من الأسئلة الأخرى: «كيف يشعر الناس بالانتماء إلى المكان؟» تسأل صوفي أو حنيفة التي تتحدث دائماً «عن تلك الفجوة العميقة بداخلها، التجويف الذي يقطعها، يخترقها كوهاد شديدة الانحدار، تبعد تكويناتها الداخلية، وتشعرها دوماً بأنها خائفة، قلقة، غير متجذرة، مقطوعة».
يخيّم على الرواية شبح «خيميائي» باولو كويلو. تسافر البطلة عبر نقاط مختلفة، من جنوب فرنسا إلى شمالها، ومن أحياء حلب الشعبية إلى شوارع أمستردام الصاخبة. تحكي رغبات شخصيات عادية في عيش الممتع والممنوع. ترسم بورتريهات نساء يجسّدن اختلافهن بالتنازل عن بعض مظاهر أنوثتهن. رواية تنطلق من سذاجة حلم طفولة مسلوبة وتنتهي بفاجعة ومنفى.
في زمن الثورات العربية وانتفاضة الشباب المدافع عن خيار الحرية وقيم الديموقراطية، تتراءى جلّ الأحلام ممكنة. تكبر فينا رغبة التغيير وقلب المفاهيم السائدة. لكننا ننسى، في لحظة من اللحظات، أن هناك أناساً «آخرين» مثلنا، يعيشون بعيداً في المنفى، غير قادرين على شمّ عبق الثورة التي تصنع يومياتنا. «آخرون» أرغمتهم آلة التعسف الرسمية على هجر طفولتهم وتمزيق ذكرياتهم. لهذا، قررت الروائية السوريّة مها حسن أن تمنحهم صوتها في رواية «حبل سرّي» (رياض الرّيس). يعرّف فولتير الوطن بالمكان الذي نجد فيه سعادتنا. تعريف يتفق بعض الشيء مع رؤية جان بول سارتر الذي يعتقد أنّ الوطن، مثل الشرف أو الحرية، مفاهيم يمكن تأسيسها أينما وجدنا، ولا تتصل برقعة جغرافية محدّدة. لكنّ مها حسن ترى العكس. شخصيات روايتها الأخيرة لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال التفكير في الوطن/ الأرض، والغوص في حلم العودة إليه يوماً ما.
ذلك ما نلاحظه مع تتبع تطوّر حياة البطلة حنيفة سليمان التي أحبّت السينما وهجرت شمال سوريا إلى فرنسا. هناك غيّرت اسمها إلى صوفي بيران، وشاءت الأقدار أن تجد نفسها وسط فضاء اجتماعي مستقرّ. لكنها تعيش قلقاً دائماً، مشوباً بالكثير من الخوف والارتياب. تصرخ مرّة، في وجه زوجها الروائي آلان: «أنتم شعوب لم تدركوا الاستعمار. كنتم مستعمرين لغيركم، لذلك فالشعور بالقوة والتفوق هو ما يملأكم، أما الانكسار والخوف، فهذا أمر لا تفهمه الشعوب المستبدة». رغم أنها عاشت سنوات طويلة في باريس، وأسست فيها صداقات حميمة، إلا أنّها تقرّ في النهاية: «أنا فرنسية نعم، بالأوراق، لكنني في العمق لست هكذا».
رغبة واحدة ظلّت تراود ذهن صوفي/ حنيفة طيلة حياتها: العودة إلى قريتها النائية في سوريا وملاقاة أهلها. لكنها ماتت في حادث سير، من دون بلوغ مرادها، فعهدت إلى ابنتها باولا مهمة تحقيق حلمها.
بعدما تجاوزت باولا العشرين، وشرعت بتجربتها الفنية في المسرح، زارت مسقط رأس والدتها. هناك، التقت بعض أفراد عائلة لا تعرفهم: شيرين، دلبرين، روزلين، إبراهيم، جدتها فريدة وجدها كمال. شعرت بفرح داخلي كونها حققت أمنية والدتها. لكنّها صدمت، في الوقت نفسه، بتنكر الجد والجدة لها، انتقاماً من الأم التي تمرّدت وهجرت قريتها وبلدها، معلنةً رفضها للمنطق الاجتماعي المنغلق، والبطريركية المطلقة. رواية «حبل سرّي» هي رحلة علاج الذات المنكسرة. سؤال الهوية المشتتة. لكنّ الرواية تحمل الكثير من الأسئلة الأخرى: «كيف يشعر الناس بالانتماء إلى المكان؟» تسأل صوفي أو حنيفة التي تتحدث دائماً «عن تلك الفجوة العميقة بداخلها، التجويف الذي يقطعها، يخترقها كوهاد شديدة الانحدار، تبعد تكويناتها الداخلية، وتشعرها دوماً بأنها خائفة، قلقة، غير متجذرة، مقطوعة».
يخيّم على الرواية شبح «خيميائي» باولو كويلو. تسافر البطلة عبر نقاط مختلفة، من جنوب فرنسا إلى شمالها، ومن أحياء حلب الشعبية إلى شوارع أمستردام الصاخبة. تحكي رغبات شخصيات عادية في عيش الممتع والممنوع. ترسم بورتريهات نساء يجسّدن اختلافهن بالتنازل عن بعض مظاهر أنوثتهن. رواية تنطلق من سذاجة حلم طفولة مسلوبة وتنتهي بفاجعة ومنفى.
الروائية مها حسن في حوار لـ"الفجر الثقافي"
الكتابة عن الحب، الحرية، والجنس هي رهانات الكاتب
2010.12.26
alfadjr
الجوائز لم تعد تعطي قيمة للكتابة، ولكنها تلقي الضوء على الكتابات المهمّشة
على الرغم من خروج روايتها الموسومة بـ"حبل سري" من القائمة القصيرة لجائزة"بوكر الرواية العربية، في دورتها الرابعة لهذه السنة، إلا أن الروائية السورية ذات الأصل الكردي، مها حسن، استطاعت أن تجد نفسها مرة أخرى محط اهتمام العديد من الكتاب والنقاد العرب، بعد سلسلة من الإصدارات في عالم الرواية
خاصة بعد صدور روايتها الأخيرة التي أثارت الجدل الكثير فور صدورها ببيروت عن دار رياض نجيب الريس. وللحديث عن هذا العمل الذي تناولت فيه مها، تناقضات الحياة في سوريا وفرنسا، وهاجس الكتابة عموما، كانت لـ"الفجر" فرصة إجراء هذا اللقاء معها..
مرّة أخرى تعود الروائية السورية مها حسن، إلى القارئ بنص تصرّ فيه على الهروب من هويتها العربية، لتعيد كتابة سيرتها الذاتية من خلال أبطال الرواية. لماذا كل هذا الإصرار منك على العودة إلى الماضي؟
أنا لا أهرب من هويتي العربية، لأنني ببساطة لست عربية. أنا أفكر وأكتب باللغة العربية، إلا أنني جينيا، أنحدر من عائلة كردية. سؤال الهوية لا يزال يشكل هاجسا كبير لديّ، بتّ أميل إلى الاقتناع بأنه ليس أكثر من مسألة أوراق وترتيبات إدارية، أما الهوية من العمق، كإحساس بالأنا، فهي لا تنتمي إلى هذه التقسيمات الحادة. لم أعد أؤمن بمفهوم الهوية بمعناه الجغرافي أوالإقليمي، الهوية حالة فردية جدا، وبهذا التعريف، فهويتي هي أنا ككاتبة، هذا أكثر ما يناسبني ويتفق مع إحساسي بي وبكينونتي، أما الماضي، فهو لازمة متكررة في حياتي وحياة أبطالي، يكاد يكون حامل المفاتيح الأولية والشيفرات المركزية لكل تجليات الراهن التي غالبا ما تكون انعكاس لهذا الماضي.. لست ممن يمجد الماضي، ولكني لا أستطيع الخروج منه بسهولة، لأنه المسؤول الدائم عن راهني، أشعر بثقله اليومي، وكأنه مقيم بين كتفيّ، يراقب آنيتي، وفق دورين متناقضين، أولهما للاطمئنان على أني لن أغادره، والثاني رغبة منه في دفقي ودفعي نحو الخارج، تماما كالعلاقة بين الطفل والرحم، الماضي هو رحمي، خانق ربما، دافئ أيضا ، المسألة مركبة ويصعب فهمها ضمن معطيات واضحة ودقيقة.
ثمة إسقاطات عديدة لمفهوم الحب، الحرية، التواصل، الجنس، الأنا في عملك هذا، برأيك لماذا تراهن المرأة الكاتبة بشكل عام في نصوصها الأدبية على هذه المواضيع عكس ما نقرأه في أدب الآخر؟
لا أعتقد أن المواضيع التي تؤرقني تختلف عن تلك التي تؤرق زميلي الرجل. أنا لا أنتمي لدائرة الأدب النسوي، وهذا لا يعني أنني أدين هذه الكتابة. أنا أؤمن بالتنوع، ولكن قراءتي الأولية، وتأسيسي الذهني تم على أيدي "رجال"، إلا أن كل النماذج التي أسرتني في الفكر والرواية، هي نماذج للرجال ـ لا أحب استعمال لفظ ذكورية هنا ـ قد يكون الدافع الخفي لمقاربتي لأدب غير جنسوي، هو رفض بشكل ما للدور الدوني الذي يصنف داخله أدب المرأة. بطبيعتي أنا كائن رافض على الدوام، القلق الذي يسكنني يجعلني كائن خارج الجماعة وخارج التأطيرات، لدي هوس ربما بتقديم كتابة لا تقل عن كتابة الرجل، لأنني لم أشعر يوما بدونيتي أمام الرجل، على العكس، أعتقد أن المرأة كائن خلاق ومبتكر، ولكن الظروف التاريخية هي التي أضرت بهذا الكائن المبدع، انتقال المجتمعات من المرحلة الأمومية إلى الذكورية أضر بالطرفين، الرجال والنساء، لخدمة مصالح اقتصادية بالدرجة الأولى. لهذا فأنا أعتقد أن كتابتي عن الحب والحرية والتواصل والجنس، كما وردت في سؤالك، هي رهانات الكاتب، بغض النظر عن التاء المربوطة التي تحيل إلى جنسه.
من هذا المنطلق كيف ترين صورة المرأة المبدعة في أدبها؟
أنا ضد كل هذه التصنيفات والتقسيمات للأدب، سواء الجغرافية أو الجنسوية، أما إذا كان هدف السؤال هو تقييم المنتج الأدبي للمرأة الكاتبة، فإن هذا برأيي من اختصاص النقاد. لست على دراية بكل ما يصدر من إبداع روائي أو شعري أو حتى سينمائي، ولست مخولة للرد على هذا السؤال.
وصول روايتك الموسومة بـ"حبل سري" إلى القائمة الـ16 لجائزة "بوكر للرواية العربية"، في حدّ ذاتها يعد إنجازا بالنسبة إليك، خاصة إذا نظرنا إلى الأسماء الرائدة التي شاركت هذه السنة في المسابقة، أنت كيف تقيمين نصك بعد هذه التجربة؟
لم أفهم السؤال تماما، وهل عليّ أن أقيم نصي قبل وبعد القائمة؟ إن علاقتي مع كتابتي لا تتغير وفق هذه المعطيات، لا أنكر أن وصول روايتي إلى اللائحة الطويلة، أحدث حراكا خاصا بمسيرة روايتي، بمعنى أنها حققت بعض التواجد في الساحة الإعلامية، وسمع بي أشخاص لم يكونوا على دراية بتواجدي الأدبي. إن الجوائز لا تعطي قيمة للكتابة، ولكنها تلقي الضوء على بعض الكتابات المهمّشة مثلا، وأنا أعتقد أن ثمة أسباب كثيرة، أهمها افتقادي لموهبة العلاقات العامة، ساهمت في تهميش تجربتي، هذه روايتي الرابعة، وأنا بدأت النشر كروائية، لم أنشر القصة القصيرة إلا في المجلات والصحف، أي كتبي المنشورة هي الرواية، وهاجسي كان ولايزال حتى اللحظة هو الرواية. لم يأتِ اهتمامي بسبب اتجاه العالم اليوم إلى الرواية، بل أنا ابنة الرواية، فيها فقط أجدني، لهذا فإني لست مهووسة بمسألة الأسماء. حين فازت موللر بنوبل، لم يكن قد سمع عنها الكثيرون، أخاف دوما على نفسي من أن تغويني لذة الشهرة والضوء، لأن هذه أيضا حاجة نفسية لدى الكاتب، نحن لا نكتب من أجل أنفسنا، ثمة عقد خفي بين القارئ المجهول في ذهن الكاتب، والكاتب، علاقة فيها بعض الإلهام ، ولكن الضوء وهاجس الجوائز، فخ أحاول تجنبه.
ما رأيك في الأسماء التي تضمنتها القائمة القصيرة للجائزة هذه السنة؟
أنا لا أدخل في هذه التقييمات، لا أسمح لنفسي بهذا. كنت سعيدة بوجودي في اللائحة الطويلة، ولكني لست مستعدة لتقييم عمل اللجنة أو الأعمال الواصلة إلى اللائحة القصيرة، هذا الأمر لا يدخل ضمن اهتماماتي.
يتساءل القارئ لأعمالك عن السبب الحقيقي لاختيارك عنوان "حبل سري"، دون غيره من العناوين الأخرى التي توحي بما رغبت في إيصاله إليه؟
حبل سري، أو المشيمة كما احترت بين العنوانين، هو المفتاح الجوهري لأزمة بطلاتي، هذه العلاقة الخفية مع الرحم، والرحم هنا طبعا ليس الأم فقط، بل كل التأسيسات الأولى التي نمونا وترعرنا بداخلها، لا أحب شرح كتبي ولا عناوينها، ولكن الحبل السُري، بضم السين، هو الحامل الرئيسي، بما يشبه الجذر، للشخصية الروائية، أوالواقعية. من هنا أكرر ما قلته في حوار آخر، بأنني أفضل دوما التدليل على البلد الأول لأي شخص، باستبدال مصطلح "مسقط السرة" عن مسقط الرأس.. تروي لي أمي حكاية مهمة أثرت في مخيلتي، ربما يكون هذا الموروث الشعبي متواجدا في بدان عربية أخرى، وهو دفن سرة الوليد. حيث قامت أمي بدفن سرتي في مقاعد مدرسة كان خالي يتعلم فيها، ويُعتقد بأن مكان السرة، يحدد للطفل لاحقا، توجهه في الحياة.. كنت الولد الأول "باعتباري البكر" في العائلة الذي يذهب إلى المدرسة ويتابع تعليمه العالي حتى الجامعة، في عائلتي، أكاد، حتى اليوم، ومع نشوء أجيال لاحقة لجيلي، لاأزال البنت الوحيدة التي حصلت على تعليم جامعي، لا أزعم بأن "مخبأ السرة" هو السبب، إلا أن هذه اللعبة التي صدقتها أمي، ونقلتها لي، خلقت بداخلي توجها غير مقصود ـ لا أستعمل بتاتا لفظة لاوعي ـ نحو التعلم والكشف وخوض الجديد، أظن أن حبلنا السري يحمل الكثير من الإجابات، واللفظة بالعربية، هي الوحيدة التي تجمع بين السرة والسر.. بينما هو في الفرنسية والانجليزية أمر مختلف، أومبليكال كورد، لا علاقة له بالسر.
هل أفهم أن الحنين إلى الذاكرة الأولى يجعلك تستحضرين هذه الذاكرة في شخوص نصك، لتبدو الرواية وكأنها رحلة عودة إلى تلك الذاكرة، واعتراف منك على سلطة المكان الأول عليك، أم أن موضوع الروائية فرض نفسه بعفوية ما؟
أظن أنه ينبغي دوما التمييز بين السرد الذاتي والرواية، ورواية السرد الذاتي. لكل رواية محرض ما لانطلاقها من داخل الكاتب، ولكل قانونها الخاص بها. في تجربتي الكتابية فإن روايتي، بعد أن تؤسس بداياتها على الورق، تنطلق لتبحث عن مرجعياتها، الواقعية أو الإفتراضية. لهذا فإنني لا أميل إلى اعتبار روايتي بمثابة تصفية حساب شخصي، لا على صعيد الفرح ولا الحزن. يجب فصل العمل الفني عن صاحبه، أنا صارمة بهذا، ولا أقحم ذاكرتي الشخصية، إلا ضمن الحدود الفنية، فالكتابة ذاكرة أيضا، ولكن ثمة فارق بين الحشر القسري للذاكرة الشخصية، والتوظيف الفني لذكريات ما، تتسلل من خزاني، دون الكثير من القصدية.
سلطت الضوء في"حبل سري" على حقيقة الفرد العربي داخل المجتمع الغربي، من خلال صوفي الفرنسية، وحنيفة العربية، المختلفتين عن بعضهما البعض، ولكنك حاولت أن تتركي القارئ يكتشف الإنتماء الجغرافي والإيديولوجي الذي يجمع هاتين الشخصيتين. ترى ماذا أرادت مها أن تقول من خلال هذا النص؟
يا إلهي يا حياة، على القارئ التوصل إلى هذا الجواب، لست عرافته، ولن أقوده في طريق قراءتي، تعرفين أن القراءة دوما، هكذا أراها، نص متعدد الإحتمالات، لماذا أسجن القارئ داخل شرنقة شرحي.. لنترك لكل قارئ يذهب بتفسيراته وتأويلاته حيث يذهب، أنا واثقة ومؤمن بقارئ متفوق على الروائي.
نلت سنة 2005، جائزة هلمان - هامت الأمريكية التي تمنح للكتاب والصحفيين الذين واجهوا ويواجهون التضييق في بلادهم، ماذا أضافت هذه الجائزة لمسيرتك على الصعيدين الإبداعي والشخصي، خاصة أنك تعرضت إلى مضايقات عديدة في وطنك سوريا، وصل إلى منعك من نشر أعمالك؟
بصراحة، بات هذا السؤال يثقل علي لكثرة ما تردد أولا، حيث ومنذ خمس سنوات، منذ الحصول على الجائزة، وحتى اليوم، أضطر للجواب ذاته، إضافة إلى حجم الهجوم الذي تعرضت إليه من قبل الكثير من الأشخاص الذين يخلطون بين العمل الحقوقي من جهة والسياسي من جهة، وكذلك بين الحقوقي والسياسي من جهة والإبداعي..
حسنا سأجيب، هذه الجائزة كانت بمثابة تكريم لتجربتي كامرأة متحدرة من طبقة عادية، شقت طريقها في عالم الكتابة، حمّلها الإيديولوجيون المعارضون لي، أعباء وانتقادات ، أفسدت فرحي بها، بسبب أني لا أصرخ وأرفع شعارات، كوني كائن منشغل بالهم الإبداعي، دون إهمال الجانب الإنساني والحقوقي، ولكن دون تنظيرات وشعارات فارغة تساهم في تعميق الوهم الشعاراتي وتغريب الإنسان عن ذاته وإلحاقه بالشعارات.
على أي نص تشتغل مها حسن في هذه الفترة، والمعروف عنك أنك تحرصين على التواجد في المشهد الإبداعي في كل موسم؟
هذا ليس دقيقا، لست ابنة مواسم. لقد توقفت عن النشر بعد روايتي الثانية التي صدرت في عام 2002، لما يقارب سبع سنوات حتى نشرت روايتي الثالثة، والتي كنت قد أنهيتها منذ سنوات وتركتها إلى أن جاءت فرصتها للنشر. أتحدث عن ترتيل العدم، أما روايتي الأخيرة، فهي الأولى التي كتبتها في فرنسا. أنا مقيمة هنا منذ ست سنوات، وهذا عملي الأول، أي استغرق مني ما لا يقل من أربع سنوات من كتابة وتردد في النشر، النشر مغامرة لا أجرؤ على الدخول فيها دوما، لهذا فأنا لا أعرف بعد، وليس أمامي من خيار آني.
حاورتها:حياة.س
2010.12.26
alfadjr
الجوائز لم تعد تعطي قيمة للكتابة، ولكنها تلقي الضوء على الكتابات المهمّشة
على الرغم من خروج روايتها الموسومة بـ"حبل سري" من القائمة القصيرة لجائزة"بوكر الرواية العربية، في دورتها الرابعة لهذه السنة، إلا أن الروائية السورية ذات الأصل الكردي، مها حسن، استطاعت أن تجد نفسها مرة أخرى محط اهتمام العديد من الكتاب والنقاد العرب، بعد سلسلة من الإصدارات في عالم الرواية
خاصة بعد صدور روايتها الأخيرة التي أثارت الجدل الكثير فور صدورها ببيروت عن دار رياض نجيب الريس. وللحديث عن هذا العمل الذي تناولت فيه مها، تناقضات الحياة في سوريا وفرنسا، وهاجس الكتابة عموما، كانت لـ"الفجر" فرصة إجراء هذا اللقاء معها..
مرّة أخرى تعود الروائية السورية مها حسن، إلى القارئ بنص تصرّ فيه على الهروب من هويتها العربية، لتعيد كتابة سيرتها الذاتية من خلال أبطال الرواية. لماذا كل هذا الإصرار منك على العودة إلى الماضي؟
أنا لا أهرب من هويتي العربية، لأنني ببساطة لست عربية. أنا أفكر وأكتب باللغة العربية، إلا أنني جينيا، أنحدر من عائلة كردية. سؤال الهوية لا يزال يشكل هاجسا كبير لديّ، بتّ أميل إلى الاقتناع بأنه ليس أكثر من مسألة أوراق وترتيبات إدارية، أما الهوية من العمق، كإحساس بالأنا، فهي لا تنتمي إلى هذه التقسيمات الحادة. لم أعد أؤمن بمفهوم الهوية بمعناه الجغرافي أوالإقليمي، الهوية حالة فردية جدا، وبهذا التعريف، فهويتي هي أنا ككاتبة، هذا أكثر ما يناسبني ويتفق مع إحساسي بي وبكينونتي، أما الماضي، فهو لازمة متكررة في حياتي وحياة أبطالي، يكاد يكون حامل المفاتيح الأولية والشيفرات المركزية لكل تجليات الراهن التي غالبا ما تكون انعكاس لهذا الماضي.. لست ممن يمجد الماضي، ولكني لا أستطيع الخروج منه بسهولة، لأنه المسؤول الدائم عن راهني، أشعر بثقله اليومي، وكأنه مقيم بين كتفيّ، يراقب آنيتي، وفق دورين متناقضين، أولهما للاطمئنان على أني لن أغادره، والثاني رغبة منه في دفقي ودفعي نحو الخارج، تماما كالعلاقة بين الطفل والرحم، الماضي هو رحمي، خانق ربما، دافئ أيضا ، المسألة مركبة ويصعب فهمها ضمن معطيات واضحة ودقيقة.
ثمة إسقاطات عديدة لمفهوم الحب، الحرية، التواصل، الجنس، الأنا في عملك هذا، برأيك لماذا تراهن المرأة الكاتبة بشكل عام في نصوصها الأدبية على هذه المواضيع عكس ما نقرأه في أدب الآخر؟
لا أعتقد أن المواضيع التي تؤرقني تختلف عن تلك التي تؤرق زميلي الرجل. أنا لا أنتمي لدائرة الأدب النسوي، وهذا لا يعني أنني أدين هذه الكتابة. أنا أؤمن بالتنوع، ولكن قراءتي الأولية، وتأسيسي الذهني تم على أيدي "رجال"، إلا أن كل النماذج التي أسرتني في الفكر والرواية، هي نماذج للرجال ـ لا أحب استعمال لفظ ذكورية هنا ـ قد يكون الدافع الخفي لمقاربتي لأدب غير جنسوي، هو رفض بشكل ما للدور الدوني الذي يصنف داخله أدب المرأة. بطبيعتي أنا كائن رافض على الدوام، القلق الذي يسكنني يجعلني كائن خارج الجماعة وخارج التأطيرات، لدي هوس ربما بتقديم كتابة لا تقل عن كتابة الرجل، لأنني لم أشعر يوما بدونيتي أمام الرجل، على العكس، أعتقد أن المرأة كائن خلاق ومبتكر، ولكن الظروف التاريخية هي التي أضرت بهذا الكائن المبدع، انتقال المجتمعات من المرحلة الأمومية إلى الذكورية أضر بالطرفين، الرجال والنساء، لخدمة مصالح اقتصادية بالدرجة الأولى. لهذا فأنا أعتقد أن كتابتي عن الحب والحرية والتواصل والجنس، كما وردت في سؤالك، هي رهانات الكاتب، بغض النظر عن التاء المربوطة التي تحيل إلى جنسه.
من هذا المنطلق كيف ترين صورة المرأة المبدعة في أدبها؟
أنا ضد كل هذه التصنيفات والتقسيمات للأدب، سواء الجغرافية أو الجنسوية، أما إذا كان هدف السؤال هو تقييم المنتج الأدبي للمرأة الكاتبة، فإن هذا برأيي من اختصاص النقاد. لست على دراية بكل ما يصدر من إبداع روائي أو شعري أو حتى سينمائي، ولست مخولة للرد على هذا السؤال.
وصول روايتك الموسومة بـ"حبل سري" إلى القائمة الـ16 لجائزة "بوكر للرواية العربية"، في حدّ ذاتها يعد إنجازا بالنسبة إليك، خاصة إذا نظرنا إلى الأسماء الرائدة التي شاركت هذه السنة في المسابقة، أنت كيف تقيمين نصك بعد هذه التجربة؟
لم أفهم السؤال تماما، وهل عليّ أن أقيم نصي قبل وبعد القائمة؟ إن علاقتي مع كتابتي لا تتغير وفق هذه المعطيات، لا أنكر أن وصول روايتي إلى اللائحة الطويلة، أحدث حراكا خاصا بمسيرة روايتي، بمعنى أنها حققت بعض التواجد في الساحة الإعلامية، وسمع بي أشخاص لم يكونوا على دراية بتواجدي الأدبي. إن الجوائز لا تعطي قيمة للكتابة، ولكنها تلقي الضوء على بعض الكتابات المهمّشة مثلا، وأنا أعتقد أن ثمة أسباب كثيرة، أهمها افتقادي لموهبة العلاقات العامة، ساهمت في تهميش تجربتي، هذه روايتي الرابعة، وأنا بدأت النشر كروائية، لم أنشر القصة القصيرة إلا في المجلات والصحف، أي كتبي المنشورة هي الرواية، وهاجسي كان ولايزال حتى اللحظة هو الرواية. لم يأتِ اهتمامي بسبب اتجاه العالم اليوم إلى الرواية، بل أنا ابنة الرواية، فيها فقط أجدني، لهذا فإني لست مهووسة بمسألة الأسماء. حين فازت موللر بنوبل، لم يكن قد سمع عنها الكثيرون، أخاف دوما على نفسي من أن تغويني لذة الشهرة والضوء، لأن هذه أيضا حاجة نفسية لدى الكاتب، نحن لا نكتب من أجل أنفسنا، ثمة عقد خفي بين القارئ المجهول في ذهن الكاتب، والكاتب، علاقة فيها بعض الإلهام ، ولكن الضوء وهاجس الجوائز، فخ أحاول تجنبه.
ما رأيك في الأسماء التي تضمنتها القائمة القصيرة للجائزة هذه السنة؟
أنا لا أدخل في هذه التقييمات، لا أسمح لنفسي بهذا. كنت سعيدة بوجودي في اللائحة الطويلة، ولكني لست مستعدة لتقييم عمل اللجنة أو الأعمال الواصلة إلى اللائحة القصيرة، هذا الأمر لا يدخل ضمن اهتماماتي.
يتساءل القارئ لأعمالك عن السبب الحقيقي لاختيارك عنوان "حبل سري"، دون غيره من العناوين الأخرى التي توحي بما رغبت في إيصاله إليه؟
حبل سري، أو المشيمة كما احترت بين العنوانين، هو المفتاح الجوهري لأزمة بطلاتي، هذه العلاقة الخفية مع الرحم، والرحم هنا طبعا ليس الأم فقط، بل كل التأسيسات الأولى التي نمونا وترعرنا بداخلها، لا أحب شرح كتبي ولا عناوينها، ولكن الحبل السُري، بضم السين، هو الحامل الرئيسي، بما يشبه الجذر، للشخصية الروائية، أوالواقعية. من هنا أكرر ما قلته في حوار آخر، بأنني أفضل دوما التدليل على البلد الأول لأي شخص، باستبدال مصطلح "مسقط السرة" عن مسقط الرأس.. تروي لي أمي حكاية مهمة أثرت في مخيلتي، ربما يكون هذا الموروث الشعبي متواجدا في بدان عربية أخرى، وهو دفن سرة الوليد. حيث قامت أمي بدفن سرتي في مقاعد مدرسة كان خالي يتعلم فيها، ويُعتقد بأن مكان السرة، يحدد للطفل لاحقا، توجهه في الحياة.. كنت الولد الأول "باعتباري البكر" في العائلة الذي يذهب إلى المدرسة ويتابع تعليمه العالي حتى الجامعة، في عائلتي، أكاد، حتى اليوم، ومع نشوء أجيال لاحقة لجيلي، لاأزال البنت الوحيدة التي حصلت على تعليم جامعي، لا أزعم بأن "مخبأ السرة" هو السبب، إلا أن هذه اللعبة التي صدقتها أمي، ونقلتها لي، خلقت بداخلي توجها غير مقصود ـ لا أستعمل بتاتا لفظة لاوعي ـ نحو التعلم والكشف وخوض الجديد، أظن أن حبلنا السري يحمل الكثير من الإجابات، واللفظة بالعربية، هي الوحيدة التي تجمع بين السرة والسر.. بينما هو في الفرنسية والانجليزية أمر مختلف، أومبليكال كورد، لا علاقة له بالسر.
هل أفهم أن الحنين إلى الذاكرة الأولى يجعلك تستحضرين هذه الذاكرة في شخوص نصك، لتبدو الرواية وكأنها رحلة عودة إلى تلك الذاكرة، واعتراف منك على سلطة المكان الأول عليك، أم أن موضوع الروائية فرض نفسه بعفوية ما؟
أظن أنه ينبغي دوما التمييز بين السرد الذاتي والرواية، ورواية السرد الذاتي. لكل رواية محرض ما لانطلاقها من داخل الكاتب، ولكل قانونها الخاص بها. في تجربتي الكتابية فإن روايتي، بعد أن تؤسس بداياتها على الورق، تنطلق لتبحث عن مرجعياتها، الواقعية أو الإفتراضية. لهذا فإنني لا أميل إلى اعتبار روايتي بمثابة تصفية حساب شخصي، لا على صعيد الفرح ولا الحزن. يجب فصل العمل الفني عن صاحبه، أنا صارمة بهذا، ولا أقحم ذاكرتي الشخصية، إلا ضمن الحدود الفنية، فالكتابة ذاكرة أيضا، ولكن ثمة فارق بين الحشر القسري للذاكرة الشخصية، والتوظيف الفني لذكريات ما، تتسلل من خزاني، دون الكثير من القصدية.
سلطت الضوء في"حبل سري" على حقيقة الفرد العربي داخل المجتمع الغربي، من خلال صوفي الفرنسية، وحنيفة العربية، المختلفتين عن بعضهما البعض، ولكنك حاولت أن تتركي القارئ يكتشف الإنتماء الجغرافي والإيديولوجي الذي يجمع هاتين الشخصيتين. ترى ماذا أرادت مها أن تقول من خلال هذا النص؟
يا إلهي يا حياة، على القارئ التوصل إلى هذا الجواب، لست عرافته، ولن أقوده في طريق قراءتي، تعرفين أن القراءة دوما، هكذا أراها، نص متعدد الإحتمالات، لماذا أسجن القارئ داخل شرنقة شرحي.. لنترك لكل قارئ يذهب بتفسيراته وتأويلاته حيث يذهب، أنا واثقة ومؤمن بقارئ متفوق على الروائي.
نلت سنة 2005، جائزة هلمان - هامت الأمريكية التي تمنح للكتاب والصحفيين الذين واجهوا ويواجهون التضييق في بلادهم، ماذا أضافت هذه الجائزة لمسيرتك على الصعيدين الإبداعي والشخصي، خاصة أنك تعرضت إلى مضايقات عديدة في وطنك سوريا، وصل إلى منعك من نشر أعمالك؟
بصراحة، بات هذا السؤال يثقل علي لكثرة ما تردد أولا، حيث ومنذ خمس سنوات، منذ الحصول على الجائزة، وحتى اليوم، أضطر للجواب ذاته، إضافة إلى حجم الهجوم الذي تعرضت إليه من قبل الكثير من الأشخاص الذين يخلطون بين العمل الحقوقي من جهة والسياسي من جهة، وكذلك بين الحقوقي والسياسي من جهة والإبداعي..
حسنا سأجيب، هذه الجائزة كانت بمثابة تكريم لتجربتي كامرأة متحدرة من طبقة عادية، شقت طريقها في عالم الكتابة، حمّلها الإيديولوجيون المعارضون لي، أعباء وانتقادات ، أفسدت فرحي بها، بسبب أني لا أصرخ وأرفع شعارات، كوني كائن منشغل بالهم الإبداعي، دون إهمال الجانب الإنساني والحقوقي، ولكن دون تنظيرات وشعارات فارغة تساهم في تعميق الوهم الشعاراتي وتغريب الإنسان عن ذاته وإلحاقه بالشعارات.
على أي نص تشتغل مها حسن في هذه الفترة، والمعروف عنك أنك تحرصين على التواجد في المشهد الإبداعي في كل موسم؟
هذا ليس دقيقا، لست ابنة مواسم. لقد توقفت عن النشر بعد روايتي الثانية التي صدرت في عام 2002، لما يقارب سبع سنوات حتى نشرت روايتي الثالثة، والتي كنت قد أنهيتها منذ سنوات وتركتها إلى أن جاءت فرصتها للنشر. أتحدث عن ترتيل العدم، أما روايتي الأخيرة، فهي الأولى التي كتبتها في فرنسا. أنا مقيمة هنا منذ ست سنوات، وهذا عملي الأول، أي استغرق مني ما لا يقل من أربع سنوات من كتابة وتردد في النشر، النشر مغامرة لا أجرؤ على الدخول فيها دوما، لهذا فأنا لا أعرف بعد، وليس أمامي من خيار آني.
حاورتها:حياة.س
vendredi 16 juillet 2010
'حبل سري' رواية لمها حسن
بيروت ـ 'القدس العربي': صدر عن شركة 'رياض الريس للكتب والنشر' ـ بيروت رواية جديدة للكاتبة مها حسن بعنوان 'حبل سري'.
باولا بيران، ثمرة علاقة امرأة شرقية برجل غربي. صبية جميلة وجذابة، تعمل في المسرح، ولا ينقصها شيء لتكون سعيدة، الا ان موت امها التي تركتها صغيرة، وعدم فهمها لظروف تلك الأم، ترك فجوة عميقة في داخلها. فهي لا تفهم لماذا جاءت امها 'صوفي بيران' من سورية، وغيرت اسمها، وماتت ودفنت في فرنسا، دون ان تذهب يوما لزيارة بلدها الاصلي، كما تنبغي تسميته.
تذهب باولا الى سورية، منقبة عن جذور امها. علها تفهم وترتاح.
تقع في غرام ابن خالتها، الاخت الوحيدة لصوفي. وقد سحرت طويلا بقصص الحب الشرقي، وبصورة الرجل الشرقي.
تتزوج وتنجب الزا. ويبقى السؤال المحير، هل تبقى في بلد امها الاصلي حيث وجدت رفيق دربها؟ ام تعود الى البلد الذي ولدت وتربت فيه، وتلقت ثقافة مغايرة لثقافة البلد الذي تركته امها؟
السرد يتسلل الى كل الامكنة والمطارح. والنقد لاذع وقاس كما هو الواقع.
الرواية تقع في 480 صفحة من القطع الوسط.
باولا بيران، ثمرة علاقة امرأة شرقية برجل غربي. صبية جميلة وجذابة، تعمل في المسرح، ولا ينقصها شيء لتكون سعيدة، الا ان موت امها التي تركتها صغيرة، وعدم فهمها لظروف تلك الأم، ترك فجوة عميقة في داخلها. فهي لا تفهم لماذا جاءت امها 'صوفي بيران' من سورية، وغيرت اسمها، وماتت ودفنت في فرنسا، دون ان تذهب يوما لزيارة بلدها الاصلي، كما تنبغي تسميته.
تذهب باولا الى سورية، منقبة عن جذور امها. علها تفهم وترتاح.
تقع في غرام ابن خالتها، الاخت الوحيدة لصوفي. وقد سحرت طويلا بقصص الحب الشرقي، وبصورة الرجل الشرقي.
تتزوج وتنجب الزا. ويبقى السؤال المحير، هل تبقى في بلد امها الاصلي حيث وجدت رفيق دربها؟ ام تعود الى البلد الذي ولدت وتربت فيه، وتلقت ثقافة مغايرة لثقافة البلد الذي تركته امها؟
السرد يتسلل الى كل الامكنة والمطارح. والنقد لاذع وقاس كما هو الواقع.
الرواية تقع في 480 صفحة من القطع الوسط.
samedi 10 juillet 2010
Inscription à :
Articles (Atom)
