samedi 16 avril 2011

"حبل سري" للكاتبة السورية مها حسن ... محاولة تجسير بين الشرق والغرب

الحوار المفترض المنشود بين الشرق والغرب، الصراع الحقيقي الدائر في قلب الشرق، ذاك الذي ينقله الشرقيون معهم أنّى حلّوا وارتحلوا،التناقض السافر الذي يعشّش في ذهنيات الكثيرين من أبناء الشرق




الجغرافيات المتصارعة، التاريخ المشكوك فيه جملة وتفصيلاً، الهويات المتقاتلة المتناحرة، الواقع البائس، المدن التي تلفظ أبناءها، الأبناء الذين يتعاركون على أبسط الأمور، الخلافات التي لا تنتهي، الهزائم الكبرى التي يُمنى بها الناس في قراراتهم، الانكسار المستولَد، اليأس المتفشّي، الاستبداد المتعاظم، الجنون الهالك القاهر، التهميش المدروس الممارَس، ومحاور أخرى كثيرة، تشتغل عليها الروائية السورية مها حسن في روايتها "حبل سرّي"، الصادرة عن "دار رياض الريّس، الكوكب". جملة من المحاور تتداخل في ما بينها، ناسجة شبكة علائقية واسعة ومتشعبة، منتقلة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لا بالمعنى الجغرافي فحسب، بل بالمعنى الحضاري والاجتماعي: من مدينة حلب السورية، حيث مرتع الطفولة، وملاعب الصبا، إلى باريس التي تغدو مسرح الأحداث، وحاضنة الشخصيات الهاربة من ذاتها وتاريخها وهزائمها، الباحثة عن أمان مفقود، عن وطن بديل، وعن موت مريح.

تهاجر حنيفة التي تغيّر اسمها إلى صوفي بيران، من حلب إلى باريس، بعد أن تنتكب مرّات عدة، حين يطلّق والدها أمّها، حين يتخلّى عنها أهلها، وحين تنكسر آمالها في الحصول على الأمان والحبّ والمأوى والوطن. بعد سلسلة من المآسي، تنتقل حنيفة من مدينة إلى أخرى، تُنتزَع من موطنها الذي كانت تشعر فيه بالانتماء والأمان، فتضطرّ لترك بيتها والعيش في بيت أهل والدتها، حيث تفقد الأمان والثقة بكلّ شيء، تفقد الانتماء، تعيش مغتربة مستلبة، فيتعاظم اغترابها واستلابها يوماً بيوم، يكبران معها، يرتحلان في داخلها، فتكاد تفشل في دراستها، لولا عنادها الذي يسمها، ويدفعها لترك البيت، والعيش مع عمّتها. يختار لها المحيطون بها فرعاً لا يلائم ميولها، فتترك كلّ شيء، وتهرب إلى اليونان، حيث أخوها غير الشقيق إدريس، ومن هناك تهرب وحيدة إلى باريس، تغيّر هويّتها واسمها، تنزع عنها لبوس اللاانتماء، تسعى جهدها للاندماج في المجتمع الباريسيّ، تترك ماضيها خلفها، تغدو مارقة في عرف أهلها وذويها في البلد، لا تلتحق بكلية الطبّ التي كان يفترض بها أن تدرس فيها، بل تفضّل البحث عن حياة جديدة، تثبت فيه أناها، التي تنقسم في معمعة البحث أنوات، كلّ واحدة منها تتشظّى وتنفجر، لتستولد شخصيات متعاركة في الداخل، تصدّر الضجيج إلى الخارج، عبر الموسيقى الصاخبة، وقيادة السيارة بطريقة مجنونة متهوّرة. تصادق شبّاناً فرنسيين، تعيش حياة منعتقة من كلّ القيود، تسافر كما يحلو لها، تمارس ما تشاء، تجعل من نفسها وجسدها حقل تجارب، تمارس سلوكيات تعويضية، تشذّ في بعض أفعالها، لكنها لا تفلح في الانسلاخ عن ذاتها وماضيها والشخصية التي تسكنها وتحرّكها وتدفعها إلى تصرّفات لا ترتضيها، لكنها تجد نفسها مرغمة على فعل ذلك، في محاولتها للتبرؤ ممّا يثقل كاهلها من وجع التيه، وجنون الضياع.

ترتبط صوفي بيران بعلاقة مع ألان، روائي فرنسي، تعيش معه في شقته أحياناً، وتمضي معظم أوقاتها في الترحال، كأنها تهرب من مواجهة ذاتها، فيكون الفرار سمة حياتها، ويربطها حبل سرّي بكل ما كان وسيكون، لا تستطيع قطع ذلك الحبل، لأنه يحتل الحيّز الأكبر من حياتها، يربطها ذاك الحبل بالأماكن التي هربت منها، وبأخرى تهرب إليها، يربطها بالمستقبل الضبابي، يشدّها إلى الماضي الكارثي، يأبى الانقطاع، يقوى بمرور الأيام.

حتى بعد أن تموت صوفي بيران في حادثة أليمة، تستكمل ابنتها الوحيدة، باولا، سيرتها الناقصة، كما ترث منها روايتها التي ينبغي لها أن تكمل كتابتها، كأنها تسدّ بذلك الفجوات التي ظلّت ناقصة من حياة أمّها التائهة، تحاول تجسير الهاويات بين الماضي الذي هربت منه صوفي والمستقبل الذي لم يسعفها، بين مدينتها المنغلقة حلب، وباريس التي لم تنجدها في العثور على ما ظلّت توسوس في البحث عنه. تعاني باولا قلق الانتماء نفسه، تستبطن شخصية قلقة ثائرة متمرّدة، تكون نتاج علاقة عابرة بين صوفي والشخص الذي كانت تكرهه، لكنها غرقت في علاقة مجنونة معه، وكانت النتيجة باولا التي حاولت تحقيق ما فشلت صوفي في تحقيقه. ترفض باولا الاعتراف بأبّوة لا تناسبها، تعتبر ألان والدها الحقيقيّ، تعيش في كنفه، ترتاح إليه، وهو بدوره يتركها على هواها، ولا يحاول التدخّل في قراراتها وحياتها. تقود المصادفة باولا للتعرّف إلى عمّة أمّها حنيفة، التي كانت تتداوى في باريس من مرض خبيث، شفيت بعد تعرّفها إلى باولا، وتحسّنت حالتها النفسية. تكون المصادفة المنطلقة من تكهّن عرّافة باريسية، هي المحرّك الرئيسي لكثير من الأحداث، ما كان يدفع باولا إلى الاستعانة بها بين الآونة والأخرى. تكون الفرصة مناسبة لباولا كي تكتشف ما ظلّ يؤرّق صوفي، فتقرّر خوض غمار مغامرة صعبة، وتنغمس في علاقة مع جوليان، قريبها البعيد. تسافر مع حنيفة إلى حلب، وهناك تطّلع على كثير من الخبايا، وتكتشف حجم المعاناة التي يعانيها الأكراد السوريون، في الموازاة مع غيرهم من المواطنين. تكتشف الكبت المتغلغل في النفوس والأجساد، التناقضات السافرة التي تغزو الوجوه والعقول، الحروب الوهمية التي تطحن البشر هناك، وتكتشف شرقاً بائساً تعيساً لا يمتّ إلى شرق "ألف ليلة وليلة"، وليالي الأنس، والشهوة المتأجّجة المستعرة، الذي كانت قد رسمته في مخيّلتها. يقابلها جدها وجدتها بالرفض واللامبالاة، تشفق على نفسها وعلى صوفي وعلى الجميع، كلّ واحد يحمل أساه ويضغط على جراحه. تتعرّف إلى حياة المدينة الحقيقية، تكون نظرتها ذات أبعاد مختلفة، فلا تكتفي بوجهة نظر واحدة، بل تستعرض مجموعة من وجهات النظر. لا تكتفي بالوقوف على التخوم، والتفرّج من بعيد، بل تدخل قلب الرعب، وتسرد كثيراً من القصص التي راح ضحيتها الأبرياء في خضمّ الانسياق وراء الأعراف القاتلة. تصوّر الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها، تحكي عن عالم مهمّش لا يملك الحقّ في التعبير عن أيّ شيء يخصّه، وتقدّم نماذج وعيّنات واقعية يتمّ التغاضي عن التصريح بها، وتروي الازدواجية التي تسكن الشرق، والسفور الذي يغلّفه. ترتبط باولا بقصة حبّ مع روني؛ ابن خالتها شيرين، تعود للزواج به بعد أشهر من سفرها إلى باريس، تحبل منه، تفشل بالاندماج في المجتمع الشرقي، الحلبي، فينتهي بها المطاف حائرة هاربة بحملها إلى باريس، مؤثرة الحرية على الحبّ والرواية والقرابة، فتضع هناك ابنتها إلزا في ظروف أفضل، في ظلّ حرية معيشة، لا في ظلّ نظام يسوده قانون الطوارئ، من السلطة والمجتمع سواء بسواء، وتسيّره الأحكام العرفية المكبّلة.

كأنما تدوّن الكاتبة رواية معارضة، محاكية، لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، وإن كانت تنسج على النول نفسه، ولكن عبر شخصيات نسائية، صوفي، باولا... صور لمصطفى سعيد. تنتقل كلّ منهما من حضن إلى آخر، تقيم الكثير من العلاقات العابرة، تغزو الغرب في عقر داره، تستعمر الآخر جسديّاً، تنتقم منه على ما اقترفه في حقّها وذويها وبلدها من تهميش وإقصاء واستعمار ردحاً من الزمن. تنتدب نفسها وارثة لعالم يسِمه قلق الانتماء إلى المكان، وإلى الأمان، تورث ابنتها القلق نفسه، تورثها العناد والتحرّر والروايات. تورثها التخبّط والأسطورة، بحيث تكون كلّ واحدة منهما الخيميائية التي تسعى الى مضاهاة سحر الخيميائيّ، بل والتفوّق عليه. تمارس الشخصيات شعائر الحياة الغربيّة، ولا تتناسى الجانب الشرقي المشرق فيها. وبرغم ذلك تكون تائهة بين شرق وغرب، مرتبطة بحبل سرّي إلى كلّ منهما. همزة وصل تحافظ على التوازن ما أمكنها، كي لا ينفلت الحبل فيودي بكلّ شيء تمّ ترتيبه بالتراكم.

نوّعت الكاتبة في طرائق العنونة، قسّمت روايتها ثلاثة فصول، عنونت كلّ فصل باسم شخصيّة: صوفي بيران، باولا بيران، إلزا بيران. اعتمدت في الفصلين الأوّل والثالث على ترقيم الفصول الفرعية بالأعداد بالترتيب، حوى الفصل الأوّل سبعة عشر فصلاً، في حين حوى الفصل الثالث خمسة وعشرين فصلاً، بينما اكتفت في الفصل الثاني بالعناوين الفرعيّة، كما أبقت بعضها من دون عنوان. اشتملت الرواية، كعادة الكاتبة في رواياتها السابقة "اللامتناهي - سيرة الآخر"، "لوحة الغلاف"، "تراتيل العدم"، على أزمنة متعددة متشعبة، وأجيال متوارثة الهموم والهواجس والوساوس، يتبدّى ذلك في التقسيم التسلسلي للشخصيات المتناسلة المتعاقبة، كما يتبدّى في أحداث الرواية. لكن الكاتبة في "حبل سرّي" تبدو متخفّفة من ثقل اللغة، ومن ضغط الجانب الفلسفي الذي كانت تغرق فيه رواياتها السابقة.

"حبل سرّي" رواية صادمة غنيّة بالتفاصيل الممتعة، والقضايا الشائكة المتشابكة، استشراق معاكس، واستغراب هجين، برعت الكاتبة في تحبيكها وربطها بحبال سرية متينة، قدّمت أزمنة متعدّدة، والكثير من الأمكنة المتناقضة، هنا وهناك، وما بينهما من نقاط التقاء وتضادّ. تسبر الكاتبة أغوار المجتمع الغربي، الباريسي نموذجاً، في الموازاة مع المجتمع الشرقي، السوريّ الحلبي، بكرده وعربه وموزاييكه المتنوّع نموذجاً مقابلاً، تربط بينهما بحبل سرّي، هو في جانب منه عبارة عن شخصيات صوفي، باولا، روني، حنيفة، جوليان، شيرين... إلخ، الكثير من الآمال والآلام معاً، في جانب آخر، التيه الذي يبقى فاعلاً ومستمرّاً. يبقى الشرق شرقاً والغرب غرباً، والحبل السرّي الذي يربط بينهما، الجسر الذي يربطهما، لا يستطيع دمجهما معاً، ولا ينفكّ عن أيّ منهما. يظلّ مشدوداً وموضع تجاذبات لا تنتهي.



هيثم حسين







النهار

مها حسن... سؤال الهويّات المشتّتة

سعيد خطيبي


في زمن الثورات العربية وانتفاضة الشباب المدافع عن خيار الحرية وقيم الديموقراطية، تتراءى جلّ الأحلام ممكنة. تكبر فينا رغبة التغيير وقلب المفاهيم السائدة. لكننا ننسى، في لحظة من اللحظات، أن هناك أناساً «آخرين» مثلنا، يعيشون بعيداً في المنفى، غير قادرين على شمّ عبق الثورة التي تصنع يومياتنا. «آخرون» أرغمتهم آلة التعسف الرسمية على هجر طفولتهم وتمزيق ذكرياتهم. لهذا، قررت الروائية السوريّة مها حسن أن تمنحهم صوتها في رواية «حبل سرّي» (رياض الرّيس). يعرّف فولتير الوطن بالمكان الذي نجد فيه سعادتنا. تعريف يتفق بعض الشيء مع رؤية جان بول سارتر الذي يعتقد أنّ الوطن، مثل الشرف أو الحرية، مفاهيم يمكن تأسيسها أينما وجدنا، ولا تتصل برقعة جغرافية محدّدة. لكنّ مها حسن ترى العكس. شخصيات روايتها الأخيرة لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال التفكير في الوطن/ الأرض، والغوص في حلم العودة إليه يوماً ما.

ذلك ما نلاحظه مع تتبع تطوّر حياة البطلة حنيفة سليمان التي أحبّت السينما وهجرت شمال سوريا إلى فرنسا. هناك غيّرت اسمها إلى صوفي بيران، وشاءت الأقدار أن تجد نفسها وسط فضاء اجتماعي مستقرّ. لكنها تعيش قلقاً دائماً، مشوباً بالكثير من الخوف والارتياب. تصرخ مرّة، في وجه زوجها الروائي آلان: «أنتم شعوب لم تدركوا الاستعمار. كنتم مستعمرين لغيركم، لذلك فالشعور بالقوة والتفوق هو ما يملأكم، أما الانكسار والخوف، فهذا أمر لا تفهمه الشعوب المستبدة». رغم أنها عاشت سنوات طويلة في باريس، وأسست فيها صداقات حميمة، إلا أنّها تقرّ في النهاية: «أنا فرنسية نعم، بالأوراق، لكنني في العمق لست هكذا».

رغبة واحدة ظلّت تراود ذهن صوفي/ حنيفة طيلة حياتها: العودة إلى قريتها النائية في سوريا وملاقاة أهلها. لكنها ماتت في حادث سير، من دون بلوغ مرادها، فعهدت إلى ابنتها باولا مهمة تحقيق حلمها.

بعدما تجاوزت باولا العشرين، وشرعت بتجربتها الفنية في المسرح، زارت مسقط رأس والدتها. هناك، التقت بعض أفراد عائلة لا تعرفهم: شيرين، دلبرين، روزلين، إبراهيم، جدتها فريدة وجدها كمال. شعرت بفرح داخلي كونها حققت أمنية والدتها. لكنّها صدمت، في الوقت نفسه، بتنكر الجد والجدة لها، انتقاماً من الأم التي تمرّدت وهجرت قريتها وبلدها، معلنةً رفضها للمنطق الاجتماعي المنغلق، والبطريركية المطلقة. رواية «حبل سرّي» هي رحلة علاج الذات المنكسرة. سؤال الهوية المشتتة. لكنّ الرواية تحمل الكثير من الأسئلة الأخرى: «كيف يشعر الناس بالانتماء إلى المكان؟» تسأل صوفي أو حنيفة التي تتحدث دائماً «عن تلك الفجوة العميقة بداخلها، التجويف الذي يقطعها، يخترقها كوهاد شديدة الانحدار، تبعد تكويناتها الداخلية، وتشعرها دوماً بأنها خائفة، قلقة، غير متجذرة، مقطوعة».

يخيّم على الرواية شبح «خيميائي» باولو كويلو. تسافر البطلة عبر نقاط مختلفة، من جنوب فرنسا إلى شمالها، ومن أحياء حلب الشعبية إلى شوارع أمستردام الصاخبة. تحكي رغبات شخصيات عادية في عيش الممتع والممنوع. ترسم بورتريهات نساء يجسّدن اختلافهن بالتنازل عن بعض مظاهر أنوثتهن. رواية تنطلق من سذاجة حلم طفولة مسلوبة وتنتهي بفاجعة ومنفى.

الروائية مها حسن في حوار لـ"الفجر الثقافي"

الكتابة عن الحب، الحرية، والجنس هي رهانات الكاتب

2010.12.26

alfadjr



الجوائز لم تعد تعطي قيمة للكتابة، ولكنها تلقي الضوء على الكتابات المهمّشة

على الرغم من خروج روايتها الموسومة بـ"حبل سري" من القائمة القصيرة لجائزة"بوكر الرواية العربية، في دورتها الرابعة لهذه السنة، إلا أن الروائية السورية ذات الأصل الكردي، مها حسن، استطاعت أن تجد نفسها مرة أخرى محط اهتمام العديد من الكتاب والنقاد العرب، بعد سلسلة من الإصدارات في عالم الرواية



خاصة بعد صدور روايتها الأخيرة التي أثارت الجدل الكثير فور صدورها ببيروت عن دار رياض نجيب الريس. وللحديث عن هذا العمل الذي تناولت فيه مها، تناقضات الحياة في سوريا وفرنسا، وهاجس الكتابة عموما، كانت لـ"الفجر" فرصة إجراء هذا اللقاء معها..



مرّة أخرى تعود الروائية السورية مها حسن، إلى القارئ بنص تصرّ فيه على الهروب من هويتها العربية، لتعيد كتابة سيرتها الذاتية من خلال أبطال الرواية. لماذا كل هذا الإصرار منك على العودة إلى الماضي؟

أنا لا أهرب من هويتي العربية، لأنني ببساطة لست عربية. أنا أفكر وأكتب باللغة العربية، إلا أنني جينيا، أنحدر من عائلة كردية. سؤال الهوية لا يزال يشكل هاجسا كبير لديّ، بتّ أميل إلى الاقتناع بأنه ليس أكثر من مسألة أوراق وترتيبات إدارية، أما الهوية من العمق، كإحساس بالأنا، فهي لا تنتمي إلى هذه التقسيمات الحادة. لم أعد أؤمن بمفهوم الهوية بمعناه الجغرافي أوالإقليمي، الهوية حالة فردية جدا، وبهذا التعريف، فهويتي هي أنا ككاتبة، هذا أكثر ما يناسبني ويتفق مع إحساسي بي وبكينونتي، أما الماضي، فهو لازمة متكررة في حياتي وحياة أبطالي، يكاد يكون حامل المفاتيح الأولية والشيفرات المركزية لكل تجليات الراهن التي غالبا ما تكون انعكاس لهذا الماضي.. لست ممن يمجد الماضي، ولكني لا أستطيع الخروج منه بسهولة، لأنه المسؤول الدائم عن راهني، أشعر بثقله اليومي، وكأنه مقيم بين كتفيّ، يراقب آنيتي، وفق دورين متناقضين، أولهما للاطمئنان على أني لن أغادره، والثاني رغبة منه في دفقي ودفعي نحو الخارج، تماما كالعلاقة بين الطفل والرحم، الماضي هو رحمي، خانق ربما، دافئ أيضا ، المسألة مركبة ويصعب فهمها ضمن معطيات واضحة ودقيقة.



ثمة إسقاطات عديدة لمفهوم الحب، الحرية، التواصل، الجنس، الأنا في عملك هذا، برأيك لماذا تراهن المرأة الكاتبة بشكل عام في نصوصها الأدبية على هذه المواضيع عكس ما نقرأه في أدب الآخر؟

لا أعتقد أن المواضيع التي تؤرقني تختلف عن تلك التي تؤرق زميلي الرجل. أنا لا أنتمي لدائرة الأدب النسوي، وهذا لا يعني أنني أدين هذه الكتابة. أنا أؤمن بالتنوع، ولكن قراءتي الأولية، وتأسيسي الذهني تم على أيدي "رجال"، إلا أن كل النماذج التي أسرتني في الفكر والرواية، هي نماذج للرجال ـ لا أحب استعمال لفظ ذكورية هنا ـ قد يكون الدافع الخفي لمقاربتي لأدب غير جنسوي، هو رفض بشكل ما للدور الدوني الذي يصنف داخله أدب المرأة. بطبيعتي أنا كائن رافض على الدوام، القلق الذي يسكنني يجعلني كائن خارج الجماعة وخارج التأطيرات، لدي هوس ربما بتقديم كتابة لا تقل عن كتابة الرجل، لأنني لم أشعر يوما بدونيتي أمام الرجل، على العكس، أعتقد أن المرأة كائن خلاق ومبتكر، ولكن الظروف التاريخية هي التي أضرت بهذا الكائن المبدع، انتقال المجتمعات من المرحلة الأمومية إلى الذكورية أضر بالطرفين، الرجال والنساء، لخدمة مصالح اقتصادية بالدرجة الأولى. لهذا فأنا أعتقد أن كتابتي عن الحب والحرية والتواصل والجنس، كما وردت في سؤالك، هي رهانات الكاتب، بغض النظر عن التاء المربوطة التي تحيل إلى جنسه.



من هذا المنطلق كيف ترين صورة المرأة المبدعة في أدبها؟

أنا ضد كل هذه التصنيفات والتقسيمات للأدب، سواء الجغرافية أو الجنسوية، أما إذا كان هدف السؤال هو تقييم المنتج الأدبي للمرأة الكاتبة، فإن هذا برأيي من اختصاص النقاد. لست على دراية بكل ما يصدر من إبداع روائي أو شعري أو حتى سينمائي، ولست مخولة للرد على هذا السؤال.



وصول روايتك الموسومة بـ"حبل سري" إلى القائمة الـ16 لجائزة "بوكر للرواية العربية"، في حدّ ذاتها يعد إنجازا بالنسبة إليك، خاصة إذا نظرنا إلى الأسماء الرائدة التي شاركت هذه السنة في المسابقة، أنت كيف تقيمين نصك بعد هذه التجربة؟

لم أفهم السؤال تماما، وهل عليّ أن أقيم نصي قبل وبعد القائمة؟ إن علاقتي مع كتابتي لا تتغير وفق هذه المعطيات، لا أنكر أن وصول روايتي إلى اللائحة الطويلة، أحدث حراكا خاصا بمسيرة روايتي، بمعنى أنها حققت بعض التواجد في الساحة الإعلامية، وسمع بي أشخاص لم يكونوا على دراية بتواجدي الأدبي. إن الجوائز لا تعطي قيمة للكتابة، ولكنها تلقي الضوء على بعض الكتابات المهمّشة مثلا، وأنا أعتقد أن ثمة أسباب كثيرة، أهمها افتقادي لموهبة العلاقات العامة، ساهمت في تهميش تجربتي، هذه روايتي الرابعة، وأنا بدأت النشر كروائية، لم أنشر القصة القصيرة إلا في المجلات والصحف، أي كتبي المنشورة هي الرواية، وهاجسي كان ولايزال حتى اللحظة هو الرواية. لم يأتِ اهتمامي بسبب اتجاه العالم اليوم إلى الرواية، بل أنا ابنة الرواية، فيها فقط أجدني، لهذا فإني لست مهووسة بمسألة الأسماء. حين فازت موللر بنوبل، لم يكن قد سمع عنها الكثيرون، أخاف دوما على نفسي من أن تغويني لذة الشهرة والضوء، لأن هذه أيضا حاجة نفسية لدى الكاتب، نحن لا نكتب من أجل أنفسنا، ثمة عقد خفي بين القارئ المجهول في ذهن الكاتب، والكاتب، علاقة فيها بعض الإلهام ، ولكن الضوء وهاجس الجوائز، فخ أحاول تجنبه.



ما رأيك في الأسماء التي تضمنتها القائمة القصيرة للجائزة هذه السنة؟

أنا لا أدخل في هذه التقييمات، لا أسمح لنفسي بهذا. كنت سعيدة بوجودي في اللائحة الطويلة، ولكني لست مستعدة لتقييم عمل اللجنة أو الأعمال الواصلة إلى اللائحة القصيرة، هذا الأمر لا يدخل ضمن اهتماماتي.



يتساءل القارئ لأعمالك عن السبب الحقيقي لاختيارك عنوان "حبل سري"، دون غيره من العناوين الأخرى التي توحي بما رغبت في إيصاله إليه؟

حبل سري، أو المشيمة كما احترت بين العنوانين، هو المفتاح الجوهري لأزمة بطلاتي، هذه العلاقة الخفية مع الرحم، والرحم هنا طبعا ليس الأم فقط، بل كل التأسيسات الأولى التي نمونا وترعرنا بداخلها، لا أحب شرح كتبي ولا عناوينها، ولكن الحبل السُري، بضم السين، هو الحامل الرئيسي، بما يشبه الجذر، للشخصية الروائية، أوالواقعية. من هنا أكرر ما قلته في حوار آخر، بأنني أفضل دوما التدليل على البلد الأول لأي شخص، باستبدال مصطلح "مسقط السرة" عن مسقط الرأس.. تروي لي أمي حكاية مهمة أثرت في مخيلتي، ربما يكون هذا الموروث الشعبي متواجدا في بدان عربية أخرى، وهو دفن سرة الوليد. حيث قامت أمي بدفن سرتي في مقاعد مدرسة كان خالي يتعلم فيها، ويُعتقد بأن مكان السرة، يحدد للطفل لاحقا، توجهه في الحياة.. كنت الولد الأول "باعتباري البكر" في العائلة الذي يذهب إلى المدرسة ويتابع تعليمه العالي حتى الجامعة، في عائلتي، أكاد، حتى اليوم، ومع نشوء أجيال لاحقة لجيلي، لاأزال البنت الوحيدة التي حصلت على تعليم جامعي، لا أزعم بأن "مخبأ السرة" هو السبب، إلا أن هذه اللعبة التي صدقتها أمي، ونقلتها لي، خلقت بداخلي توجها غير مقصود ـ لا أستعمل بتاتا لفظة لاوعي ـ نحو التعلم والكشف وخوض الجديد، أظن أن حبلنا السري يحمل الكثير من الإجابات، واللفظة بالعربية، هي الوحيدة التي تجمع بين السرة والسر.. بينما هو في الفرنسية والانجليزية أمر مختلف، أومبليكال كورد، لا علاقة له بالسر.



هل أفهم أن الحنين إلى الذاكرة الأولى يجعلك تستحضرين هذه الذاكرة في شخوص نصك، لتبدو الرواية وكأنها رحلة عودة إلى تلك الذاكرة، واعتراف منك على سلطة المكان الأول عليك، أم أن موضوع الروائية فرض نفسه بعفوية ما؟

أظن أنه ينبغي دوما التمييز بين السرد الذاتي والرواية، ورواية السرد الذاتي. لكل رواية محرض ما لانطلاقها من داخل الكاتب، ولكل قانونها الخاص بها. في تجربتي الكتابية فإن روايتي، بعد أن تؤسس بداياتها على الورق، تنطلق لتبحث عن مرجعياتها، الواقعية أو الإفتراضية. لهذا فإنني لا أميل إلى اعتبار روايتي بمثابة تصفية حساب شخصي، لا على صعيد الفرح ولا الحزن. يجب فصل العمل الفني عن صاحبه، أنا صارمة بهذا، ولا أقحم ذاكرتي الشخصية، إلا ضمن الحدود الفنية، فالكتابة ذاكرة أيضا، ولكن ثمة فارق بين الحشر القسري للذاكرة الشخصية، والتوظيف الفني لذكريات ما، تتسلل من خزاني، دون الكثير من القصدية.



سلطت الضوء في"حبل سري" على حقيقة الفرد العربي داخل المجتمع الغربي، من خلال صوفي الفرنسية، وحنيفة العربية، المختلفتين عن بعضهما البعض، ولكنك حاولت أن تتركي القارئ يكتشف الإنتماء الجغرافي والإيديولوجي الذي يجمع هاتين الشخصيتين. ترى ماذا أرادت مها أن تقول من خلال هذا النص؟

يا إلهي يا حياة، على القارئ التوصل إلى هذا الجواب، لست عرافته، ولن أقوده في طريق قراءتي، تعرفين أن القراءة دوما، هكذا أراها، نص متعدد الإحتمالات، لماذا أسجن القارئ داخل شرنقة شرحي.. لنترك لكل قارئ يذهب بتفسيراته وتأويلاته حيث يذهب، أنا واثقة ومؤمن بقارئ متفوق على الروائي.



نلت سنة 2005، جائزة هلمان - هامت الأمريكية التي تمنح للكتاب والصحفيين الذين واجهوا ويواجهون التضييق في بلادهم، ماذا أضافت هذه الجائزة لمسيرتك على الصعيدين الإبداعي والشخصي، خاصة أنك تعرضت إلى مضايقات عديدة في وطنك سوريا، وصل إلى منعك من نشر أعمالك؟

بصراحة، بات هذا السؤال يثقل علي لكثرة ما تردد أولا، حيث ومنذ خمس سنوات، منذ الحصول على الجائزة، وحتى اليوم، أضطر للجواب ذاته، إضافة إلى حجم الهجوم الذي تعرضت إليه من قبل الكثير من الأشخاص الذين يخلطون بين العمل الحقوقي من جهة والسياسي من جهة، وكذلك بين الحقوقي والسياسي من جهة والإبداعي..

حسنا سأجيب، هذه الجائزة كانت بمثابة تكريم لتجربتي كامرأة متحدرة من طبقة عادية، شقت طريقها في عالم الكتابة، حمّلها الإيديولوجيون المعارضون لي، أعباء وانتقادات ، أفسدت فرحي بها، بسبب أني لا أصرخ وأرفع شعارات، كوني كائن منشغل بالهم الإبداعي، دون إهمال الجانب الإنساني والحقوقي، ولكن دون تنظيرات وشعارات فارغة تساهم في تعميق الوهم الشعاراتي وتغريب الإنسان عن ذاته وإلحاقه بالشعارات.



على أي نص تشتغل مها حسن في هذه الفترة، والمعروف عنك أنك تحرصين على التواجد في المشهد الإبداعي في كل موسم؟

هذا ليس دقيقا، لست ابنة مواسم. لقد توقفت عن النشر بعد روايتي الثانية التي صدرت في عام 2002، لما يقارب سبع سنوات حتى نشرت روايتي الثالثة، والتي كنت قد أنهيتها منذ سنوات وتركتها إلى أن جاءت فرصتها للنشر. أتحدث عن ترتيل العدم، أما روايتي الأخيرة، فهي الأولى التي كتبتها في فرنسا. أنا مقيمة هنا منذ ست سنوات، وهذا عملي الأول، أي استغرق مني ما لا يقل من أربع سنوات من كتابة وتردد في النشر، النشر مغامرة لا أجرؤ على الدخول فيها دوما، لهذا فأنا لا أعرف بعد، وليس أمامي من خيار آني.



حاورتها:حياة.س

vendredi 16 juillet 2010

'حبل سري' رواية لمها حسن

بيروت ـ 'القدس العربي': صدر عن شركة 'رياض الريس للكتب والنشر' ـ بيروت رواية جديدة للكاتبة مها حسن بعنوان 'حبل سري'.


باولا بيران، ثمرة علاقة امرأة شرقية برجل غربي. صبية جميلة وجذابة، تعمل في المسرح، ولا ينقصها شيء لتكون سعيدة، الا ان موت امها التي تركتها صغيرة، وعدم فهمها لظروف تلك الأم، ترك فجوة عميقة في داخلها. فهي لا تفهم لماذا جاءت امها 'صوفي بيران' من سورية، وغيرت اسمها، وماتت ودفنت في فرنسا، دون ان تذهب يوما لزيارة بلدها الاصلي، كما تنبغي تسميته.

تذهب باولا الى سورية، منقبة عن جذور امها. علها تفهم وترتاح.

تقع في غرام ابن خالتها، الاخت الوحيدة لصوفي. وقد سحرت طويلا بقصص الحب الشرقي، وبصورة الرجل الشرقي.

تتزوج وتنجب الزا. ويبقى السؤال المحير، هل تبقى في بلد امها الاصلي حيث وجدت رفيق دربها؟ ام تعود الى البلد الذي ولدت وتربت فيه، وتلقت ثقافة مغايرة لثقافة البلد الذي تركته امها؟

السرد يتسلل الى كل الامكنة والمطارح. والنقد لاذع وقاس كما هو الواقع.

الرواية تقع في 480 صفحة من القطع الوسط.

samedi 10 juillet 2010

روايتي " حبل سري" الصادرة حديثا عن دار الريس

lundi 17 mai 2010

Entre Paris et Amsterdam

La résurrection fluviale

C’est l’eau…

L’eau, l’origine de la vie…

C’est l’eau qui prend la ville dans ses bras.

L’eau qui entoure la ville, ses quartiers, ses rues…

Ce sont les canaux d’Amsterdam.


Ces canaux encerclent la ville, Vénus du nord.

Les canaux qui donnent un visage tendre à cette ville.

La ville qui est calme, romantique et plutôt silencieuse…
Lorsque nous somme sortis du restaurant qui donne sur l'Amstel, j’ai dit à Marijke, qui se trouve souvent entre France et Pays Bas, qui habitait a Paris il y a plus de vingt ans, qui aime Paris encore : "regardes comme c’est merveilleux, le fleuve dans la nuit, les lumières dans l’eau… c’est une partie du paradis… cela me fait penser a la Seine, que j’adorais, j’adorais le pont Mirabeau et j’en rêvais dix ans avant mon arrivée en France, grâce a Apollinaire…

Pas un jour je n’avais imaginé que je viendrais ici, de ce côté de monde, près de la Seine, près de l'Amstel pour retrouver une autre vie. Pour repousser, comme un arbre, en me désaltérant d'une autre Eau. Celle de Paris et d’Amsterdam. Où l’eau est ma nouvelle vie.
Osterpark

Il faisait beau… tout le monde est heureux ici.

Les couples amoureux, les adultes, les enfants, les vieillards….

Les pigeons, les chiens, les chats…

L' herbe, les lacs, le soleil…

Tout est heureux…


Même lui, peut être, il est heureux…

Il est là, avec une construction qui nous fait penser à lui.

Il est mort près d’ici.

Là, dans la rue, très près du parc, Theo van Gogh a été assassiné.

L’assassin s'est échappé dans Osterpark, où la police l'a trouvé.

Là, nous rencontrons l’âme de Van Gogh qui se promène, près de son monument.

Un geste de l'artiste Jeroen Henneman.

Theo Van Gogh, arrière-petit-neveu du peintre Vincent van Gogh, a été abattu en pleine rue à Amsterdam.

Théo Van Gogh. Il était âgé de 47 ans, et était l’auteur d'un film sur une musulmane mariée de force, violentée par son mari et violée par son oncle, dont la diffusion à la télévision néerlandaise lui avait valu des menaces de mort.



Il est mort. Mais son esprit est toujours là.

Non pas pour demander la vengeance, mais pour insister, "laissez-moi m’exprimer, sans avoir peur".



Les pigeons de la place du Dam

Combien de fois mon père s’est-il disputé avec mon frère à propos de ses pigeons…Mais en vain !

En effet, mon frère avait une passion spéciale, l'élevage de pigeons.

Dans mon pays, la Syrie, c’est un métier mal vu, les personnes qui l’exercent ont mauvaise réputation, à tel point que les tribunaux ne les prennent jamais comme témoins dans des affaires, car ils sont considérés par l’opinion publique comme des menteurs !

En plus de cela, c’est un métier qui engendre des conflits lorsque des pigeons perdus trouvent refuge dans d’autres élevages que le leur.

Mais c’est normal, pour agrandir la "bande" de pigeons, d’en envoyer certains "séduire" dans d’autres élevages, qui rentrent accompagnés…

Mon père faisait tout pour que son fils abandonne ce métier, et la meilleure solution était qu'il se marie…

A Amsterdam, sur la place du Dam, très connue, proche du Palais Royal, j'étais avec mon ami, et nous grignotions des frites avec de la mayonnaise…Une habitude d'ici l'hiver, comme manger des glaces en été. J'ai commencé à distribuer un peu de mes frites aux pigeons de la place, sans penser que je n'étais pas en Syrie, où ils se méfient et ne s'approchent pas des gens…


Les pigeons amstellodamois se sont non seulement approchés de moi, mais l'un d'entre eux a aussi sauté sur mon bras qui tenait la barquette de frites, essayant de plonger directement son bec dedans ! J'ai crié de surprise et je l'ai chassé.

J'ai continué quand même à distribuer mes frites ; une "copine" du pigeon peu farouche a commencé à picorer, et la mayonnaise a coulé partout, surtout sur mon pantalon noir…

Quels pigeons ! Ils n'ont peur de personne…A Amsterdam, même eux sont libres ; ils oublient qu'en Syrie, on tue les pigeons, et parfois des êtres humains aussi.

Dorrius



Il n'est pas facile de trouver à Amsterdam un restaurant de cuisine néerlandaise. On peut trouver des pizzerias, des kebabs, de la nourriture halal, et de la cuisine anglaise et argentine…Mais pour goûter la cuisine néerlandaise, il faut bien chercher ! En général, tous les restaurants affichent leur nom sur la devanture pour les clients, mais ce n'est pas le cas du restaurant Dorrius.

Quand nous sommes arrivés devant ce restaurant, nous pensions que c'était une maison, ou des bureaux. Un escalier nous conduit vers une grosse porte de bois, solide, comme celle des appartements privés. A l'extérieur, pas d'enseigne, ni de fenêtres donnant sur la rue, ni de lumières. Juste une petite affiche près de la porte…Je me sentais comme si j'allais entrer chez un éditeur !

Dorrius est un restaurant qui existe depuis 1890. Tout y est magnifique. La nourriture, l'endroit même, le service…et évidemment le vin néerlandais, mais le blanc !
C'est calme…On se sent comme si on était seul dans la salle. Les tables ne sont pas collées les unes aux autres, il n'y a pas beaucoup de monde. C'est vraiment comme si on était invités chez la famille, chez des amis, mais pas dans un endroit public.

Pour trouver ce restaurant, Tiziano a cherché sur le net, pour réserver également. En quittant Dorrius une fois la soirée terminée, je me suis rendue compte que l'endroit avait fait naître quelques sentiments en moi ; il mêle authenticité et intimité.


Il est à la fois original et chaleureux. Tout à fait ce que je cherche dans ma vie. Les gens originaux sont très rares aujourd'hui, il y en a de moins en moins. Peut-être qu'un prochain billet parlera de la chance que j'ai eu de tomber sur quelques originaux, soit à Paris, soit à Amsterdam, où j'ai rencontré Tiziano.

L’odeur du Matin
A Philippe Adouard, chaque matin


Chaque matin a son odeur. Ce n’est jamais la même, elle change selon l'endroit ; le village, la ville, le pays.

L’odeur d’Alep, ma ville de naissance, n’est pas celle de Paris, ma ville de refuge, ni l’odeur d’Amsterdam, ma ville de destin.

Je me suis réveillée ce matin avec l’odeur de Bretagne. Même si je suis à Amsterdam.

L’odeur d'un endroit se promène. L’odeur du printemps d’Alep peux se sentir dans le début d'un matin d'été à Gennevilliers, une ville que je n’aime pas trop. Mais qui a dit que l’odeur collait à son lieu ? Elle peut être née dans un certain endroit, mais, après s'être enregistrée dans la mémoire, elle peut nous suivre dans d'autres endroits. Comme l’odeur de Trégomeur, en Bretagne, me suivait ce matin à Amsterdam.


La première odeur de certains endroits peut être différente, par l’endroit même, puis elle déménage de son endroit de naissance ; comme moi j'ai déménagé, elle passe les frontières, comme je l'ai fait, pour avoir une identité particulière. Elle est, par exemple, l’odeur de la Bretagne mais à Amsterdam, ou l’odeur d’Amsterdam en Bretagne…
Je ne sais plus si je suis à Amsterdam ou à Trégomeur … Et pourquoi je ne cesse pas d’écouter "Marion s'y promène" de "Sonerien Du" ?...


Zeyton


Devant moi, près de la caisse, il y avait plusieurs pots d'olives.

Mais lorsque je suis arrivée à la caisse, j’ai oublié comment on dit "olive" en anglais.

Comme je ne parle pas le néerlandais, je me débrouille en anglais pour faire mes courses.

Sans beaucoup réfléchir, comme je sais que les vendeurs sont turcs, j’ai dit en arabe "zeyton", qui signifie "olive", et se prononce pareil en turc et en arabe.
J’ai toujours pensé que le vendeur ne parlait que le néerlandais et le turc… il est d’origine turque, mais je n’ose jamais de lui demander si il est kurde, comme moi.
Le surprise est qu'il m’a parlé en arabe correct… on a continué à parler en arabe, ce que j’évite en France, où cela me met mal à l'aise de parler l’arabe au marché, et quand quelqu’un m’arrête dans la rue, pour me demander un service en arabe, cela m'énerve. Il y en a même qui me draguent en arabe, dans le quartier que je n’aime pas, mais je suis obligée d’y rester, quand je rejoint mon ami.
Je dois expliquer pourquoi cela me gêne quand quelqu’un d'inconnu m’adresse la parole en arabe. Je ne suis pas arabe, et j’ai toujours souffert de porter l’identité arabe. Ma nationalité officielle est l’arabe, mais je ne le suis pas, je suis kurde. J’aime l’arabe, j’adore cette langue, que je maîtrise à l'oral et à l'écrit, en plus, ma meilleure façon de m’exprimer est en arabe. Mais je ne suis pas arabe. Je sens que cela efface, envahit mon identité kurde ; je ne suis pas sûre au fond de moi de me sentir kurde, mais je suis sûre que je n’appartiens pas aux arabes. Même si je ne suis pas kurde, au fond de moi, je ne veux pas être considérée comme une arabe. Cela ressemble à un bébé adopté par une famille qui aurait tué sa propre famille … puis elle a pris soin de lui, ce bébé n’a que cette famille adoptée, mais il ne peut pas la considérer comme sa famille de sang !

Quand un inconnu me parle en arabe, il m’encadre dans l’identité arabe, pourquoi donc, s’il ne me connaît pas, me parler en arabe, si je ne porte pas, pour lui, un certain signal arabe ?

Je ne sais pas comment ce monsieur peut parler l’arabe et le turque. Mais j’étais contente de trouver un autre moyen de communication à Amsterdam, sans penser que cela m’encadrait dans une certaine identité.
Est-ce que je suis capable de parler l’arabe en France, sans être gênée… même si un inconnu m’adresse la parole en arabe, me considèrera-t-il comme une arabe ?


L’exil vert-bleu


Je l’ai suivi des yeux après son départ de chez moi, elle portait le sac bleu que je lui ai donné. Elle a détaché son vélo sur la place verte en face de chez moi, la jolie place où beaucoup de gens viennent prendre le soleil ; dans la place verte, Marta est passée en portant mon sac bleu.

Je suis devenue une image, rien de réel pour les enfants de ma famille, ou plus précisément, pour l’enfant à laquelle je suis attachée, Rama.
Marta va dans mon passé, elle va rendre visite à mon passé, ce passé que j’ai laissé derrière moi, qui est toujours un passé. Il ne bouge pas. Moi je suis là, entre Paris et Amsterdam, c’est mon présent, alors que mon passé est resté à Alep. Marta va a Alep, va dans mon passé en portant le sac bleu, un morceau de mon présent.
Marta va toucher mon passé, va toucher ma nièce Rama, ma sœur, ma ville, elle va respirer l’air censuré pour moi, elle va marcher dans les rues dont je suis exclue.
Pour les gens qui ne savent pas ce qu’est l’exil, l’exil garde le passé. L’exil ne connaît pas le présent. Il y a un seul temps dans l’exil, c’est la passé. L’exilé ne peut se détacher de son passé pour passer à son présent. Tous les temps sont un seul temps : le passé.
Marta est à Alep. Je suis à Amsterdam. Déchirée entre la nostalgie que je m’interdis de ressentir, et l’attente de Marta, mon envoyée vers mon passé.
Les enfants vont toucher le sac bleu de la part de leur tante Maha. Ma sœur va pleurer en embrassant Marta pour respirer mon odeur restée sur elle. Pour sentir mon regard qui a suivi Marta sur la place verte, où Marta a détaché son vélo sans jeter un œil sur moi. Moi, j’étais collée à la fenêtre pour me rassurer, être sure que Marta prendra soin de mon sac bleu. Elle a pris son vélo, elle a pris son avion, alors que je suis encore collée à la fenêtre, mes yeux fixés sur la place verte vide, où il n’y a rien que larmes de Soha, ma sœur.

Le printemps kurde



Depuis toujours, même peut être avant ma naissance, j’adore tout ce qui est mélange. Je n’aime pas le spectacle unique, j’adore la diversité, dans tout.

Quand je fais la cuisine, je mélange pleins d’épices. Quand je lis, j’écris, je n’ai pas qu’une seule ligne directrice pour le faire. Et j’ai des amis de toutes les tendances et de toutes les origines.
A Alep, et dans les provinces kurdes, j’adorais, toute petite, les bazars.

C’était le plaisir des yeux.

A Paris, j’ai connu et adoré, et j’adore encore, les brocantes. C’est encore un plaisir extra des yeux.
A Amsterdam, j’ai visite l’Académie des Beaux Arts, et l’Art plastique m’a bouleversé.
Il y a une soif en moi de spectacles changeants… variés… j’adore la mosaïque, qui peux jouer avec plusieurs couleurs et genres de pierres.
C’est cela le printemps kurde. Une robe faite de toutes les pierres idéologiques, sociales, culturelles et artistiques. Tous sont là, oublient les différences. C’est la fête, le pardon. Et en plus, encore une fois, le plaisir des yeux.
Tout se mélange. Les pauvres avec les riches, la gauche avec la droite. Les hommes avec les femmes, les grands avec les petits… dans la fête, rien n’est interdit. Chacun laisse ses remarques de côté, personne ne se souvient des défauts, c’est la fête, on oublie tout, pour lui faire honneur.
Le jour de la fête kurde, le 21 mars, les kurdes commencent la nouvelle année. Pas de tradition qui empêche la liberté des filles et des garçons, ni de religion qui peux le faire, ni de débats politiques qui séparent les gens … il n’y a que la joie kurde.
Pour moi, c’est la première année que je commence à Amsterdam.

Hier, la police syrienne n’a pas laissé la joie kurde se perpétuer. Elle a ouvert le feu contre les civils, la fête est gâchée… La fête était stoppée… Il n’y avait plus que des victimes qui demandaient du secours. Apparemment, les Kurdes n’ont pas droit à la joie.

Merwedeplien


Je n’avais pas plus de douze ans quand j’ai découvert le Pas de la porte à Alep, en Syrie. Ma vie s’est construite là bas ; tout le monde, les habitants du quartier m’y avaient installé, les Autres de Jean-Paul Sartre m’y ont occupé, et je me suis battue longtemps pour en sortir.
J’ai plus de quarante ans aujourd’hui ; c’est un vrai courage de reconnaître mon âge… Je suis maintenant à Merwedeplien, à Amsterdam, en face de la place verte de Merwedeplien, qui ressemble, quelque part, au Pas de la porte à Alep.
Un endroit qui fait se réunir tout le monde, quand il fait beau, pour prendre le soleil, jouer, faire promener les chiens, lire, faire un pique-nique … Et même quand il neige, pour jouer, prendre des photos…
Ces deux endroits, le Pas de la porte de la maison parentale à Alep, et la place de Merwedeplien, sont des lieux qui représentent le spectacle du quartier. Ils sont le théâtre symbolique du quartier, dont je peux estimer l’humeur en jetant un œil matinal, pour deviner ce que sera celle de cette journée….
Ces deux endroits existent pour nous aider à sortir de notre solitude, à s’amuser, à se rapprocher des autres.
Le Pas de la porte à Alep était fait de pierre, il est donc gris ou blanc, alors que la place de Merwedeplien est verte, entourée d’arbres, dont, je n’oublie pas de le préciser, mon noisetier.
Je refusais souvent d’aller sur le Pas de la porte à Alep et de partager les bavardages des femmes de quartier, j’étais souvent rejetée et critiquée par elles, alors que je peux partager la joie de tous a Merwedeplien, ils ne se confrontent jamais à mon caractère. Ils ne me critiquent pas, je pense, et ne me demandent de partager leurs bavardages.
Le Pas de la porte a laissé tout le monde entrer en moi tranquillement, ils étaient tout bienvenus, j’étais habitée par les autres, alors que Merwedeplien aide mes anciens habitants à sortir de moi, et à aller s’amuser loin de moi, hors de moi…


Spui

J’ai plusieurs raison d’aimer la place Spui à Amsterdam :


- Pour aller au bureau de Tiziano, il faut prendre le tram jusqu’à Spui, puis traverser la place vivante de Spui, et après le canal, c’est la rue Singel, ou je le retrouve.

- Pour chercher des livres français, ou aller voir Maarten à la bibliothèque "Athenaeum Boekhandel", c’est encore à Spui, au 14-16.

- Pour s’amuser le vendredi en cherchant nos livres perdus, c’est place Spui, où il y a le marché du livre, chaque vendredi.

- Sur la place Spui, on trouve le café Luxembourg, où on peut donner nos rendez-vous particuliers, avec les écrivains et les critiques littéraires ; ici, j’ai vu pour la première fois la merveilleuse Margot, une femme qui a intelligence et talent culturel et, à la fois, un caractère féminin, qu’elle ne sacrifie pas à son intelligence.

- Nous pouvons trouver également à Spui, au 25, le centre culturel de Spui. C’est la merveilleuse Margot Dijkgraaf qui est la directrice du centre culturel et académique, au cœur d’Amsterdam.

- Nous pouvons prendre le bateau d’ici, près de Spui, et voir Amsterdam par ses canaux.

- Le marché des fleurs n’est pas loin de la place Spui ; si on prend le tram, on descend à Spui , et puis on marche quelques pas pour arriver au marché, rue Singel.



J’ai le droit d’aimer Spui, n’est pas ?



Petites explications :



- Tiziano est la première personne avec qui j’ai eu contact à Amsterdam. Même si je l’ai connu à Paris, il restera la personne la plus proche de moi à Amsterdam. Il travaille à la Fondation pour les Lettres, il appartient au temps des cavaliers littéraires…

- Maarten, on ne peut pas échapper à son parfum intérieur. Je sens quand je le vois, que je suis dans le temps du luxe. Il est pour moi un symbole de temps parfumé, par son caractère délicat et culturel.

- Margot à l’âme qui saute à l’extérieur, mais doucement. Je sens son âme dans ses yeux tranquilles et curieux à la fois, c’est une femme qui touche tout le monde par sa douceur et son attention. Mais ce n’est pas facile d’approcher d’elle, car elle a ce parfum particulier, comme celui de Maarten, qui fait que je sens que le monde est encore bon… Je ne peux pas trop m’approcher, j’ai peur d’abîmer ce parfum, sa beauté fondamentale.

- Le café Luxembourg donne sur deux endroits. Quand on s’assoit d’un côté, on a une vue sur la place Spui, qui est très vive. De l’autre côté, on peut admirer romantiquement le canal…
Le cœur de Maha


Carina


C’est un bon dimanche. Il faut beau. Carina est sortie avec son mari et ses deux garçons pour jouer au football sur la place Merwedeplein, devant chez moi.

Le football est un jeu célèbre. Tout le monde l’aime.

A Alep, devant le Pas de la porte, sur la place, les garçons du quartier viennent pour jouer au foot, et souvent les voisins crient sur eux. Ou ils font beaucoup de bruit. Honnêtement, ce n’est pas un bon endroit pour jouer, surtout quand les femmes du quartier se réunissent sur le Pas, le seul endroit ou elles peuvent profiter d’un petit espace de liberté.
Quand le ballon de foot tombe sur le Pas, au milieu d’une réunion, et touche la tête de quelqu’un, une femme prends le prend pour menacer les garçons : "soit vous dégagez d’ici, soit je déchire la balle..." . Un chantage qui échoue souvent pour les femmes, car les garçons s’arrêtent un instant, et rejouent de nouveau, et de nouveau, c’est la bagarre.
Carina joue devant moi, pas comme une femme, ou comme l’image de la femme, celle qui s’assoit gentiment et regarde les joueurs ; Carina joue comme un garçon, comme un mec.
Je comprends doucement pourquoi les enfants occidentaux ont une bonne santé psychologique. Et pourquoi les orientaux n’ont pas celle-ci, ce genre de liberté et d’amour. La sécurité familiale, la Maman, comme le papa, jouent avec les enfants, sans user de leur autorité.
Si Carina jouait devant le Pas de la porte à Alep, ou dans n’importe quelle ville orientale, les gens seraient scandalisés. Et personne ne l’aurait laissé tranquille. Même l’image de "Carina qui joue au football sur le Pas de la porte" est très surréaliste et difficile à imaginer, sauf dans un billet fugitif, comme je le fais ici…

Aldo, le littéraire vagabond



Hier, j’avais un rendez-vous près de la bibliothèque, j’étais quelques minutes en avance, je me suis donc assise sur une chaise de la place Spui pour fumer ma cigarette ; toutes les chaises étaient prises, il faisait beau, et c’est rare ! J’ai partagé une chaise avec un monsieur, qui était seul. Quelques secondes plus tard, le monsieur s’est mis à me parler en anglais, disant qu’il est italien ; je lui ai répondu que je parlais français, il s’est approché de moi, il parlait très bien français lui aussi. Il adore le français grâce à une essayiste de l’hexagone dont je n’ai pas retenu le nom, elle a fait un livre sur le nouveau roman, le multi-logo, comme me l’a dit Aldo, si je ne me trompe pas sur son prénom…
Je me suis assise près de Aldo, on a bavardé quelques minutes sur la littérature, lui qui "compose" les mots, comme il dit, et moi qui adore les mots.
Aldo est un poète rare, il refuse le mot poète, il m’a dit : "je compose les mots, mais je n’écris pas de poésie". Les mots sont sa patience, il a quitté l’Italie pour s’installer aux Pays-Bas, ce pays qui attire les artistes, depuis Van Gogh jusque à ce jour. Aldo se trouve souvent sur la place Spui, il est barbu, porte un sac à dos, mange rapidement sur la place, il a l’air d’un vrai vagabond. C’est le cas des vrais artistes qui abandonnent tout, pour rester net, sans rien, rien d’autre que l’art.
J’étais contente de parler avec lui, j’ai senti comme si je découvrais une source artistique inconnue, par cette rencontre inattendue, due au hasard, auquel je crois. J’étais contente de lui parler, en plus, pour savoir à quel point je peux négliger mon éducation, comme si j’examinais toujours ma liberté, pour voir si je peux dépasser le tabou des hommes. J’ai parlé avec une personne que je ne connais pas. Comme si on se connaissait. Sans tabou, sans peur, même sans se présenter. Il ne connaît même pas mon prénom, je lui ai dit au revoir en le quittant sans qu’on se connaisse, c’est peut être normal pour lui, mais pas pour moi, une femme qui vient d’un pays où les échanges verbaux entre les femmes et les hommes sont interdit, sont un tabou. Si un homme inconnu adresse la parole a une femme, la femme est scandalisée, elle peut le frapper, et même demander l’aide de son entourage pour donner une bonne leçon à cet homme qui ose dépasser les traditions des comportements entre sexes opposés. Tout cela, parce que quand l’homme parle avec une femme inconnue, c’est juste pour demander "du sexe". C’est le seul lien entre les femmes et les hommes.
Quand je passais dans la rue principale de mon quartier, pour sortir, ou rentrer chez moi, les regards des hommes grouillaient dans un coin, pour observer les filles, comme des chasseurs attendant leur proie. J’avais énormément de colère en moi, et j’étais stressée en passant devant leurs regards qui m’examinaient de haut en bas. C’était impossible d’échanger quelques mots avec l’un d’eux, je sentais que je n’avais aucune protection contre eux. C’est pour cela que la femme réagit violement contre un homme inconnu. Les rôles là-bas sont toujours les mêmes : le chasseur et la proie.

Amsterdam, capitale mondiale du livre

Je suis devant la télé néerlandaise, j’attends le journal de 18h. Je ne comprends pas le néerlandais, mais je regarde les infos de l’ouverture de la fête, Amsterdam capitale mondiale du livre 2008.

Maha Hassan… je n’ai compris que mon nom et prénom. Je ne sais pas ce qu’a dit la présentatrice. Mais c’est moi. Mes deux livres, dont je parle avec mon mauvais français.

Dans "mon pays", la Syrie, Damas était désignée comme la capitale de la culture arabe pour 2008. Mais les meilleurs écrivains syriens sont divisés entre l’exil et la prison. On a beaucoup parlé de ce paradoxe. Comment célébrez-vous la culture, alors que les intellectuels sont prisonniers ou exilés ? Le ministre de la culture a dit qu’il était prêt à publier les poèmes des écrivains emprisonnés.
Dans "mon pays", où la politique se mêle de tout, où il n’y a aucune liberté d’expression, je n’arrivais plus à publier mes romans… J’ai choisi l’exil, parce que je cherche la liberté, je ne veux pas rejoindre les écrivains dans les prisons.
Je passe à la télé néerlandaise, dans la ville qui fête son statut de capitale du livre, alors que la Syrie fait la fête aussi, à sa façon, mais en l’absence de ses meilleurs écrivains, des écrivains qui adorent la liberté.
Félicitation Amsterdam ! Merci Amsterdam de me donner ce statut, je suis un écrivain libre. Je ne regrette jamais d’avoir choisi cet exil, l’exil libre, l’exil qui m’a libéré de ma peur quasi permanente, pour que je me batte de plus en plus, pour la liberté de "mon pays", pour la liberté d’écrire, la liberté de publier, la liberté de parler, la liberté d’exprimer… la liberté de vivre.

Exercice de la liberté pour un(e) étranger(e)




Pour les gens qui sont nés libres, l’exercice de la liberté ne leur dit rien, ils sont simplement libres !

Mais pour les gens qui ne sont pas nés libres, comme moi, ils se battent à chaque instant pour récupérer cette liberté, qui devient parfois comme un symbole fantastique, irréaliste ; que veut dire la liberté pour les gens comme moi, qui n’ont pas eu la chance de l’expérimenter ?
La liberté n’est pas évidente pour nous, elle est le fruit de longs combats, dont le plus dur est celui contre soi. Quand on n’est pas habitué à la liberté, on a besoin de chaque instant pour se convaincre qu’on la mérite, qu’on est vraiment libre, que ce n’est pas un fantasme ! Mais est-ce que, vraiment, nous sommes libres ?
Entre Paris et Amsterdam, ou Amsterdam et Paris, je sens que je suis libre, dans cette distance, où je suis dans le train. Mais quand je suis à Paris, ou à Amsterdam, je ne me sens pas assez libre ; ce n’est pas que parce que la liberté n’existait pas dans mon éducation ou dans mes traditions, mais aussi parce que je suis étrangère !
En tant qu’étrangère, je ne peux pas sentir le plaisir de la liberté, je porte encore mon héritage de la peur, la peur qui ne va pas avec la liberté, car la liberté a besoin de la sécurité.

La liberté pour les étrangers n’est pas qu’une tradition manquée, ou des pratiques absentes, mais aussi des règles sociales qui justifient la sécurité, pour que la liberté devienne réelle… Et nous, les étrangers, nous n’avons pas ces garanties sociales ; à vrai dire, nous avons toujours peur, donc ne nous sommes pas libres.

Je ne suis pas libre, ni là, dans les pays de la liberté, ni évidemment, dans mes "pays", les pays qui étouffent cette liberté. Où vais-je donc pouvoir aller la trouver ?

Quitter - Aller


Le verbe "aller" m’a séduit longtemps, je n’étais pas toujours satisfaite, j’avais, et j’ai encore, l’envie de me déplacer, d’aller ailleurs, comme s’il y avait toujours un côté secret du monde, que je voulais découvrir ; la vie pour moi est toujours manquée si je ne cherche pas ce côté invisible.
Le problème est que pour "aller", il faut "quitter". Quitter, le verbe plus dur pour moi, le verbe qui m’a accompagné durant tout mon parcours, le verbe qui m’a arraché de tout, qui a emporté ma sécurité, qui m’a vidé de cette sécurité ; la sécurité est quelque part la stabilité, alors que "quitter" est un verbe mouvementé, mobile… il ne connaît pas la stabilité.
J’ai quitté la Syrie, "mon pays" toujours entre guillemets, j’ai donc quitté ma famille, ma maison, mes souvenirs, mes sentiments, mes amis…. Pour "aller" en France.
En France, j’ai eu l’occasion d’ "aller" aux Pays-bas, j’ai donc quitté la France, et aussi mes amis, mes combats, mes souvenirs, mes sentiments … et je suis allée à Amsterdam. J’aime aller, mais j’ai été obligée de quitter.
Une fois à Amsterdam, j’ai eu une opportunité à Paris. J’étais stable, même heureuse à Amsterdam, et j’ai commencé à construire mes sentiments là-bas ; et brusquement, j’ai quitté Amsterdam.
Dans le Thalys, d’Amsterdam à Paris, j’étais triste de rentrer, la même tristesse que j’avais en quittant Paris pour aller à Amsterdam. La même tristesse que j’avais en quittant la Syrie.
Est-ce que les linguistes peuvent me réinventer le verbe "Aller" pour qu’il n’aille pas toujours avec le verbe "Quitter" ?

Loin d’Amsterdam

C’est comme si mon génie d’Amsterdam était fâché contre moi, peut-être est-il en vacances, mais j’espère en tout cas qu’il n’est pas malade, car il a disparu cette semaine, et je n’arrive pas à écrire.
J’ai quitté Amsterdam en cherchant mon génie, la destination était Bruxelles.
Bruxelles a su m’attirer dès le premier moment ; c’est une ville particulière.
Normalement, quand on voit une ville pour la première fois, on cherche dans sa mémoire, ou dans son dépôt intérieur, pour comparer cette ville avec d’autres que l’on a déjà vu.
J’ai mis du temps pour aimer Amsterdam, mais Bruxelles m’a plu tout de suite.
Entre Paris et Amsterdam, mes grandes villes auxquelles je suis attachée, Bruxelles a une place différente ; elle ne ressemble ni à Paris, ni à Amsterdam.
Dans la rue, on peut utiliser notre français facilement ; cela m’adoucit, ça suffit l’anglais ! Je parle français avec tout le monde, mais je ne suis pas en France.
Bruxelles est une ville modeste, elle ne cherche pas à imposer sa beauté ; pas de bruit de foule, on peut la découvrir tranquillement.
La grande place de Bruxelles permet d’identifier cette ville, car elle abrite les châteaux ; on sent cette protection chaleureuse, mais on ne perd pas la liberté ; on n’est pas enfermés entre les quatre murs de cette magnifique architecture.
A Bruxelles, on remarque les montées et les descentes ; cela, je ne l’ai vu ni à Amsterdam, ni à Paris. Mais je l’ai déjà vu en Syrie !
Paris, Amsterdam, et Bruxelles, ne se ressemblent pas. Mais la liberté se trouve dans ces trois villes que j’ai connues. Le fait est que la liberté ne se trouve pas dans les autres villes orientales !

Albert Cuyp



J’ai toujours été intéressée par les marchés et je les cherche toujours.
En France, c’était un grand plaisir de découvrir les Puces de Montreuil, j’étais ravie de redécouvrir la passion de mon enfance ; plus tard, j’ai connu d’autres grandes Puces, comme celles de la porte de Clignancourt.
Quand j’étais petite, j’adorais aller bricoler avec mon père, dans des anciens marchés ; on avait à Alep, ma ville de naissance, le marché du vendredi, où on pouvait trouver beaucoup d’objets rejetés, abimés, cassés… mon père les cherchait et les réparait !
Mon père était, un grand bricoleur ; ce n’est pas parce qu’il aime bricoler, mais parce qu’il est pauvre, et je pense aussi avare, cela lui permet de dépenser peu d’argent !

Je n’ai pas hérité de la passion de mon père, le bricolage, mais j’ai hérité de la passion de se promener dans les marchés, et au contraire de lui, de dépenser de l’argent, peut être aussi par vengeance de sa ladrerie.
A Paris, j’ai découvert aussi les brocantes, ma grande passion en France ; j’essayais toujours de ne pas louper celles proches d’endroits que je connaissais, et j’insistais auprès de mon ami pour qu’il m’emmène aux brocantes loin de Paris.
A Amsterdam, le marché quotidien d’Albert Cuyp me permettait d’assouvir ma passion pour les marchés, car il se tient toute la semaine, sauf le dimanche.
J’ai bien profité des promenades dans le marché Albert Cuyp, j’ai aimé dépenser de l’argent, même si je vais jeter la moitié des mes achats ; j’ai retrouvé la grande passion de mon enfance, et elle a trouvé une belle terre, la France, pour s’épanouir, grâce aux multiples marchés, et Amsterdam, grâce au marché Albert Cuyp.

Le secret d’Amsterdam



Quand nous étions petits, ma sœur, mon frère et moi trichions quand nous faisions le ménage avec ma mère…Lorsque c’était le moment de laver le sol du grand salon de notre maison arabe, nous bouchions le regard de la pièce, ouvrions le robinet, et laissions l’eau couler, pour nous mettre à genoux et faire des glissades…

Cela énervait souvent ma mère, mais parfois elle acceptait notre jeu, car nous ne pouvions pas aller à la piscine, pour plusieurs raisons : le manque de moyens, notre culture qui néglige les désirs des petits comme s’ils n’existaient pas, et l’autorité parentale. Pour mettre en œuvre ces envies enfantines, la seule façon était de désobéir aux parents, de tricher. C’était donc notre "trahison".

Plus tard, mon père, qui nous punissait pour notre imitation des nageurs, à découvert ce plaisir avec les enfants de ma sœur, et il nous a imité : boucher le regard du salon, faire couler l’eau, et se mettre sur les genoux…
A Amsterdam, je cherchais toujours le secret de la ville, outre mon génie ; il y a quelque chose qui m’attire à Amsterdam, qui me fait du bien.
Si le pouvoir de Samson était dans ses cheveux, pour moi, le pouvoir d’Amsterdam est dans son eau. Samson a perdu son secret quand on a lui coupé les cheveux, il faut protéger Amsterdam, il faut garder le secret d’Amsterdam pour sauvegarder son eau ; le secret est l’eau. L’eau, qui était un jeu confidentiel pour nous, les enfants de ma famille, et peut-être pour la majorité des enfants.

C’est l’eau qui m’a attiré à Amsterdam, qui m’a inspiré pour rédiger mon premier billet, Amstel et les canaux, d’où le joli titre que Fanny a proposé pour mes billets d’Amsterdam, la ville aux mille et un canaux. Et voilà, ce dernier billet, c’est pour confirmer et célébrer le charme d’Amsterdam, remercier son eau, en citant ce proverbe arabe : "si nous buvons l’eau d’une ville, nous revenons à cette ville". Comme si l’eau était un cordon invisible, comme si elle était le lien sacré qui nous attache à la source, comme si j’étais faite d’eau.

mardi 16 mars 2010

اليوم الأول في "زيارة حنان"، حيث يرقد أبي الآن

اليوم الأول في "زيارة حنان"، حيث يرقد أبي الآن

" أمينة، داستيمن بارمادا" .

بهذه العبارة أنهى أبي حياته، في صبيحة الأول من مارس 2010. " أمينة، لا تتركي يدي"، كما لو أنه اعتقد أن يد أمينة القوية، ستشده من الموت، فتبقيه حيا.

تنبهت لنقل أمي لعبارة أبي الأخيرة، بأنه كان يتحدث معها باللغة الكردية.

كان أبي يتحدث معي بالعربية ، وكذلك مع إخوتي وأختيّ ، ولكنه مع أخواته وإخوته، وأصدقائه، وأمي، كان يتحدث بالكردية.

مع أنني أتقن الكردية، إلا أن أبي لم يعتد استعمالها معي، كما لو أنه فصل حياته لغويا، بين حياة حميمية ورثها وجاءت إليه دون خيارات، وحياة أخرى أصبح فيها شخصا مسؤولا، مربيا .

في حميميته مع الأصدقاء، والأهل، وأمي، تحدث الكردية . وفي علاقته المتأرجحة بين الرفض والقبول، معنا نحن أبناءه، وأرباب العمل، وأهل الحي ... كل هذا العالم الذي فُرض عليه،اختار العربية للتواصل .

أدركت بغتة أن أبي عاش متقطع الهويات، ولكنه مات كرديا، بل، ومات مسلما.

-1-

في الساعة السابعة من صباح الاثنين الأول من آذار، استيقظت كالعادة، لأحضر قهوتي أولا، ثم أفتح جهاز الكمبيوتر لأطلع على بريدي وأخبار العالم من حولي، عبر شبكة الانترنت . فعلت هذه الأشياء، حضرت قهوتي وفتحت الكمبيوتر، وبانتظار إقلاعه، أخذت جهاز هاتفي فألقيت نظرة متلصصة عليه، وهذا ما أفعله أحيانا، ولكن ليس ضمن برنامجي الصباحي، لأرى فيما لو كان ثمة اتصال ما أثناء نومي، إذ أفصل هاتفي عني حين أنام، وأتركه وحيدا في الصالون.

رأيت اتصالا من أختي، في الخامسة صباحا، أي السادسة بتوقيت أهلي في حلب، " عصّني قلبي " وأحسست بشيء ما ... في الوقت الذي كنت أقول فيه لفيليب " آه، ثمة رسالة من أختي "، كان قد فتح الباب وشرع بالمغادرة، كما لو أنه يحاول التملص من النظر إلي ... ليعدّ انفعالاته بعيدا عني.

فتحت الرسالة، وقرأت الكلمتين اللتين كتبتهما أختي، واللتين لا أستطيع حتى لحظة كتابة هذه الصفحات أن أعيدهما ... كتبت سها العبارة بالفرنسية، مؤلفة من الفعل والفاعل، جاهلة أو بسبب الانفعال أسقطت فعل الكون الفرنسي من الجملة، لأننا نستعمل أفعال الكون في حالة كهذه، أو بالأحرى، ماضي فعل الكون، كفعل مساعد .دون فعل مساعد، كتبت أختي الرسالة، كأن الفعل هو مضارع، مع أنه أصبح، حين تمّ وانتهى حدوثه،ماضيا .

كتبت سها

Papa mort

بدلا من

Papa est mort



إلا أن العبارة الأولى، الخاطئة نحويا، ستبقى بمثابة لازمة ملاصقة لتصوراتي القادمة، ولمحاولاتي في تثبيت الحادثة واقعيا في رأسي .

ضغطت أرقام النداء الدولي، واتصلت بأهلي.

كانت أصوات البكاء تأتيني بوقار، لا عويل ولا صراخ، بل بكاء مهذب، مختلط بادعاء الفهم والقبول. من أجلي، كانوا يكتمون بكاءهم .

راحت أمي، بوصفها أحد الأشخاص المغذّين لقدراتي السردية، من حيث رويها التفاصيل بدقة، واستعراضها لجزئيات لا يلحظها غيرها، وبل بمهاراتها السردية في تكرار سرد أي حادثة، دون أن تكون الحكاية هي ذاتها، تبرع أمي بخلط الواقع مع رغباتها، وتسرد الحدث ذاته في عدة روايات، إلا أنها كررت عبارة " أمينة، داستيمن باماردا"، دون أن تلعب بها .

راحت أمي إذن تصف لي بدقة :

" إنه هنا، جواري، يستلقي كنائم .. عمتك فريدة تغني له، وتتحدث إليه، سها ونائلة جالسات قربي، ننتظر الرجال الذين يحضرون القبر".

تحدثت إلى سها ونائلة سريعا لأطمئن عليهما، ولأشعرهما بقربي منهما ...ثم أغلقت الهاتف منتظرة الفصل القادم من رحلة أبي الأخيرة.

نسيت الكمبيوتر، وتركت قهوتي أمامي على طاولة الصالون، حيث كان هاتفي مرميا طيلة الليل .حين عاد فيليب بعد أن أنهى جولة الصباح مع الكلبة، كان قد هيأ نفسه لسماع الخبر . رآني صامتة، هادئة، بلا حراك، ولكن ليس خلف مكتبي، قال كلمة واحدة " والدك ؟ "، هززت برأسي، ونزلت دمعة خفيفة .

وضع فيليب يده على رأسي محاولا ألا يستفز انفعالاتي و سألني إن كنت أريده أن يبقى معي، أجبته بهدوء بأنه لا داعي لهذا، ما حصل قد حصل، وليذهب إلى العمل.

غادر فيليب، وبقيت وحدي.

وحدي.

أحسست في تلك اللحظات الطويلة، بعمق وحدتي وحقيقتها .

كانت الساعة تقترب من السابعة والنصف، وكان العالم فارغا في تلك اللحظة.

في تلك اللحظات، لم يكن أمامي سوى معنى واحد، أنني " مشلوحة " هنا، وحيدة، ولا أحد معي، ولا أعرف حتى كيف أحزن، أو أبكي ... لم أعرف ماذا أفعل .

ذهبت إلى سريري، جلست وقد انغلق العالم عليّ، تذكرت " العمى" لساراماغو... صار العالم خاويا، ليس أعمى، بل غائب، أو غير موجود من الأساس.

بعد ساعة تقريبا من ذهول ومحاولة فهم، قارئة رسالة أختي عدة مرات، لأفهم ما حدث، بدأت أستوعب، أن أبي مات هذا الصباح.

-2-

 
ثمة شيء انقلع مني، شيء اقتلع من داخلي ... ثمة خوف وقهر كان يتملكني، أحسست بذل كبير، ذل الموت .

الصورة الثابتة التي رافقتني طيلة تلك الساعات، هي أني كنت أحاول تخيله وقد أصبح " ميتا" ... ترتجف أصابعي، وتنهمر دموعي، أتوقف عن الكتابة الآن، أكتب ما أكتبه هنا على دفعات، أشعر أنني أخونه، أحوّل " لا أستطيع قولها" إلى تجربة لي ... أحاول أن أصدق العبارة، أكررها، رسالة أختي، كلام أمي ... أستعيد وأكثف صوته وصورته، فلا يتطابق كل هذا مع حقيقة لم تصبح بعد حقيقية بالنسبة لي، هي أنه .... أعجز عن تدوين الفعل.

إنه لم يعد موجودا، هذا ما يجب فهمه، وقبوله.

أنا لم أفهمه بعد، فكيف أقبل به.

لا أفهم أن أبي لم يعد هنا.

أتوقف عن الكتابة، العبارة تمزقني، آخذ فاصلا من البكاء، لأعود وأدون.

أعود في اليوم التالي لمتابعة الكتابة. لدي رغبة في الكتابة ومشاعري لا تزال طازجة، لدي رغبة في فهم نفسي عبر الكتابة، في تخليصي عبر الكتابة، وربما ذات يوم، تقديم العون لقارئ ما، إن مر بتجربة مماثلة.

اتصلت البارحة، بسبب عجزي عن متابعة الكتابة، بصديق لي، كاتب فرانكفوني، أسأله عن إمكانية الكتابة في هكذا حالة، لكني لم أعثر عليه، وأنا في هذه الفترة،لا أتصل وأتواصل، إلا بحلقة ضيقة من أشباه المقربين، إذ وجدتني في هذه الظروف، وحيدة من الداخل، وتعمقت مشاعري بالا انتماء واللاتشابه .

إلا أني صديقة أخرى ( أستخدم صفات كهذه، دون أن يكون لها عمق حقيقي بداخلي، لأن صداقاتي تكاد تكون معدومة، وسأفسر هذا لاحقا)، حذرتني هذه من الكتابة في هذا الظرف، لأنها تؤلم أكثر.

حسنا، أنا اليوم أستعيد بعض قوتي لأكتب،أرغب في "حبس" انفعالاتي في هذه الصفحات البيضاء على وورد حاسوبي.

كنت قد وصلت تقريبا إلى ما بعد رحيله بساعات قليلة، وكانت أختي قد اتصلت بي من هاتفها المحمول " شكرا للمحمول، المتنقل، اللاشبكي"، لتخبرني بحميمية لصيقة، كما لو أن جسدي يمتط، يتمدد، فأجد جزءا فيّ في باريس، وجزءا آخر امتد مني، وحط في السيارة الكبيرة التي حملت " جثمان" أبي . ( لا أزال حذرة في استعمال ألفاظ تبدو غير واقعية بعد بالنسبة لي، وأضعها بين أقواس، لأنها لم تدخل بعد في وعيي، ولم تتحقق أو تأخذ حيزا حقيقيا " . أختي في السيارة، جالسة جواره، تتحدث إلي، أمامه، تعتقد، وأنا مثلها، بأنه يسمعنا ... ثلاثتنا فقط، معا، روحين ربما، روحي وروحه المحلقة هناك، وجسد أختي، أو ربما جسدين، جسده المسجى أمامها، وجسدها جالسة قرب رأسه، تمسح على جبينه ... لا أعرف إن كان مجرد جسد، أو أنه روح تحلق في مكان ما، أكانت روحه قريبة مني ولا تؤاسي ألمي، ولا تهمس لي بكلمات تخفف من إحساسي بفقداني التدريجي لروحي التي ترغب أن تخرج مني.



أغادر باريس، تحضر روحي بينهما، أقول لها " قولي له أني على الخط "، ترد " نعم، أنا أشرح له كل شيء " .

كانوا في الطريق إلى القرية . ماتنلي التي شكلت انفعالاتي الأولى، طفولتي الأنيقة، وصباي السياسي، وتكوني الهوياتي إذا كان وصف الهوية هكذا، أو الوجودي .

انتهى الاتصال،وعاد إليّ رأسي الممطوط إلى طريق حلب ـ عفرين ... قابعا فوق كتفيّ. استقرت عينايّ في مكانهما في رأسي هذا .... وعاودت التنبه إلى أنني في هذه الباريس الكبيرة، الحافلة بالشمس والمترو والبشر والحركة ... أقبع وحيدة بين عدة جدران، أتواصل مع حلب، حلب فقط من جميع بقاع العالم، عبر الهاتف ...

كتبت رسالة إلى عارف، جملة وحيدة فقط " هذا الصباح، فقدت أبي " .

مابين الحزن والذهول والألم، ثمة خطوط انفعالية تتصاعد وتهبط، ثمة صور تحرك البكاء، وأخرى تخلق التأمل والصمت ...

يصعب التقاط خيط انفعالي واضح وتتبعه وعيشه، لأنه مجموعة صور متلاحقة، كل صورة، تأتي اعتباطيا، ولا أعرف محرضات ورودها عن غيرها، تحرك انفعال ما، فأتنقل من حالة لأخرى، تماما كمركب في الماء، يعلو ويهبط، دون قرار، بل وفقا لتيار الهواء ... كانت انفعالاتي تلحق أفكاري، التي تخلقها الصور ...

ربما أستطيع أن أركز قليلا، فأحصر الصور الرئيسية التي كانت تأتيني :

ـ ممسكا بسماعة الهاتف في آخر اتصال بيننا ... كان يأمل بأن نلتقي، كان خائفا من الذهاب، كان يحاول الفرار من شيء يحس بأنه يلاحقه ... الفرار... هو ما تركز في هذه الصورة .... الفرار من الموت.

ـ ممسكا بيد أمي في المستشفى، عبر جملته الأخيرة " أمينة، داستيمين ... "، محاولا أن يشد وجوده إلى الحياة، خوفا من الذهاب إلى العدم.

ـ أبي لا يشعر بشيء الآن، لا يسمع، لا يحس، لا يتألم ... أو، يشعر، يحس، يسمع، يتألم، ولكنه لا يأتي بأي فعل، فقد انتهت أفعاله....

كان لدي بعض الطمأنينة، أنه لم يذهب بعد،أنه في الطريق ... كنت أنتظر أن يتصلوا بي بعد العودة من المقبرة. لأدخل فصلا آخر من انفعالاتي.

حسنا، حتى الآن، تبعته في الغرفة الكبيرة في منزل أهلي، وهو " راقد " في الفراش، تجلس فريدة قرب رأسه، و" تهنهن " له بتلك " العديّات" الخاصة بهم .... والجميع حوله.

تبعته وهو يغادر الحارة والمدينة، في طريقه إلى ماتنلي .... وتوقفت بي مخيلتي هنا، لا أعرف أين وصلوا، أنتظر بعد الزيارة " زيارة حنان " .... ولم أعد أعرف أين وصلوا.

كانت الساعة تشير إلى التاسعة وأربع وعشرين دقيقة في فرنسا، حين أمسكت بورقة بيضاء، سجلت فيها : 1 ـ 3ـ 2010

كما لو أن قضيتي قد انتهت

كما لو أن المحكمة قد أغلقت أبوابها

كما لو أن الامتحان قد أقفل، ألغى، توقف ...

عليّ الآن رمي جميع ملفاتي ووثائقي مع الحياة

الحياة التي كانت ردا على وجوده

أخذ أبي كل معاركي ونضالاتي في العيش

ثمة فراغ كبير أمامي، فراغ هائل

لا أعرف أين ذهبت الحياة

لم يعد لأي شيء قيمة في أن يصير أو لا يصير

كنت أحيا رداَ عليه

كيف أحيا الآن، وقد ذهب مؤسس العيش لدي

منذ هذا الصباح، الأول من آذار 2010 ستأخذ حياتي شكلا آخر، لا أعرف كيف سيكون، ولكن هذا التاريخ سيفصل حياتي إلى حياتين، واحدة قديمة، سابقة، أسسها أبي، وتابعت أنا بناءها ردا عليه، انعكاسا له، محاولة دوما الاختلاف عنه، الهروب من التشابه العميق بيننا، متخذة هويات فكرية متناقضة مع هوياتي الروحية التي أنشأها أبي ... كنت صدى له، كنت انعكاسا له، ولكنه بعد أن راح ـ ينبغي عليّ فهم فعل راح ـ لا أعرف كيف سأكون؟

كان بمثابة المرآة المرفوضة، ولكني كنت أكتب، أناضل، أحيا ... متجملّة عبر كل هذا، له ... لقد ذهب ناظري، جمهوري، شاهدي، قاضيي الذي انتظرت أحكامه ... فأين اذهب بوجودي الذي فقد أساسه: من أجل أبي ـ ردا على أبي ـ ضد أبي ....

كما لو أننا في رحلة مشتركة، كل منا يقود الحافلة وفق فهمه للعيش، كنا في رحلة خاصة بنا نحن الاثنين، لقد توقفت بي الحافلة في مكان ما، ليس من الهم أبدا أن أعرف ما هو، أو أن أسميه، نزل أبي من الحافلة، اختفى في مكان ما، وتركني أحاول القيادة دون أن أتشاجر معه، أو أختلف معه، حيث من خلال ذلك الاختلاف، تحددت وجهات حافلتي.

عليّ الآن، إصلاح الحافلة، فيما بعد سأحاول معرفة أين يكون الطريق ... ليس الطريق هو المهم في هذه اللحظة، بل الحافلة التي توقفت بي، وتركها أبي الماهر في التصليحات والميكانيك، تركها لي لأعتني بالبراغي والرنديلات وأجرب كل الاحتمالات، حتى تنطلق بي الحافلة، دونه، من جديد، لأول مرة عليّ أن أتعلم كيف أقود حافلتي وحدي، دون أن أنظر في المرآة، منقبة عن ملامحه، مستفسرة عن رضاه أو غضبه، فيما لو كنت في الطريق الصحيح أو أني ضللت المسير.كيف أقود وحدي، دون مرآة، دون إيحاء بالطريق؟

جالسة أمام حافلتي المعطوبة، أنفجر ببكاء حارق، بكاء طفلة ضاعت وسط الطريق، وبدأت تخاف من أوهام العتمة والوحدة، أبكي : أين أبي؟

- 3-

وصل عارف على الماسينجر.

كتب لي :

لن يكون بإمكان يدك ودموعك

أن تربت على كتف الراحل

أن تؤلمه في موته

وكذلك أن تودعه كآخر وداع

سيكون بإمكانه

بعد اليوم

أن يتخفف من المكان ومن ثقل المسافات والزمن

سيكون بإمكانه زيارتك كما تلك الجدة

سأجدك يوما ما على الكنبة ورأسك على صدره

لا أدري إن كان بإمكانك تحمل كل ذلك لوحدك

لوحدك

لوحدك جدا

انتهى كلام عارف.

اتصل عارف برشاد، كانوا في الطريق، قال له رشاد، وهذا ما نقله لي عارف " الجنازة في ماتنلي والعزاء في باريس "، كانوا، أو ربما رشاد أكثر من غيره، قلقين عليّ.

اتصلت أختي، هذا يعني أنهم عادوا من الزيارة ...

كان روي سها لتفاصيل " أكره الكلمة السوداء"، مدهشا ومصحوبا بالفرح.

قالت أن الطقس رائع، والعشب ملأ القرية. خرج الأهالي للصلاة على أبي، كما لو أنهم في مهرجان، الشمس ساطعة، بعد برد وعواصف شباط ... البارحة كانت تمطر، لكنها هذا الصباح مشمسة ومشرقة، إنه الربيع في حلب، في ماتنلي، في زيارة حنان.

كانوا قد نقلوه إلى ماتنلي، لغسله وتكفينه " لا أصدق أني تجرأت على تدوين الكلمة الأخيرة"، وصلواّ عليه ... ثم نقلوه إلى الزيارة.

الورد الموف هو الذي استقر في مخيلتي أكثر، وسيأتي بعده ( الحْرام)، أو الغطاء الصوفي الأحمر الذي لفوا به أبي، ووضعوه وسط ساحة القرية،حيث اجتمعت الحشود لوداعه .... كل هذا وأنا لست هناك!

وصفت لي سها الربيع المباغت، الشقشقيق الأحمر أو شقائق النعمان، الورد الموف أيضا، العشب، الشمس ... كما لو أنهم كانوا في نزهة، أو أن رحيل أبي، جمع هؤلاء الذين لا وقت لديهم ولا طاقة للتنزه، فأجبرهم على الخروج الجماعي في نزهة ربيعية وصلت بينهم جميعا بحبل عاطفي واحد، هو التضامن في هذه اللحظة الوقورة، لحظة الوداع الأخير.

حدثتني عن كلمات الملقن، وأنا جاهلة بهذه التقاليد أو ربما هي من قواعد الدين... وأفرحتني قائلة " دفنوه في قبر أبيه، ورأينا أقدام حنيفة " . قلت لها " حسنا، سيكون سعيدا هناك، سيثرثر مع حنيفة طويلا " .

كانت حنيفة أصغر أخواته، وأقربهن إليه، وإليّ .

هكذا انضم أبي إلى كائنتيّ المفضلتين :حنيفة وحليمة ... ستنفردان به وتثرثران له، وتستمعان إليه يفضفض أمامهما، كما كانوا يفعلون من قبل ... لقد استعادوا حميميتهم، واستردوا جلساتهم الخاصة، حيث يتبادلون الهموم بحميمية لا تسمح بدخول أي شخوص أخرى بين ثلاثتهم .

ثمة تواطؤ سري وجميل بين الثلاثة ... ستنتظر حنيفة عودة الأهالي إلى بيوتهم، أو إلى بيت أهلي في المدينة، حتى تعد ثلاثة فناجين من القهوة " لن أقول كيف، فهي ستتدبر أمرها هناك "، وستدخّن أمام أبي.... سوف يصمتون طويلا، ثم سيضع أبي رأسه على صدر أمه، ويبكي " أوني، أزي جوم" . فتصحح له " ته هوتي" . أمي، لقد ذهبت. تصحح له : أنت أتيت .

يقول عمي منان، الأخ الأصغر لأبي " ستكون حليمة سعيدة الآن، كانت تحبه أكثر مني، ها قد سبقني إلى هناك أيضا".

يحاول عمي الهروب بالدعابة، مخففا من حزن أختي، وأنا هنا، يُنقل إلي كل تفصيل لغوي أو فعلي.

تهدأ روحي قليلا، وتنقلب دفة مشاعري، من حزن لأنه لم يستمتع بشمس آذار، مغادرا في أول أيامه، إلى فرح أنه غادر في نهار جميل، سيزور فيه أحباءه هناك ... كان راغبا في نزهة أخيرة، في خروج إلى الطبيعة، لا بل، إلى القرية، في طقس جميل، كما يبدو، محاطا بكل من أحبهم .

اتصلت برشاد في منزله،لأنه كاد قد ترك أهلي وسها، للذهاب والاعتناء بالصغار وتحضيرهم للذهاب إلى المدرسة.

لا أعرف لماذا أصبح رصينة مع رشاد ؟ كما لو أنه مرآتي النقية، دون غبار، دون خدوش ... نظيفة تماما. كنت أتحدث إليه بهدوء، لا بكاء ولا ضعف، برصانة ووقار، كما لو أن من نتحدث عنه هو صديق مشترك لكلينا. كأنه لم يكن أبي أنا فقط، وكان بالنسبة لرشاد عمه، أو والد زوجته.

كان رشاد يحاول اختيار كلماته، خشية خدشي في أي عبارة لا تليق بالمناسبة، فقد عانى وهو يقول لي " لقد خدم الموت أباك"، وعاد ليصحح " لو كان يمكننا قول هذا ". واصفا لي جمال الجنازة " جيد أني نطقتها، مع ملاحظة أني أكتب وأنطق الكلمات والحروف وأنا أضغط عليها" .

كما لو أننا أمام أحد مقاطع فيلم أحلام كيراساوا، هكذا وصف رشاد المشهد.الموت البديع ... ذاكرا لي، وأنا لا أذكر الكلمات تماما الآن، أنه في أحد المشاهد يسأل أحد الأشخاص أحدهم عما يرونه، فيقول له أنها جنازة، حيث يعتقد الآخر أنها زفاف أو عرس .... لا أذكر بدقة، ولكن رشاد كان يحاول أن ينقل لي، أن الموت أحب أبي، وان أبي غادر بطريقة احتفائية جمالية.

هذه الصور الجمالية، استلقاء أبي جوار حنيفة، الورد الموف، الحْرام الأحمر أو الغطاء الصوفي الأحمر الذي لفوا به أبي، وصلّوا عليه وسط القرية، محاطا بالعشب، حيث الشمس تلقي بدفئها المفرح على شخوص الطقوس الأخيرة ....

أن الموت خدم أبي، أن الجنازة كانت مهيبة ........ كل هذا يخفف من قهري .

كانت البذور الأولى لحزني، هي أن الموت أذل أبي، ولكن تلك الصور، حذفت مفهوم الذل، ورسمت برشاقة حالة الوقار ومهابة الموت الرصين.

لم يكن الموت بعبعا، ليس رجلا خسيسا ظالما ... كان يدا حانية، حاول أبي بخوف أن يمسك بيد أمينة، ولكن يد الموت كانت أقوى، وهي دوما، ولكنها قوية بحنان ... سأقولها للمرة الأولى هنا، بعد أن تجرأت ولفظتها في اليوم الرابع " ليرحمه الله" .

غاب أبي

لم يعد يسمعنا

لن أتمكن من سماعه ورؤيته بعد الآن

أنا مركب رامبو السكران، ما بين الرصانة والانفلات، أتقلب ...

بين الفقدان الأبدي، والمطاف الذي ناقشته مع رشاد، أتقلب.

كنا نقول أن هذا نهاية المطاف، ويجب على كل منا أن يمر بهذه التجربة، تجربة فقدان أحد بهذه الأهمية وبهذا القرب أو القرابة... إنه المطاف النهائي لجميع حالات الحزن، حيث انتهى الحزن وتوقف بني هنا.

برصانة، حدثت رشاد عن أهمية هذا الحدث المفصلي، الذي يُنضج آرائي ومواقفي وانفعالاتي ... كنت أعتقد أن هذه الصدمة العنيفة، ستغير الكثير من مفاهيمي.

كنت رصينة، كاتبة، ناضجة، أرقب الحالة، أدقق في بذور انفعالاتي، المتنقلة بين الشفقة على أبي الذي رحل ولم يعد يستمتع بالعيش، والشعور بالذنب لأني هنا، بعيدة عنه وعنهم جميعا، والشعور بالحرمان لأننا لن نلتقي أبدا بعد أن انتهى كل شيء، والشعور بالخوف لأني لا أعرف ما حل به، والشعور أيضا بالشفقة والحزن لأنه في مكان معتم ومخيف .... والعجز لأنني لا أستطيع فعل أي شيء .........

كما في العمليات الكيميائية التي أجهل تفاعلاتها ... ثمة عناصر ما، تختلط بأخرى، فتطلق مواد ما أو غازات أو معادن....

كانت روحي تختلط بصور ما، أظن مصدرها أفكار تحركها .... فأشعر بغتة بالانكسار، وأبكي.

ضاقت بي الشقة ... تواصلي مع العالم يتم عبر الهاتف فقط ... أحتاج للمس أحد .... أحتاج لأن أمد يدي وأضعها على جبين أبي " قال رشاد فيما بعد، أنه قبّل جبين أبي، وأنا تألمت جدا لأنه لم يتح لي هذا" ... لا يزال المشهد بالنسبة لي تجريديا محضا، لم أكن هناك، أتصور الأمور، وفق مخيلتي، التي لن تكون متطابقة بتاتا مع ما حدث فعلا، أو ما كنت سأحس به، لو أنني كنت هناك .

الهاتف فقط هو ما ينقلني إلى المشهد الغائم، المتخيل وفق أوصافهم، التي لن تكون أبدا، لا متطابقة مع ما يحدث، ولا مع وصفي لو كنت هناك، لأن حقيقة مشاعر كل منا، تختلف عن طريقة شعور غيره بالحدث.

غيابي الجسدي عن المكان الرئيسي لإحداث انفعالاتي، غياب باريس كوجود واقعي، غير موجود آنيا، لأن عقلي في حلب .... يصنع لوحة تجريدية، لن يقنعني شيء بواقعيتها، سوى صيرورتي هناك .... أريد أن أكون هناك.

أريد أن ألمسهم، أمسح دموعهم، أحضنهم ...

أكاد أختنق، لا أحتمل، أتصل بخالد في العراق.

أحتاج الأصدقاء المقربين " سوف أتحدث لاحقا عن مفهومي للصداقة".

تحدثنا قليلا ... قال لي كلمة مستني " أنا أحضنك " . شرحت له، أن الحضن، الملامسة الجسدية الحقيقية، هي التي أحتاجها الآن، أكثر من الكلمات.

-4-

حين عاد فيليب في نهاية اليوم، كنت ألملم انكساراتي. ثمة لغة دعابة وتهكم تجمعني مع فيليب، خاصة في المواقف الصعبة.لا أحب، ولا يحب هو أيضا، تبادل المواقف الضعيفة .

كنت متماسكة أمامه. ولكن بسبب البكاء الطويل، وعدم تناول أي شيء، كنت أشعر أن رأسي سينفجر من الألم.

كان قد أحضر لي معه حبوبا مسكنة للصداع، إلا أني، وبغباء أو جهل، اعتقدت أن كأسا من النبيذ، قد يريح أعصابي، ويخفف الكثافة الشعورية التي أحياها ضمن صورة ثابتة " أبي لم يعد موجودا، صار تحت التراب" .

كانت الصورة عنيفة، تهزني بقوة .

شربت بسرعة، الكأس الأول، الثاني، الثالث، وبغتة.........

تطايرت أشلاء روحي ... جلست على الأرض كطفلة السنوات الأولى من عمرها .... ورحت أعترف :

لم يكن أبي مجرد أب بيولوجي، كان رفيقي، محرضي على التفكير، دافعي إلى البحث والتنقيب، رغبت بإثبات تميزي، من أجله، إرضاء لمتطلباته الصعبة . كان رجلا صعب الإرضاء، فرضت على نفسي التفوق والتميز، لأكون جديرة باحترامه.

بدأت صديقة له ... جمعتنا شراكة طويلة، أنا ابنته الأولى، فأنا أول أبنائه الذكور والبنات، مدللته ...

جمعتنا رفاقية سياسية فيما بعد.

كان يربت على كتفي، وسط الضيعة، أمام الرجال ( من هنا ستكون صداقاتي ناجحة مع الرجال، وفاشلة مع النساء، وسأكون فاشلة عاطفيا مع الرجال الذين لا يحبون الصديقات)، ويقول " هذه ليست ابنتي فقط، بل أختي ورفيقتي، هذه رفيقتي مها" .

كأب شرقي، يفترض أن يصحب ابنه الذكر، كان أبي، الأممي آنذاك، يصحبني ويفتخر بي، كنت أسافر خلفه، أمسكه من خاصرته وأنا متشبثة به على دراجته النارية .... نتنزه في الحقول، نسافر من قرية لأخرى ... هو وأنا فقط....

في سهراته الرفاقية، في سهرات الرجال، كرجل شرقي، لم يصحب أبي زوجته، أمي، ولا الذكور، بل أنا .... حيث جمعتنا ثرثرات خاصة، وكنت امتدادا روحيا لأمه وحنيفة، أغلى كائن عليّ حتى رحيلها.

كان أبي محور حياتي، لقد غاب المحور، وانقلبت حياتي.

كما في تراجيديا كردية أو إغريقية، كان كلامي مصحوبا بالبكاء والعويل .

طلبت من فيليب أن نخرج من البيت،أحسست أن الجدران ضاقت كثيرا،وأني أكره المكان. صارت باريس صغيرة عليّ وضيقة .

كان فيليب قد اتخذ قرارا بالتوقف عند التدخين منذ بداية العام، ومن باب التضامن والتشجيع، فعلت مثله.

أول ما فعلته في مساء ذلك اليوم، اشتريت علبة سجائر،ثم رحنا نتجول في المنطقة، مشينا كثيرا.دخنت دون توقف، وأنا أحدثه عن أبي، كما لو أننا نتعارف للتو، مع أننا معا منذ أربعة أعوام.



في الفرنسية يستعملون فعل رياليزيه، أي يتحول الأمر إلى واقع، ومن هنا فالسوريالية أو سورياليزم حسب اللفظة الفرنسية،هي فوق الواقع . كنت أحاول أن أحول الأمر إلى واقع، فأعجز .... لم أستطع تقبل أن أبي الآن يرقد تحت الأرض، في العتمة والرطوبة، وأنه لا يتنفس ولا يتكلم، ولا يفتح باب منزل أهلي ثم يدخل مطلقا ضحكاته الرنانة، مستجوبا عمن في المنزل بصخب يعلن عنه كلما وصل... وكأنه يرغب منا جميعا، بحب متكبر واحتياج مترفع، لننهض جميعا ونستقبله... كان مرحا وصاخبا وممتلئا بالحياة.... لم أستطع تصور أن ذلك الرجل العاجز عن الجلوس بكسل دون أن يتحرك ويعمل أي شيء، الرجل الذي كان يخترع أي عمل يلهوه عن الخمول، يخرب أي شيء، ليعيد تصليحه ... يعبث بالراديو، بالغسالة، بالثلاجة ... يفك البراغي ويركبها ... هذا الذي لا ينهي وجبته إلا ملتهما اللقم الأخيرة ناهضا ومودعا ... الذي يأكل سريعا ويغيب طويلا، وحين يعود منهكا، ينام كالقتيل، كما تصفه أمي ... هذه الطاقة والحيوية والصخب، عليها الآن أن تسكت وتتوقف وتسكن تحت التراب، في العتمة والبرد ... كنت أتحدث وبداخلي شعور أني أرسل له بكلماتي، المعجونة بالبكاء والذكريات ....كانت كل هذه الصور والأفكار، أشياء غير واقعية، لم أتمكن بعد من تحويلها إلى واقع أحياه.

لم يصبح الأمر بعد واقعيا، لا تزال الحكاية تشبه كابوسا ثقيلا، أو حلما مرعبا أحاول الخروج منه.

اليوم الأول، حيث تتالى أيام سرديات ما بعد الرحيل.