dimanche 19 octobre 2025

 

الكاتبة السورية الكردية مها حسن تعيد "آن فرانك" إلى الحياة

سليم بطي / الجزيرة 

تعد رواية "في بيت آن فرانك" الصادرة بغلافها الأنيق وعنوانها الجذاب عن دار المتوسط بإيطاليا تجربة إنسانية وروائية وأدبية مميزة قلّما تحدث ونادرا ما تتكرر. ولأن مها حسن، التي أسميها الكاتبة المجنونة إبداعا، بارعة في اصطياد الفرص التي تمنحها حق الجنون الروائي، حولت تجربتها الشخصية في الإقامة بمنزل آن فرانك إلى رواية. لا لتؤرخ حياة الصغيرة آن فرانك والتي قد يعرفها الكثير ويعرف قصتها المأساوية وموتها السريع، لكن لتقول لنا إن الإبداع يخلق، يبعث من بين الأموات، لا بمعجزات إلهية، ولكن بقوة الفكر والقلم.

في هذه الرواية تظهر لنا مها حسن بثوب جديد، تترك وعيها ونضجها وثوريتها وغضبها المتجذر من الرجال ومن السلطة ومن الحروب، وتتحول إلى فتاة صغيرة تلهو على الورق مع صديقتها "آن فرانك" التي أحكم الموت قبضته عليها وحبسها في قمقم الطفولة أبداً.

فتأتي حسن بعد أكثر من سبعين سنة لتحرر آن فرانك من موتها، لتلدها من رحم القلم ومخاض الكلمة، تعجن طينتها وتنفخ فيها نسمة الحياة. تشكلها كما تخيلت وأحست عند مكوثها في بيت آن فرانك في أمستردام. أوَ ليست الكتابة خلقا؟

 

سيرة غيرية بتقنية السيرة الذاتية

تظهر مها في روايتها "في بيت آن فرانك" بشخصيتها الحقيقية، باسمها وقلقها المفرط وعبثيتها، إذ تجربة المكوث في بيت آن فرانك والكتابة عنها، عن التجربة بحد ذاتها وعن آن، وعنه.. أي المنزل، أعمق من أن تنسب لشخصية روائية من بنات أفكار الكاتبة.

فآن فرانك حقيقة لا يمكن مجابهتها والحديث عنها والخوض في تفاصيلها الإنسانية المعقدة باللجوء إلى الخيال. هنا فقط، نزعت مها حسن رداء الكاتبة وألقت بنفسها في لجج الرواية لتتحد مع آن الحقيقة، لا آن الرواية.

وهنا تكون "في بيت آن فرانك" قد تخطت مستوى الإبداع والتقنيات الروائية المعتادة، إذ هي مواجهة "مسالمة" بين مها حسن السورية الهاربة من بطش الحرب ضد الأقليات، وآن فرانك التي لا تختلف كثيرا عن مها. كلتاهما هربتا، من سلطة الأسد هنا، ومن النازية هناك، من البطش ضد الأكراد هنا، ومن قتل اليهود هناك.

 

مها عاشت مغتربة في فرنسا، وآن عاشت في هولندا بعيدا عن وطنها. مها كانت أكثر حظا ولم تمت، وآن ماتت.. فقررت مها إحياءها.. هكذا تستوي الصديقتان. مها في روايتها كأنها تلقت نداء آن فرانك من غياهبها، تلقت رسالتها من بئرها الشاحب، الموحش، البارد والمظلم، هناك حيث الموت يكبلها. تلقت النداء وأحيتها بالقلم والحبر.

يمكننا القول إن رواية "في بيت آن فرانك" قد تكون التجربة الأولى عربيا التي تجمع بين السيرة الذاتية والسيرة الغيرية الحقيقية وشبه المتخيلة لشخصية قدمها التأريخ كطفلة راحت ضحية المرض والحرب من دون النبش في دواخلها كإنسانة، والأهم ككاتبة.

لذلك فإن مها حسن ابتكرت أسلوبا روائيا جديدا جمع بين عناصر شائكة في الكتابة، وهي السيرة الذاتية ورصد التجربة الشخصية روائيا، إحياء شخصية من التأريخ وتوظيف الخيال لرأب الصدع في المعلومات المتداولة بشأن تلك الشخصية والتي هي متواضعة جدا في كَمها.

صداقة حذرة بين مها حسن وآن فرانك

تطرح الرواية العديد من القضايا الإنسانية والوجودية والسياسية، لا لتتهم، بل لتدعونا جميعا لنقرأ الأمس غير البعيد ونتعلم منه. تتغير الأوجه، والأمكنة والأزمنة، يتغير الطغاة والمجرمون الذين يلعبون بعدادات حيواتنا من دون التفكير للحظة بهذا الكائن الذي يقتلون. الأسد، هيتلر، الحرب السورية، الحرب العالمية الثانية، الأكراد، اليهود… دوامة لا تكف عن الدوران.

تبدأ الرواية بتلقي مها حسن الكاتبة دعوة للمكوث في بيت آن فرانك في أمستردام في مشروع يدعو الكتّاب لزيارة بيت كاتبة لم تكن الحياة معها كريمة بمنحها متسعا من الوقت لتُدلي بدلوها الأدبي باستثناء مذكراتها التي ترجمت للغات عدة.

توافق مها بعد تردد على المشروع وتبقى في المنزل لمدة عام كامل لتنشأ صداقة حذرة في البداية بين جسد حي وآخر غائب، بين كاتبة ما تزال تكتب وأخرى بتر الموت قلمها. بين سورية آتية من عالم يكاد يكون الأبعد عن صاحبة البيت. دينان مختلفان، عقيدتان لا تتقاطعان إلا بعشق الكتابة، أزمنة تتباعد، وألسن تتنافر. كاتبتان فرقهما الزمن، وجمعتهما شريعة الحبر في أرض تعلو بها شريعة الغاب.

الصداقة الحذرة تتحول تدريجيا لعلاقة مفهومة بحدود مرسومة. تفهم آن فرانك أن ظهورها المفاجئ لمها حسن في الليل يقلق الضيفة وقد يجبرها رعبا على الرحيل عن هذا البيت المسكون بروح المراهقة المغدورة.

ومها من جهتها تقدر أنها ضيفة، وأن لآن الحق في المكان كونه بيتها.. فتقسم المنزل حسب حاجة كل منهما. الحمام لمها كونها إنسانة، وغرفة نوم بعيدة عن غرفة نوم آن احتراما لخصوصية كل منهما.. أما غرفة المعيشة فهي مكان مشترك بينهما.

مها حسن روائية "اللامألوف"

من قرأ لمها حسن يعلم مدى جنونها على الورق. هي كاتبة تستخلص ثقل تجاربها الإنسانية من قعر فنجان حياتها، تبلورها، تنخرط في أوجاعها، تلقي بنفسها في أمواج الكلمات، تزنر نفسها بالحكاية، بأبطالها المخذولين، تحاكي رؤوسهم المهزومة وظهورهم المحنية، تشكلهم * تماثيل مصدعة بلا أوجه، تستنطقهم في محاكمات روائية.. هي القاضي والجلاد، تبرئ تلك الشخصية، وتحاكم أخرى، وتبقى هي عالقة بين قاض يشاغبه ضميره وقلمها المتمرد حتى عليها.

قضايا مها حسن عادية وربما مطروحة عشرات بل مئات المرات في روايات وقصص قصيرة وكتب سياسية. ما يميزها ليس الموضوع، بل طرق القص وتقنيات السرد، فكل رواية من رواياتها تأتيك بنكهة مختلفة، عبث جديد، جنون غير مطروق. كأنها تخلع عنها كل ما يقيدها وتدخل في محبسة أفكارها خاشعة للكلمة، فالكتابة لحسن هي مسيرة متأنية، صلاة صادقة، رحلة شاقة لا تبدأ ولا تنتهي.

مها حسن أخذت من "ديوجين" مصباحه الذي أفنى حياته ينقب به عن الإنسان، وأخذت من "سيزيف" صخرة أوجاعه.. لكنهما (ديوجين وسيزيف) خرافة صدقناها، ومها حسن حقيقة كذبها كثر. لكنها كانت حقيقة… وستبقى.

lundi 17 février 2025

 

مقام الكرد

أنعام كه جه جي 

فعلتها مها حسن. كتبت، حسب علمي، أول رواية عربية تفاعلية. والمقصود نص لا يعتمد على ما هو مكتوب على الورق فحسب، بل يحيل القارئ إلى روابط مدرجة في الهوامش ويدعوه لسماع هذه الأغنية أو تلك الموسيقى المذكورة في الرواية. تأخذ هاتفك الذكي وتمسح الرابط فيطلع لك، مثل جنّي، التسجيل الصوتي المقصود.

ومها حسن روائية سورية مقيمة في فرنسا. كردية القومية عربية اللغة. ثنائية جميلة في حال أتقن المرء اللغتين. لكن حال الكاتبة مثل واقع بطلة روايتها، لم تتعلم لغة أجدادها. وإذا كنا نعرف مها التي تكتب بدأب وقد جعلت من الكتابة إكسير حياتها، فمن هي بطلة الرواية؟ أهي فالنتينا التي تتكلم الفرنسية وتعجز عن نطق كلمة بالكردية، أم فرانسواز أم تالين أم خزامى أم دلشان؟

يمكن للاغتراب اللغوي أن يكون بطل «مقام الكرد»، الرواية الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط. حالة نلمسها حولنا وتمسّ الملايين من أبناء الأوطان الطاردة. يضيع المهاجر وابن المهاجر بين اللغات والثقافات وهو يجتهد لأن يستكين إلى لغة البيت. يلجأ إليها ويتدفأ بها ويستعين على منفاه. يجد في أغانيها سلامه الروحي. ليس من العبث أن يضع المهاجر أشرطة الكاسيت في الحقيبة.

في «مقام الكرد» تفاصيل عن سوريا التي نعرف ولا نعرف. تبعث فالنتينا، الطالبة المتفوقة، رسالة إلى بشار الأسد تشكو فيها حرمانها من البعثة العلمية لأنها ابنة معتقل. «سيدي الرئيس أنا مواطنة لا علاقة لها بالسياسة. كنت في السادسة حين أفقت على أصوات رجال يقتحمون دارنا في القرية ويركلون أبي النائم وهم يصيحون ويشتمون. تبولت من الرعب سيدي الرئيس.»

تلجأ مها حسن إلى الصوت لاستعادة صلتها بلغة أمها. تقدم لنا رشوة لطيفة: «هناك جينات موسيقية في الذاكرة الفردية لكلّ منا». نقرأ في المدخل: «بينما أسمع الأغاني الكردية كنت أكتب هذه الرواية باللغة العربية. ساعدتني الموسيقى الكردية على كتابتها. فهي التي خلقت لديّ الفكرة الأولى ثم أكملت معي مسيرة السرد. كأن الموسيقى من تكتب.»

أعرف روائيين كثراً يصغون إلى أسطوانة كلاسيكية أثناء الكتابة. الجديد هنا هو دعوة القارئ إلى أن يكون شريكاً في الاستماع. أن يدخل في مزاج السرد عيناً وأذناً. تنشر مها حسن جدولاً بالأغاني الواردة في الرواية مع وصلاتها على النت. تحلم الكاتبة، في حال تحول النص إلى رواية مسموعة، بأن يرافق الحكاية المروية تسجيل للأغاني. سيتضافر السرد مع الغناء.

تحلم أيضاً، وأحلم معها، بالرواية الإلكترونية. أن يفتح القارئ النص المكتوب فيجد مقاطع مصورة وأخرى مسموعة. وبالعودة إلى «مقام الكرد» نكون مع شخصيات تداوي بالموسيقى انفصامها اللغوي. بل إن الكاتبة مغتربة مرتين، عن لغة القرية ولغة المهجر. وهي مثل بطلتها فالنتينا، تطارد صوتاً صدح في ماضيها. تلتقط المقام وتسحب خيوط الذكرى. نقرأ على الغلاف الأخير: يعيش الكرد بالموسيقى وبالحب.

 

mercredi 12 février 2025

 

الوجه الآخر للكوردي.. وجه لا يعرفه أحد!

الوجه الآخر للكوردي.. وجه لا يعرفه أحد!

بقلم: مها حسن 

تقول صديقتي الإسبانية المقيمة في أربيل : لقد تجولت لسنوات طويلة في العالم العربي وبلاد الشرق، الأردن، مصر، المغرب، لبنان.. لكنني أشعر أن المواطن الكوردي هنا لديه شيء مختلف، إلا أنني لا أعرف كيف أعبّر عن هذا الاختلاف..

من الطبيعي ألا تفهم صديقتي الأوربية بسهولة خصوصية الكورد، فأنا أيضاً، المرأة التي وُلدت بينهم، أشعر أنني أحتاج إلى كثير من الكتابة، للتعبير عن هذا العالم المختلف، الذي نحيا فيه، ولا نعرف كيف نصفه، هذا الكوردي الفريد الذي لم تنصفه بعد الكتابة الإبداعية ولا السينما ولا السياسة..

يقول صديقي العربي المهاجر إلى أربيل : أقارن بين مجتمعي العربي والمجتمع الكوردي هنا، فأحسّ بطبيعة الكورد الخاصة، إنهم طيبون إلى درجة غير مألوفة بالنسبة لي، إنهم لا يملكون أية بذور للعنف..

صديقي العربي السوري الذي زار أربيل من فرنسا، حدثني مندهشاً عن هذه المدينة، وهو يحاول تعريفها، فيقول بطريقة فطرية: أهل أربيل يشبهون أهلنا الريفيين هناك في سورية...

أما أنا، فطالما كررت أمام الأصدقاء، وأمام الإعلام : أستعيد نفسي في أربيل، أتعرف على هويتي في هولير.

من المدهش حقاً، أن أتعرف على ذاتي الغامضة بالنسبة لي، عبر الحياة في أربيل، لأقوم بتجميع عناصري المشتتة هنا وهناك، وأضمّها كحبات المسبحة، لأتعرف على هويتي الواسعة الكبيرة، وأنا أحلل انتماءاتي وأصولي..

أحلم منذ سنوات طويلة، بالكتابة عن هذه المنطقة بطريقة الأنثربولوجيا، بالطريقة التي عمل فيها ليفي شتراوس في كتابه العظيم " المداران الحزينان"، وأنا أشعر بشغف غريب كأنني سأكتشف لغزاً مجهولاً حين سأكتب عن تفاصيل الناس في إقليم كوردستان..

أشعر بالمسؤولية صوب خصوصية هذا الشعب، ليس فقط لأنني كوردية، بل لأنني كاتبة، منحتني الحياة الحظ الجيد لأعيش عشرين عاماً في فرنسا، ثم أعود محملة بعقلي النقدي الممزوج بروحانية الشرق التي لا تزال تسكنني، فأشكل عجينة ممتعة أفردها أمام العالم، عبر الكتابة عن هذا الجزء الطيب والنبيل والفريد من العالم، عن الناس في كوردستان.

قد يبدو كلامي مبالغاً فيه، وهذا من حق أي شخص أن يشعر به، وسوف يشعر به الأشخاص الذين ينتمون لفئتين : الكورد الذين اعتادوا هذه الصور ونمط العيش بطريقة لا تدهشهم، والكورد أو العرب الذي لم يأتوا إلى هنا، ورأوا ما رأيته، لذلك سأستخدم عبارة جلجامش الشهيرة : أنا الذي رأيت كل شيء.

وللتحدث عن كل شيء، أحتاج إلى وقت طويل، أتفرغ فيه لكتابي عن كوردستان التي تلهمني الحياة فيها، كأن جني الإبداع/ أو الجنية، ينتظرونني هنا، وأتساءل في هذه اللحظة عم إذا كانت هذه الجنية، أو القرينة كما كتبت في روايتي " قريناتي"، تنتظرني هنا لأكتب ما لم أكتب حتى اليوم؟

لهذا، ولأنني أرغب فقط في التحدث عن جزء مما عايشته هنا، سوف أكتب الآن فقط عن بارزان، هذه المنطقة التي قلبت روحي، وجعلتني أشعر كأنني أكتشف كوكباً خاصاً يراه الجميع، ولا ينتبهون إليه، وكما اكتشف كولومبس أمريكا، أكتشف أنا اليوم، منطقة بارزان بحمولتها الروحانية النادرة، الموحية، الحنونة إلى درجة تمنحك الإحساس الكامل بالسلام ..

في بارزان، التي زرتها ليوم واحد، والتي أحتاج للعودة إليها، رأيت كل هذا السحر والجمال:

*خلان

في الطريق إلى بارزان، توقفت السيارة في مدينة خلان، وبعيداً عن صعوبة وصف الجمال المرتبط بالحرية، حيث أشعر أنني في مكان، لا هو شرقي يشبه البلاد التي زرتها من قبل، ولا غربي يشبه بلاد الغرب التي أعيش فيها منذ عشرين عاماً..

أدخل برفقة أصدقائي الذين معي إلى ما يشبه مقهى في الفضاء المفتوح، رجال ونساء يحتسون القهوة والشاي المغليين على الحطب.. لا أحد ينظر إلى أحد بفضول أو يخترق مساحته الشخصية، نساء بملابس متنوعة، بدءاً من التي شيرت وبنطال جينز، حتى الفستان الكوردي المزركش والملون...

كل هذا التنوع والراحة والانسجام، لا نراه عادة في الشرق الصارم، أو الغرب البارد.

في الطريق إلى بارزان، بعد استراحة القهوة في خلان، كدت أشهق من الدهشة، وأنا أرى فتيات شابات ترفعن سلال التوت فوق رؤوسهن، بملابسهن الكوردية التقليدية، ليذكرنني بتماثيل آلهات الخصوبة في وادي الرافدين... بنات يبعن التوت بطريقة شاعرية، كأنهن يمنحن السلام والمحبة ويشرحن للعالم مفهوم الكرم والعطاء.

*مزار الخالدين

وصلنا بارزان،  ووجهتنا الأولى كانت المزار : مزار الخالدين، ملا مصطفى البارزاني وإدريس البارزاني، رافقنا في جولتنا أحد المشايخ المشرفين على المزار، ليشرح لنا تفاصيل المزار وما يحيط به.

لم أشاهد أية مظاهر احتفائية استعراضية، وأنا أقرأ الفاتحة قرب سور المزار، حيث القبور تشير إلى التواضع والروحانية العميقة.

تجولت في المتحف دون شك، وحضرت فيلماً وثائقياً عن بارزان وعن نضالات البارزايين، وعن مفاهيم الطبيعة هنا، وحماية الحيوانات وتقدير المرأة. تفاصيل أمتلئ فيها بالنشوة لأنني حظيت بهذه الزيارة، وبالحسرة في نفس الوقت، لأن هذا الجمال غير متاح للعالم بأسره... حيث هنا دروس المحبة والعطاء والسلام، التي يحتاجها العالم الغارق حتى أذنيه في الاقتتال والعنف والحرب..

تكية بارزان التي غسلت روحي

في تكية بارزان، غُسلت روحي!

يجري الماء برفق داخل التكية.. روح صانعي المكان تجول هنا. يغمر السلام كل من يدخل المكان، فيشعر بأمان كامل..

لا خلاف حول الأديان، لا قتل للحيوانات، لا عنف، لا كراهية..

تجري الحياة هنا كأنها في كوكب آخر. البشر هنا لا يشبهوننا، إنهم ملائكة دون مبالغة.

بعيداً عن العنف الذي نحياه في كل لحظة، هنا في وسائل التواصل، في الإعلام، في البيوت، في العلاقات، في الصداقات أحياناً، الناس في بارزان ينعمون بحياة لا تشبه حياتنا.

أنحني أمام هذه التكية التي يجري فيها النبع بتواضع، وتحيطها أشجار التين والرمان والتوت، وتعربش فيها أوراق الدالية منتشرة بكرم غير محدود.

في بارزان، زرت متحف الأنفال، وقابلت أحيا الذي قررت أن أعود مرة أخرى من أجله، لأتحدث إليه مطولاً، لأنني لمست بيدي ورأيت بعيني ما لم أره من قبل وأختبره بهذا القرب : هذا الدرس في التسامح والحب والسلام..

سأكتب عن أحيا الذي قابلته في متحف الأنفال، وأنحني مجدداً لكل هذا الكرم والسمو الروحي لأهل بارزان، المتمسكين بالفطرة، بالنقاء، بالتسامح، بالعطاء دون انتظار مقابل أو تقييم.

في بارزان، ثمة وجه للكوردي لا يعرفه العالم، الوجه الحنون، المسالم، المحب للحياة، رافض الكراهية والعنف والانتقام..

هناك، في بارزان، كما كتب نيكوس كازانتزاكي تقريره إلى غريكو، سأعود لأكتب عن الاغتسال الروحي الذي نحتاجه أكثر من قبل، في زمن الصراع وتلوث القلوب والأرواح...

كل ذلك الماء والشجر والفاكهة والحيوانات، وعلى الأخص روح البشر، الأحياء والراحلين، تغسل الروح، وتعيدنا أطفالاً يولدون من جديد، وهي تجربة نفسية وروحية، أتمنى أن يحظى بها كل من يستطيع الذهاب إلى بارزان المحاطة بالجبال والمليئة بغابات البلوط والتي يجري فيها نهري الزاب الكبير والصغير، وحيث أشجار الجوز والرمان والتين والتوت.

dimanche 4 août 2024

مقام الكُرد... معزوفة الهويات المتشظية

 

مقام الكُرد... معزوفة الهويات المتشظية

 

محمد سعيد أحجيوج

    

على غرار الموسيقى الكوردية التي يهيمن عليها مقام البيات الجامع بين الشجن والفرح، يأتي الفصل الأول من رواية مها حسن الأخيرة «مقام الكورد» محمولاً على مقام الشوق والحب، كما العتب، مانحاً القارئ أحاسيس مختلطة من الانتظار واللهفة.

«يعيش الكورد بالموسيقى والحب»، هكذا تقول الرواية، بتعبير كاتبتها، التي أرادت منح روايتها بعض التفاعلية، فزرعت في ثناياها إشارات إلى أغاني كوردية توصي القارئ بها، بل تحثه على الاستماع إليها خلال القراءة، كما كانت الكاتبة نفسها تستمع إليها خلال كتابة الرواية. لكني، شخصياً، أرى أن الكتابة فعل مقدس في عزلة الصمت، أرى القراءة كذلك هي الأخرى فعلاً توحدياً لا يقاطعه نشاط آخر، ولو كان مقدساً هو أيضاً؛ مثل سماع الموسيقى.

متشظية هي الرواية، ومعقدة متراكبة كما هي طبقات هوية الفرد الكوردي. لكنك حين تسلم نفسك للرواية وتنفتح على الهوية الكوردية، تدخل عالماً بديعاً، أتقنت الكاتبة بناءه في الرواية، وثقافة مدهشة لا نكاد نحن العرب نعرف عنها شيئا.

تعرض الرواية لصراع الهويات الذي يعانيه الفرد الكوردي، بداية من سلسلة الأحلام الكابوسية التي وجدت ڤالنتينا نفسها داخلها كل ليلة؛ جو كافكاوي عن قرار بيروقراطي تفرضه فرنسا بشأن أوراق الإقامة بناء على اللغة الأم، وليس مدة الإقامة. وهكذا تجد ڤالنتينا، الفرنسية بالتجنس، نفسها أمام خطر الرمي في حفرة من لا هوية له لتعذر فرزها مع أي مجموعة محددة.

هي لا تعرف اللغة الكوردية؛ ولذلك يرفض الكورد انتسابها إليهم. والعرب يرفضون ضمها إلى الثقافة العربية، ولو أنها تتقن العربية، وأما الفرنسيون فينظرون دوما بعين الريبة إلى لكنتها وبتوجس إلى برودتها (حياديتها) تجاه ثقافتهم.

شخصيات الرواية متعددة وتتقاطع مصائرها، ويمكن النظر إلى بعضها على أنها أجزاء من فرد واحد، كل منها يمثل جانباً معيناً من الشخصية.

 

الحقيقة أن الكاتب، مهما حاول الهرب، سواء بوعي أو بدونه، سيترك جزءاً من نفسه على الورق. يمكنني القول إن مها حسن جزأت هويتها، ووزعت الأجزاء على شخصيات روايتها، الذين إذا جمعناهم معا نحصل على فرد متكامل هو الكاتبة نفسها. لذلك يمكنني القول إن دلشان وڤالنتينا، المولودتين في اليوم نفسه، واللتين ستحبان الرجل نفسه، هما وجهان، أو بالأحرى جزءان من شخصية واحدة متعددة المستويات.

تختار دلشان الموت احتفاء بالخيال وبالكتابة. كتبت مها حسن روايتها احتفاء بالكوردي، وربما اعتذاراً عن الهوية الكوردية التي اضطرت للتخلي عنها. كتبت دلشان في رسالة انتحارها: «سامحني، يا جوان، ربما أحببت الكتابة أكثر منك.. اغفر لي... ».

أما ڤالنتينا فقد أجبرت على نسيان الكوردية عندما أخذها عمها، وهي في السابعة من عمرها، للعيش معه، من القرية في حلب إلى دمشق، بعد اعتقال والدها الناشط السياسي الكوردي، ثم انتحار والدتها بعد شهرين. العم، مدفوعاً بفكرة أنه لا يستطيع أن يكون بطلاً مثل أخيه، قبل بالانصهار في حزب البعث والثقافة العربية دفاعاً عن نفسه (ثم عن ابنة أخيه). الطفلة لم تكن تعرف شيئاً من العربية آنذاك وهي مقبلة على عالم جديد غريب تماماً، مخيف وموحش. ثم، بعد سنوات، ستجد نفسها في فرنسا، في عالم آخر غريب، وإن كانت تعرف لغة أهله، وحيدة متقوقعة على نفسها.

بين الفصلين، العمودين الحاملين لبناء الرواية، ننتقل إلى أربيل مع حكاية نالين المرسومة على مقام الكورد الذي «تقشعر له الأبدان في كل زمان ومكان». ونذهب في رحلة إلى عالم الأسلاف وبحوث نالين حول الموسيقى الكوردية وأطروحتها عن العلاقة بين الموسيقى والجينات، وكيف تؤثر الموسيقى على اللاشعور الجمعي.

الكورد، تقول الرواية، لديهم ذاكرة جمعية مرتبطة بالموسيقى. فصيلة دم موسيقية أو جين وراثي يربط الكورد. وقد جاءت الرواية على مقام الكورد، لتتواصل الكاتبة بها، ومن خلالها، مع أسلافها، ومع هويتها. في رسالة تجمع بين الاحتفاء بالهوية التي تشكل ماضي الكاتبة، والاعتذار عن اضطرارها مكرهة الابتعاد عن تلك الهوية، كما ڤالنتينا التي أخذها عمها مكرهة من قريتها الكوردية إلى العاصمة السورية حيث صارت العربية لغتها الوحيدة، ثم بعد ذلك إلى فرنسا حيث صارت الفرنسية لغتها اليومية.

أبدعت مها حسن، الكوردية، بالعربية رواية حزينة، مثيرة للشجن، تسلط الضوء على الكورد والهوية الكوردية المتشظية، فجاءت الرواية كما مقام الكورد: تقشعر لها الأبدان لما تثيره من شجن وعاطفة.

 

samedi 8 juin 2024

‘Maqam Kurd’: A Counterpoint of Fragmented Identities

 

Much like Kurdish music, which is dominated by the Bayat maqam—a blend of sorrow and joy—the first chapter of Maha Hassan’s latest novel, Maqam Kurd, is infused with longing, love, and a touch of reproach for the unjust world.

 

Kurds live through music and love, the novel declares, echoing the voice of its author. Here, Maha Hassan works to create an interactive experience by embedding references to Kurdish songs, encouraging us to listen to them as we read, just as she listened while writing. Personally, I regard both writing and reading as sacred acts best performed in the solitude of silence, undisturbed by any other activity, even if—like listening to music—it is equally sacred. While I later listened to three of the songs, the auditory element wasn’t strictly necessary, although I understood Maha’s desires and aims in adding it.

The novel is fragmented and complex, layered like the identity of a Kurd. Yet, when you surrender yourself to it and open up to the Kurdish identity, you enter a beautifully crafted world, rich with a culture that we Arabs scarcely know.

The novel delves into the identity conflicts of Kurds, and it begins with the protagonist Valentina’s nightmare-like dreams, which reflect the Kafkaesque bureaucratic decisions in France that base residency papers on one’s mother tongue rather than length of stay. Valentina, a naturalized French citizen, finds herself at risk of statelessness due to her unclassifiable identity. She does not speak Kurdish, so the Kurds reject her. The Arabs do not accept her either, despite her fluency in Arabic, while the French eye her with suspicion due to her accent and detachment from their culture.

The novel’s characters are numerous, and their fates intersect, such that they seem to represent parts of a single individual. In this, it seems Maha Hassan herself has fragmented her identity, distributing pieces of herself among her characters, who, when united, form a complete individual—the author. Both Valentina and the character who is her shadow, Delshan, were born on the same day and love the same man; they appear like two faces of a single, multifaceted identity.

It seems both that Maha Hassan wrote her novel in celebration of the Kurdish identity and as an apology for being forced to abandon it. In her suicide note, Delshan—who lives in a fictional world, separated from reality—writes: “Forgive me, Jowan, perhaps I loved writing more than you. Forgive me.” She lived separated from her Kurdish identity, adopting a French identity due to the shock of losing her adoptive mother, Clemence, the wife of the French ambassador to Iraq, who aborted her daughter on the same day that Valentina, Jowan, and Delshan were born.

Valentina, on the other hand, was forced to forget Kurdish when her uncle took her at the age of seven from their village in Aleppo to live with him in Damascus, after her Kurdish activist father was arrested and her mother committed suicide two months later. Her uncle, unable to be a hero like his brother, assimilated into the Ba’ath Party and Arab culture to protect himself and his niece. The child, knowing no Arabic, entered a strange, frightening world. Years later, she found herself in France, in yet another alien world. Even though she knew its language, she felt alone and withdrawn.

Between chapters One and Two, set in the two pillars of the novel—Aleppo and Paris—we journey to Erbil with Nalin’s story, set to the Maqam Kurd that “makes the body shiver, in all times and places.” We explore the world of ancestors and Nalin’s research on Kurdish music, her thesis on the relationship between music and genetics, and how it influences the collective unconscious.

The novel suggests that Kurds have a collective memory tied to music—a genetic trait that connects those who might otherwise be alienated from the Kurdish community. Through the titular “Maqam Kurd,” the author connects with ancestors and identity, celebrating and lamenting the forced distance from it, much as Valentina does. Finally, as opposed to the real world, where happy endings are very rare, Maha gives the novel a happy ending and embraces the power of music, Kurdish music, to connect destinies. It gives Valentina a chance to reconcile with herself and her identity and restores Jowan’s ability to love again.​

Maha Hassan has created a poignant Kurdish novel in Arabic that shines a light on the fragmented Kurdish identity, evoking deep emotion, much like the Maqam Kurd itself.

Mohammed Said Hjiouij, a writer from Morocco, has published five novels: Kafka in Tangier (first edition: December 2019, second edition: May 2024), translated into English and Greek, with excerpts in Hebrew and Italian; The Puzzle of Edmond Amran El Maleh (Beirut, 2020), shortlisted for the Ghassan Kanafani Award for Arabic Novel (2022) and published in Hebrew (Jerusalem, 2023); Tangier By Night (Cairo, 2022), with the manuscript winning the Ismail Fahd Ismail Award for Short Novel (2019); Labyrinth of Illusions (Beirut, 2023); and finally, The Cave of Tablets (Beirut, 2024).

 

mardi 6 février 2024

 


تستضيف ليانا صالح في هذا العدد من برنامج "ثقافة" الروائية السورية مها حسن للحديث عن روايتها '' نساء حلب '' التي تحاكي من خلالها تاريخ بلد بأكمله عبر رواية سيرة ذاتية  لنساء من عائلتها ورثن الظلم والمنفى.

Maha Hassan invitée à l’Institut Kurde de Paris pour son roman « Femmes d’Alep »

 PARIS – L’écrivaine kurde réfugiée en France, Maha Hassan a publié son roman « Femmes d’Alep », ouvrage qualifié d’ « Odyssée à dimension autobiographique ».

Maha Hassan dit être étonnée qu’on parle « de la littérature kurde écrite en arabe. Il s’agit d’une littérature spéciale qui n’est pas semblable à la littérature purement kurde (…). » Aujourd’hui réfugiée en France, Maha dit également sa frustration de passer pour une « Arabe » chez les Kurdes et d’être étiquetée de « Kurde » chez les Syriens, ajoutant: « Je ne suis ni française, ni syrienne, ni kurde. Je me sens illégale et je ne sais pas qui je suis. »

 
Sur Twitter, Maha écrit« Mon père était kurde et communiste. Recette complet pour vivre hors du monde.. Je porte ses grains de Don Quichotte, pour écrire et vivre ailleurs : dans une autre planète ! »

Maha Hassan et Ismaël Dupont – qui a adapté son roman – seront à l’Institut kurde de Paris, le samedi 16 avril, à 16 heures, pour une rencontre autour de « Femmes d’Alep » , récits de « témoignage réel de femmes explique la mosaïque complexe que constitue la Syrie, jusqu’à son morcellement et sa réconciliation quasi-impossible actuelle. »
 

Voix engagées : le rôle singulier des romancières arabes contemporaines

 Maha Hassan est une auteure d’origine syrienne vivant en France depuis de nombreuses années. Écrivaine aux multiples langues et identités, elle navigue entre différentes sphères culturelles. Son choix de la France comme terre d’accueil découle de sa passion pour la liberté, qu’elle considère comme une condition essentielle à l’acte d’écrire. À travers ses romans, elle s’efforce de dépasser ce qui la lie à un passé où la liberté de pensée et les droits des femmes et des Kurdes sont opprimés. Oscillant entre l’écriture en arabe et en français, Maha Hassan explore ses multiples univers intérieurs et exprime les nombreuses voix qui l’animent. Cela se manifeste particulièrement dans son roman Femme d’Alep, où elle met en lumière plusieurs exemples de femmes syriennes et françaises, offrant une voix singulière aux femmes kurdes, souvent marginalisées socialement et culturellement. Engagée dans une littérature des oubliés et laissés pour compte, elle utilise la fiction comme moyen de dévoiler ces mondes cachés.


dimanche 27 février 2022

"القرينات" في إبداع الذات.. ضرورة التواصل النسوي لإلهام الفنون


علاء رشيدي 

 تسرد الفقرات الأولى من رواية "قريناتي" لـ مها حسن، أحداثاً متتالية/ مترابطة نصياً لكنها منفصلة

 مكانياً وزمانياً، وكل منها مرتبط بشخصية مستقلة، لثلاث نساء، يعشن على فعل الانتقال بين الحلم واليقظة (إيزيس)، أو بين السقوط والنوم (ألماز)، أو بين الكابوس والخوف (لمعان). حضورهن مستقل لكن تزامن الحدث يوحي بترابط يستدعي الاكتشاف.

بينما تسقط أيزيس ويتحطم جسدها، تصحو لمعان من حلم ترى نفسها فيه كذئبة معرضة لسلاح الصياد، في الوقت نفسه تتعرض ألماز لنوبات من الخوف والتشنج وهي تحاول إدراك وجودها بين رحم الأم وبطن الذئبة. كلها حالات متحولة تعيشها نساء ثلاثة بما يشبه التكامل، أو التفاعل أو التقمص وكلها احتمالات مفتوحة تبنيها الكاتبة على مسار الصحفات الـ 300 التي يتشكل منها النص.

القرين هو التواصل الإبداعي مع الذات

(إيزيس، لمعان، ألماز) هن النساء الثلاث اللواتي ستشكل ليست حكايتهن فقط، بل العلاقة الباطنية- الظاهرية- التفاعلية بينهن، المحور الأبرز على امتداد الفصول الخمسة التي تنوع فيها الأديبة بين أنواع القرينات، فبينما تمتلك بعض القرينات مزايا ميتافيزيقية، تظهر لنا المضامين الروائية أن القرائن هي ذواتنا اللامتناهية، وأن ما يكتسي بطابع غيبي أو خرافي في الثقافة الإنسانية ليس إلا هو تواصل مع ذوات خلاقة، ستؤثر كل من (إيزيس، لمعان، وألماز) بالأخرى. إن الرواية تدعو إلى التفاعل الإبداعي بين النساء، إلى التفاعل الفني والتعليمي، وخصوصاً أن واحدة من القرينات كردية المنشأ والثقافة، وهو خيار واضح تسعى الكاتبة من خلاله التأكيد على التفاعل الثقافي العربي الكردي.

التقمص والغيبيات والجان في سبيل المعرفة

في الفصل الأول (قريناتي البعيدات) تروي إيزيس عن حياتها، هي التي تعمل كمحررة في بيروت، لكن اعتقاداً عميقاً لدى أمها بالتقمص يمتد إلى فكر (إيزيس) ويدفعها إلى الاعتقاد بأن: "حياتي الحالية هي حيوات مستمرة لحيوات سابقة وممهدة لحيوات قادمة". شخصية الأم المميزة باسم (نفرتيتي) هي التي تؤثر على فكر الابنة.

كانت الأم قد كتبت رواية مهمة عن التقمص، جمعت فيها بين الأسطورة والواقع، تتحدث فيها عن حيواتها المتعددة المتناثرة في أرواح الآخرين، لكنها لم تنجح في نشرها، وسرقت منها: "أمي نفرتيتي حلمت بإنجاب ابنة تدعوها إيزيس، نعم هي تؤمن أننا سلسلة من الذوات المتناثرة". وها نحن الآن قرّاء لنص الابنة التي تكمل حلم الكتابة، وكذلك التأثر الفكري، فستؤمن منذ بداياتها بالغيبيات: "صرت مهووسة إذن بعالم الجن، باحثة عن جني متنكر بيننا على هيئة بشر، لأن أبي قال إنهم يظهرون على هيئة البشر". إن هذا الخيار الأدبي يذكر بالأرضية الفكرية الواسعة في الأدب المحلي الشعبي أو التراثي لحضور فكرة "القرين" واستعمالها في مستوياتها الفكرية والجمالية.

تحرص الكاتبة على تزويج النص بالعناصر السحرية، قصص الغولة المتحولة، الماء الجذاب، الأحلام التي تراها القطط، حكايات الجدة. وتنويعات في طبيعة القرينة بين القرينة الطيبة، الطازحة، والمخيفة.

في الفصل الثاني بعنوان (قريناتي القريبات) يجري اللقاء الأول بين (ألماز ولمعان). حين تدخل (ألماز) فضاء الغرفة فإنها ترى نفسها، تشعر بأن وجودها ثنائي الحضور المكاني: "أحست للحظة أنها هي وقد انفصلت عن نفسها تلمست جسدها تأكدت أنه معها، لكن كيف تكون واقفة هنا وبالوقت نفسه هي واقفة أمام اللوحة ترسم؟. كانت لمعان قد رسمتها، رسمت وجه ألماز، وكانت تشبهها كثيراً، تشبه لمعان".

خيار القرائن الميتافيزيقية أو الفوق واقعية يتبدى لاحقاً في الرواية لأجل مضامين فكرية، القرين هو ذات لا متناهية في التواصل، القرين للتواصل الإبداعي والثقافي وليس للقوى الغيبية. وهنا تقترح الرواية ما هو نقيض عند القرين الأشهر في الأدب الروائي القريب (قرين، فيودور دوستويفسكي) الذي يظهر فيها القرين كبديل عن الموظف الإداري المهمش (غوليادكين)، ويأخذ القرين وجوده ومساحته الإجتماعية إلى حد الإلغاء. واستمر حضور القرين في الأدب بشكل مكثف بحيث يشكل سؤالاً عن أصالة الذات، وسماتها التي تميزها بهوية مستقلة، فالذات والقرين علاقة نموذجية لحبكات الأسئلة الوجودية والنفسية. لكن الرواية الحالية تتميز بإلاقتراح الإبداعي الذي تشكله القرينات بالنسبة لحياة الأخرى وشخصيتها ومهاراتها: "كانت ألماز منزوية ترسم كالميتة حتى أعطتها لمعان الحياة، لمعان جاءت لألماز بالحياة، ألماز أعطت إيزيس الحياة، كأنهن يتبادلن الطاقة بالحياة والبهحة. بينما كانت لمعان تتعلم العربية والإنجليزية والرسم والرقص، كانت ألماز ترقص وتحكي، وكانت إيزيس منهمكة في تدوين حكاية ألماز".

 القوى السحرية للمعرفة

إن لجوء الكاتبة على عوالم الغيبيات، القرينات التي تقربهن من الجن والسحر، هو لتبيان على قدرة المعرفة، فيأتي على لسان ألماز: "لقد رُويت عني الحكايات المضحكة، حكايات لا يستطيع البسطاء تفسيرها إلا وفق منطق الجان والإنس والقوى الغامضة، أجل، لدي قواي الخارقة، كما لدى النساء جميعهن، فقط علينا اكتشاف هذه القوة في كل منا".

فالصفحات الأولى من الرواية تتضمن فكرة محورية في كامل تجربة النص، إن مميزات الكاتب/ الكاتبة وحدها التي تمنح الاعتقاد بقدرات تدفعه لبناء علاقة مع ثلاث قرينات على هذه الشرطية المركبة في ابتكار الحكايات والمشاعر والأفكار: "وحدهن الكاتبات يستطعن رؤية المشهد كاملاً دون وسمه بالتواطؤ، بل تستطيع الكاتبة التوقف عن إيراد عشرات الأمثلة من الأحداث التي تراها أمامها، دون أن تحتاج إلى البرهنة على أن كلا من هؤلاء النسوة الثلاث على الأقل، بل ثمة أخريات، يخضعن لشروط متشابهة في ولادة الحكايات والمشاعر والأفكار ، وربما الأقدار. هكذا تبدأ امرأة ما هذا الكتاب معتقدة أنها ترتبط مع ثلاث نساء على الأقل، في أحد مصائر ومسببات، يحرك أحدهما الآخر".

والمقصود بالكتابة هي المعرفة. إن هذا المضمون المتعلق بقدرة الثقافة والمعرفة بالاقتراب من الغيبيات وتطويعها على الفكر الذي قام عليها الأدب والفن الرعوي، ذلك الفن الذي اهتم بالمرحلة الحضارية التي كان الإنسان ينفصل فيها عن الطبيعة، ليركن إلى قوة المعرفة والفن. من أشهر نصوصها المسرحية الأخيرة التي كتبها شكسبير (العاصفة/ 1611).

سلطان المعرفة والفن على الطبيعة

الأدب الرعوي، الموسيقا الرعوية، والمسرح الرعوي هو الذي اهتم بموضوعات انتقال التجربة الإنسانية من الخضوع إلى الغيبيات ليدافع عن المعرفة والعقل. فالشخصية الرئيسية (بروسبيرو) يملك القدرات السحرية في التحكم في الطبيعة، والجان، والقوى الخارقة من خلال معرفته بالفنون والآداب. فليس بروسبيرو إلا متمكن من معارف الآداب والفنون ولذلك نراه قادراً على التحكم بالجان وتطويع فوضاهم. لقد ركز على أبحاثه ودراساته فخدعه أخوه (أنطونيو) الذي اهتم بإدارة الدولة وخدع أخاه واستلم الحكم عنه.

بروسبيرو الآن منفي في جزيرة مع ابنته الوحيدة، ويسعى من خلال أحداث المسرحية لإعادة العدالة والحق. يمثل الأخ أنطونيو الجانب السياسي والانتهازي، بينما يمثل بروسبيرو الجانب الفني والمعرفي. أما صراعه مع القوى الماورائية فيكون مع الجني (كاليبان).

إن المقدمة المميزة التي رافقت طبعة (آردان) بقلم (فرانك كيرمود) تبين هذه الموضوعة بوضوح: "العاصفة هي دراما رعوية وهي تنتمي إلى ذلك النمط الأدبي الذي يعنى بالتضاد بين الطبيعة والفن"، عالم الفن عند بروسبيرو وعالم الطبيعة عنده كاليبان. فهو يقاس بالنسبة للإنسان المتحضر، والطبيعة هنا تتعارض مع الفن، بينما الفن هو سلطان الإنسان على العالم المخلوق وعلى نفسه، أما طبيعة كاليبان فهي التي لا تدفعه إلى التفكر ولا للعبودية ، وليس للحرية. أما بروسبيرو يمثل الإنسان المتمدن، وما قواه السحرية إلا المعارف الفنية، هذا الفن الذي يدعو إلى الفضيلة، يسمو على الطبيعة بالمعرفة التي تقف على النقيض من السحر الأسود. إن الفن مرتبط بتلك المعرفة المسمّاة تربية، هي ذلك القيثار أورفيوس، ذلك العود في يد آمفيون، التربية التي أحسن الشعراء تصوير معجزاتها بين مخلوقات تفتقر إلى العقل والإدراك ، المعرفة هي التي تخلق الجمال من بين القبح، والنظام والقواعد من بين الفوضى والإضراب. فن بسروسبيرو. وهذا الفن هذا الفن على نقيض الخضوع للطبيعة". الذي يمثله الجان في نص شكسبير والجان في رواية (قريناتي). فالنص الشكسبيري والجن القريني لمستويات ثلاثة من الطبيعي- الحيواني- البشري والعقلي.

يظهر ذلك في رواية (مها حسن) أيضاً، فالقدرات الفنية الناتجة عن الجهد والبراعة، يُعتقد شعبياً بأنها تنطوي على قوى غيبية: "كانوا يرون في لوحاتها فعلاً يقوم به الجان، وكان البعض يروج بأنها ترسم وهي مسكونة بالجان". أما المضمون الأدبي من العمل الروائي فهو مغاير تماماً، إن التواصل بين القرينات الثلات هو حالة إبداعية ليست غيبية، لكن ما تختلف فيه الرواية عن النظرية الرعوية هو ما تقرؤه إيزيس في كتاب (نساء يركضن مع الذئاب، الاتصال بقوى المرأة الوحشية، كلاريسا بنكولا)، وتتبنى مقوله، وهو أن الفن هو ناتج عن اتصال المرأة مع هذه القوى". لتعارض النظرة الرعوية متبنية وجهة نظرها: "بارتباط الفن بالحالة الوحشية لدى المرأة. أن الفن يمثل الغابة غير المكتشفة، كلما كانت الفنانة أميل للوحشة بداخلها، اقتربت من الفن".

mardi 5 octobre 2021

مها حسن: عن النساء والفقد والفنّ

الرواياتُ أيضاً تتناسخُ كمَا تتناسخُ الأرواح، لتأخذك إلى عالمٍ نورانيٍّ بعيدٍ عن الحقيقة لكنّه قريبٌ مِن الواقع، لا يقتربُ من الصواب لكنّه صادق، لا يمكن أنْ تستوعبَ ما يحدثُ فيه، لكنكّ تصدّقه وترغبُ في معرفة المزيد. إنّه عالمٌ تتناسخُ فيه الحكايات وتتداخلُ فيه القِصص والوقائع... متاهة سردية تلك التّي اختلقتْها الروائيّة السورية مها حسن في رواية «قريناتي» الصّادرة عن «منشورات المتوسط». ما إنْ تقبض فيها على خيطٍ يشدّ بيدك إلى الحقيقة حتّى تضيّعه، لتعاودَ البحثَ عنه مجدداً. أثناء ذلك، تضيّع الطريق، لكنّك تمسك بإشارةٍ أخرى تقود إلى ممرّاتٍ مختلفة، وهكذا تتكاثرُ الخُيوط وتتكاثفُ الحكايات. نجدَ أنفسنا في بدايةِ البدايات، مع صديقات ألماز لمعان وإزيس، لكن بسرعة سَردية غير متوقّعة نعثرُ على ألماز أخرى، تلك الألماز تنجبُ نظلية، لنسقط مجدداً في فخّ مها حسن وسردها اللئيم، فالمتحدّثُ الآن هو لمعان صديقة ألماز التي تعرّفنا عليها في البداية. مرّةً أخرى تتحكم مها حسن بزمام السرد وخبايا الحكايا، إذ نقفُ مجدداً مع ألماز أخرى، فنّانة عاشقة للحياة والحريّة، جميلة للحد الذي يصبحُ فيه «الجمال هو تناغم الهدف مع الشكل» كما قال أحدهم. لكن بقدر ما تعشقُ هذه الألماز الفنّ، تهوى الحُريّة، ما دفعها للهرب إلى إيطاليا بحقيبة تدسّ فيها أحلامها بحياة مُشتهاةٍ. وهناك، عرفتِ الحبّ كما كان ينبغي لها أن تعرف، وعرفتِ الفنّ الّذي جعلها تفكّر في نفسها ككائن آخر يستحقّ حياة أفضل، لكن خلقتِ الأحلام كي لا تتحقّق، لتفاجأ بموتِ مربيّتها، ما اضطرّها للعودة مجدداً لديارها.

تأخذنا الكاتبة إلى فصولٍ أخرى من حياة ألماز وعودتها لزوجها وكلّ القصص الغريبة التّي حدثتْ في مكانٍ لا يُشبهها، فاختارتْ أن تنزوي في مكانٍ قصّي في الغاب ترسم وترسم، حتّى يدركها التعب: «فسوف أعود إليّ، أنا هناك، لا أزال أنتظرني في الغابة. روحي هناك، أناي الكارهة للضوء المزيَّف المزيِّف، أنا لستُ ابنة الصالات النظيفة اللامعة، أنا الوحشة، الغولة، ابنة الحكايات التي لا يصدقّها العقلاء».
نعثر أخيراً على الخيط، إنّه يعود بنا إلى البداية، إلى لمعان صديقة ألماز الأولى، إذ تحكي حكايتها برواية، في فصلٍ جديد غير متوقّع.
تشعر أنّ مها حسن تكتب حيوات كثيرة أشخاص عرفتْهم في مشاهد الحياة المتواصلة، إذ ذكرت في الرواية على لسان ألماز المطرب الكردي أحمد كايا الذي تشعرُ كأن أغانيه تفتحُ أبواب الذاكرة الموصدة فهي: «تسمع أحمد كايا، وتبكي وهي ترسم. تهتزّ مع الموسيقى، وفي كلّ اهتزاز، تشعرُ بأنها تحرّك النساء النائمات أو ربما المُغمى عليهن، في كهوفها المنسيّة، هي مكان، ليس فقط هذا الجسد المرئي، بل تواريخ وذواكر وشُخوص تقبع في كهفِ الجسد، الكهفُ اللامرئي، الذي تثيره الموسيقى العالية، الرقص». هكذا تكلمت الرِوايّة.
تنقلُ الروائيّة أوجاع البشر، مآسيهم، وحريّاتهم المخنوقة في مجتمع يستظلّ بظلال الأعراف، تبرز أيضاً ماهيّة الفقد الذي يجمّله الفن أو لربّما يرسّخه أكثر: «كان الفقدُ عنوان حالاتها الدائمة. كأنّها تعيشُ على مدّخراتها من الحياة التي عاشتها، فترسم من وحي ما عاشتْه، أو ما تتخيّله، لأنّ الحياةَ الراهنة، لم تعدْ سوى استعادة للذكريات عبر اللوحات، أو تفريغ للمخيّلة والمنامات، عبر الأشكال والألوان».
تقدّم الرِواية نموذجاً للفنانة التي تحملُ هواجس أكبر من أنْ يستوعبها المجتمع، تلك التي تبحثُ عن الصدق والمحبّة اللامشروطة ولا بأس إنْ وجدتْها عند الكلاب وفي الغابة: «إنّني أعتبرُ ولائي للكلاب كأهم كائناتٌ في حياتي، وأحبّ حضور هذه الكائنات حولي، وما يهمّني حبُّ هذه الكائنات لي، أعني الحبّ المتبادَل بيننا». كأنّ الروائية تستذكِر حكايا الجدّات اللواتي لم يمتلكن فنّ الكتابة، لكنّهن امتلكن القِصص المفتولة بخبرة الحياة، في عالمٍ كان مفتوحاً على الحكي، فلا جُمل زائدة تعرقلُ فهمه ولا سرد مطولاً يثقل صدق محمولاته، ولا تعابير ركيكة تفسدُ سحره، إذ ذكرت في الروايّة عبارة ذات مدلولات قويّة، كأنها مستوحاة من ذاكرة الروائيّة نفسها، لتكتُبها كمشهدٍ عصي على النسيان، مكتوب بسحر البيان، عندما رأتْ ألماز الجدة، خَجيْ تشاهد شيئاً، وعندما اقتربتْ ألماز، لم تجد لا تلفازاً ولا شيئاً. سألتها ماذا تفعلين؟ قالت: أشاهدُ أفلامي الداخليّة. أي تستذكرُ الماضي وكأنّه مشاهدٌ من فيلم.
كتأويل للعملِ، أرادت الروائية أن تُنبّه قارئها بعدم ربط الرواية بالواقع أثناء القراءة، لكن حين تنتهي من ذلك، فكّر في الرواية التي تماهتْ داخلك، لدرجةٍ يصبحُ فيها الواقع قابلاً للتفسير والتعاطي معه بشكلٍ مختلف، وهنا يكمن سحر الأدب وقدْرته الخرافية في قول ما لا يقال إلاّ روائياً.
«قريناتي» ليست رواية عن تناسخ الأرواح فحسب، وإنما عن النساء، عن الفقد والفنّ حين يصبح شكلاً من أشكال التعاطي مع الحياة، إذ تقتربُ الرواية من الفنّ للحدّ الذي يصبحُ فيه قريناً لها: إذ ترى أنّ «الفنّ يمثّل الغابة غير المكتشفة: كلما كانتِ الفنّانة أميَل للوَحشة بداخلها، اقتربتْ من الفنّ» كما جاء في الرواية .

جريدة الأخبار ـ ساره سليم